Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 1-7 ذي القعدة 1419هـ - 17-23 فبراير 1999
العدد 1365

خسر السوق العراقية ولم يقطف ثمار السلام مع إسرائيل
الأردن تخطى مشكلة الخلافة بكفاءة لكن استقراره يتوقف على ازدهار الاقتصاد

لو عرف العاهل الأردني المتوفى الملك حسين كيف ستكون جنازته لاعتراه شعور بالفرح بل بالفخر، فقد جمع حلفاءه الأمريكيين والبريطانيين خلف نعشه بل أعداء أيضا يرون في العائلة المالكة الأردنية مجرد تابع للغرب، وأعداء حاولوا مدة طويلة أن ينقلبوا على العرش الأردني أو حتى أن يقتلوا الملك· وكانت مفاجأة اليوم - الجنازة - هي حضور الرئيس السوري حافظ الأسد الذي انتقل من دمشق حتى يقدم تعازي بلد متهم بمحاولة زعزعة استقرار الأردن· وكان هناك أيضا وفد إسرائيلي كبير يضم رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي أدت جهوده الرامية الي عرقلة عملية السلام الى إضعاف الملكية الأردنية داخليا فصارت متهمة بالانخداع بتوقيع اتفاق سلام مع جارتها العبرية·

لقد استفاد جميع المشاركين في الجنازة الدولية الذين ساروا كتفا الى كتف من وجودهم حتى يفتحوا الملفات الراهنة· وهكذا عادوا من عمان مطمئنين· فالحكم الهاشمي ينبغي أن لا يعاني آثار التغيير الذي شهدته المنطقة (بوفاة الملك) وينبغي أن يبقى راسخا· والملك الجديد يجب أن يثبت أقدامه، وسياسة البلاد يجب أن لا تتغير فجأة· والى هذا طمأن الملك عبدالله الجميع عندما جاؤوا يقدمون إليه التعازي·

في تصريح قصير للصحافة الفرنسية، عبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك (الذي شارك شخصيا في الجنازة) عز فرحته بـ"الطريقة الممتازة" التي واصلت بها المؤسسات الأردنية العمل، وعن العاهل الأردني الجديد قال: "إنه ملك يمكن الثقة فيه والاعتماد عليه· لديه كتفان عريضتان· وهو يتولى السلطة بروحية الاستمرار بأفضل ما يحقق مصالح الأردن في المنطقة" وبعبارة أخرى، يعني ذلك أن الأردن سيواصل الإصلاحات السياسية والاقتصادية ولا يعيد النظر في العلاقات الطيبة مع إسرائيل·

فهل كانت هذه الإشارات وليدة الظروف؟ حتى الآن لم يرتكب العاهل الجديد أي خطأ· والجنازة كانت برهانا· فاجتماع العشرات من رؤساء الدول مع كل ما يرافق ذلك من ضرورات أمنية كان منظما بطريقة كتبت أن وفاة الملك حسين لم تشل الجهاز الإداري الأردني· وقد استطاع مئات الصحافيين الذين جاؤوا الى الجنازة أن يعملوا بطريقة لائقة· وباختصار، تبين أن الأردن بقي يعمل بعد الوفاة كما قبلها بطريقة أفضل مما يفعل بعض الدول العربية·

والأفضل من ذلك، أن الملك عبدالله الذي تولى مقاليد الأمور من دون ارتكاب أي خطأ دستوري عرف كيف يهدئ تخمينات ثارت عقب تعيينه وليا للعهد· فقد عرف كيف يضطلع بالمسؤولية الجديدة وهو يظهر بصفته "ملك الإجماع" وموحد عائلة مالكة هزتها إعادة توزيع الأوراق في داخلها قبل أسبوعين من وفاة الملك حسين· وقد شاهد زعماء الدول الدور المميز الذي أداه الأمير حسن ولي العهد السابق الى جانب ابن أخيه الملك الجديد· وكل ذلك كان يوحي لهم أن الاستمرارية مضمونة وأن مقدرات الأمير  حسن وكفاءاته ستوضع في خدمة الملك عبدالله الثاني·

قبل أسبوعين من ذلك، أَسَرَّ رئيس وزراء أردني سابق وهو يخشى آثار عزل الأمير حسن أن حكم هذا البلد يتطلب رجلا قويا رجلا مستقرا· واستنادا إليه، لا يتمتع الملك عبدالله الذي كان وقتها وليا للعهد بالوزن المطلوب· ويفترض الآن أنه اطمأن أخيرا كما كل الأجانب الذين أقاموا صلات قوية مميزة مع الأمير حسن باعتباره ملك المستقبل·

لكن مستقبل الأردن لا يتوقف علي الأوضاع داخل القصر الملكي فحسب· فهذا البلد ينبغي أن يحدد خياراته بسرعة· وفي هذا الصدد تتنازعه قوتان هما الدين الخارجي وإعادة الهيكلة الاقتصادية في حين أن البطالة تطول من يراوح عددهم بين 25 و30 في المئة من القوة العاملة النشيطة، ولا يتعدى معدل النمو السنوي 0,1 في المئة· أما التحويلات المالية للمهاجرين فأخذت تضعف· فالأردن الذي لا ينتج نقطة نفط واحدة أقام اقتصاده على الذهب الأسود بفضل القوة العاملة التي يصدرها الى بلدان الخليج العربية· لكن الهبوط الشديد لأسعار النفط نال بقوة من عوائده المالية، أما النموذج التنموي الذي اتبعه الأردن فلا يوجد له حتى الآن بديل· وبرغم أهمية المساعدات الاقتصادية التي أعلنها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والزعماء الأوروبيون، فهي تبقي غير كافية لتخفيف المصاعب التي تزداد حدة·

وثمة مشكلة أخرى كبرى تتصل بجاري الأردن: العراق وإسرائيل· فقد أدى تسريع المبادلات التجارية مع هذين البلدين الى تأسيس سياسة تنموية جديدة والى ضمان تجذير الطبقات الجديدة اقتصاديا· لكن السوق العراقية تلقت ضربات قوية بفعل العقوبات في حين أن العلاقات التجارية مع إسرائيل بقيت راكدة أساسا· فمرفأ العقبة الأردني علي البحر الأحمر الذي كان بمثابة الرئة البحرية لبغداد، ومورد عائدات كبيرة للأردن، صار يعمل ببطء· أما المبادلات التجارية مع إسرائيل فتبقى أدنى بكثير من المبادلات التجارية بين المملكة الهاشمية والضفة الغربية في ظل السلطة الفلسطينية·

وبرغم اتفاق السلام المشهود الموقع من الدولة العبرية عام 1994، يعتقد كثير من الأردنيين أن إسرائيل لم تغير شيئا، فهي مازالت تتطلع نحو الغرب لا الى الشرق· وقد شاهد الأردنيون كيف بكت الدولة العبرية مليكهم الراحل، لكنهم رؤوا أنها لم تفعل شيئا من أجل تنشيط المبادلات التجارية مع بلادهم· أما جمود عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية فكان من شأنه زيادة الاستياء في صفوف المواطنين وإعطاء مصداقية الى جهات ما كانت ذات شعبية في الماضي·

وهنا تكمن مشكلة الأردن الرئيسة: فالمصاعب تتوقف بقدرها الأكبر على عوامل دولية ليس لحكومة الأردن قدرة على تغييرها بأكثر مما يستطيع الرئيس الأمريكي· ومن يريد أن يبقى الأردن عاملا جوهريا في عملية السلام عليه أن يساعد في ازدهاره·

(لوموند)

طباعة  

واشنطن وطهران: متى تُستعاد العلاقات الدبلوماسية اللازمة للجانبين؟
 
محاكمة كلينتون انتهت بكرامة لكن حذار الحرب الحزبية في واشنطن