Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 8-14 ذي القعدة 1419هـ - 24 فبراير 2 مارس 1999
العدد 1366

في دراسة عن المرأة المسلمة و"الطلاق الإسلامي" في إنجلترا* للوسي كارول**
الطلاق أو إنهاء الزواج خارج القضاء الانجليزي يثير مشكلات خاصة

· قبل عام 73 كان الأزواج غير المواطنين القاطنون في إنجلترا لا يستطيعون اللجوء إلى المحاكم لإنهاء زواجهم

·  مجلس الشريعة الإسلامية في لندن لا يعترف بالزواج أو الطلاق المدني

·   المواطنة أو الإقامة الإنجليزية لا تسمح بالدخول في زيجة تعددية

·الاعتراف بزواج أجنبي حرم المحكمة الإنجليزية من أية سلطة في إصدار أوامر مالية لصالح الزوجة المتروكة

· برلمانيان بريطانيان يقترحان تعديلاً على نظام "الخلع الإسلامي للحصول على الطلاق لأنهما يعتقدان أنه ابتزاز من الزوج لزوجته

 

ترجمة: أبو بكر باقادر***

لقد فتحت ثلاثة تغيرات مهمة في القانون الإنجليزي في الربع الأخير من القرن أبواب محاكم أحوال الزواج الإنجليزية للأزواج المسلمين القاطنين بإنجلترا· فقبل عام 1973، كانت المحاكم الإنجليزية تمارس أحكام الطلاق على أساس مكان السكن الدائم· أما الأزواج القاطنون في إنجلترا لكنهم ليسوا من مواطنيها الدائمين، فلم يكن يمكنهم أن يلجأوا الى المحكمة الإنجليزية لينهوا زواجهم· فحتى 1972 كانت المحاكم الإنجليزية ترفض النظر في كل الزيجات "التعددية"، والتي يدخل فيها أي زواج أحادي واقعا لكنه "محتمل" التعدد، بمعنى أنه بحسب إجراءات قيام الزواج يمكن أن يقع التعدد بحيث يسمح لأحد الطرفين أن يتزوج الزواج الحالي القائم· إن هذا القيد أو الشرط على وجه الخصوص حرّم محاكم الأحوال الشخصية الإنجليزية على المتزوجين بحسب الشريعة الإسلامية حيث يُسمح بالتعدد للمسلمين (مثلا من باكستان أو الهند) وفي الوقت نفسه، لو أن الطرفين أو أحدهما كانا من مستوطني انجلترا خلال هذا الزواج الإسلامي الأجنبي، فإنه يفترض عموما أن الزواج لاغٍ في القانون الإنجليزي لأن المواطنة أو الإقامة الإنجليزية لا تسمح بالدخول في زيجة تعددية بما في ذلك الزيجة التي "تحتمل التعدد"·

وقد وسّع قانون إجراءات التوطن والأحوال الشخصية الصادر عام 1973 صلاحيات المحاكم الإنجليزية بالسماح لها أن تتقبل طلبات الطلاق في حالات كون أحد الزوجين من المقيمين في المملكة المتحدة لفترة لا تقل عن اثني عشر شهرا ليتمكن من تقديم طلب للمحكمة بغض النظر عن مسألة توطن أي من الطرفين· فقد أزاح قانون إجراءات الأحوال الشخصية (بند الزيجات المتعددة) الصادر 1972، الحظر عن عقبة الأحوال الشخصية التي كانت تثار سابقا على أساس أن الزواج الأجنبي إما أنه محتمل للتعدد أو هو تعددي فعلا· وقرار محكمة النقض عام 1983 في قضية حسين ضد حسين  يذكر أن الزواج الذي تم عقده خارج انجلترا لرجل مسلم يستوطن انجلترا لا يعد لاغيا لكونه يحتمل أن يكون "تعدديا"· فقد أشارت المحكمة الى أن العروس الباكستانية، بحسب قانون الأحوال الشخصية الخاص بها (أي القانون الباكستاني المسلم حيث تستوطن) لا يسمح لها بزوج آخر أثناء استمرار الزواج، بينما الزوج، بحسب قانون الأحوال الشخصية التابع له (أي القانون الإنجليزي حيث يستوطن) لا يسمح بزوجة أخرى أثناء استمرار الزواج· وبذلك لا يسمح لأي من الزوجين أن يتزوج من شخص إضافي رغم أن المحكمة سألت عن احتمال التعدد· 

الإصلاح القضائي

لكن بعد الإصلاح القضائي الصادر عام 1972 و1973، فإذا كان أي من الزوجين من سكان انجلترا بإمكانه الإفادة من الإصلاحات الزواجية المتاحة لهم عن طريق المحاكم الإنجليزية، إذا كانت الأطراف تستوطن بلدا تطبق فيه الشريعة الإسلامية على الزواج، فأصبح بإمكان الزوج أن يختار استخدام حق الطلاق بدلا من اختيار الإجراءات القضائية - أو أن يسمح لزوجته أن تترافع في شكوى الطلاق ومرة أخرى، فإن تغيرات القانون الإنجليزي في الربع الأخير من القرن حددت إمكانية استخدام الزوج حق التطليق وبشكل يحرر قواعد الاعتراف بالتطليق "الإجرائي" الذي يحصل في الخارج (وذلك بالسماح بمثل هذا الطلاق أن يقع في بلد يكون فيه أحد الزوجين مرتبطا بروابط المواطنة أو الإقامة، بدلا من مجرد اعتبار قوانين البلد الذي يستوطنه الزوجان)·

وهذه التطورات، وهي إجمالا تنازلات - ربما تنازلات طال انتظارها - لطبيعة انجلترا المتعددة الثقافات لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبسبب وجود أقلية مسلمة لا بأس بها، أنتجت ردة فعل جديدة باتجاه ما يمكن أن يسمى مصالح الذكور المسلمين· لذا قد يكون من المناسب أن نفحص وبشكل تفصيلي الجوانب المختلفة للحالة المتطورة أو قيد التطور· 

الطلاق والشريعة الإسلامية 

الطلاق خارج القضاء من طرف الأزواج المسلمين

إن إحدى سمات الشريعة الإسلامية المعروفة جيدا في الغرب تتعلق بمدى السهولة المتاحة للزوج في الطلاق· فبمجرد تلفظ صياغة معينة يمكن للزوج أن ينهي الزواج· وفي ظل التشريعات التقليدية غير المعدلة، يمكن أن تعطي مثل هذه الألفاظ الحق للزوج إن كان سنيا أن ينهي الزواج في الحال ومن دون رجعة· وإذا ما كان الزوج حنفيا (وهذا هو حال غالبية مسلمي جنوب آسيا، والغالبية العظمى من مسلمي انجلترا من أصول جنوب آسيوية)، فإن حقيقة أنه تلفظ بهذه العبارات المصيرية وهو في حالة سكر أو غضب شديد أو أنه لم يقصد ما تلفظ به أو أنه تراجع عما قال، كل ذلك ليست له أهمية قانونية، فقد انتهى الزواج، إذا كان الطلاق طلاقا بائنا·

لكن مع ذلك، فإن نظام أحكام الأسرة في باكستان الذي صدر عن حكومة أيوب العسكرية عام 1961 قدمت فيه (الفقرة السابعة) بعض تغيرات الحد الأدنى في مجال حقوق الزوج المسلم بخصوص الطلاق خارج الإطار القضائي، وذلك بتقرير أن أي تلفظ بالطلاق يجب أن يبلّغ الى موظف معين محلي وللزوجة وإعلان أنه لن يكون هناك تلفظ بعبارة "طالق" تتحول الى طلاق فعلي إلا بعد مرور تسعين يوما من استلام مثل هذا الإشعار والتبلغ· وأثناء هذه المدة، فإن لفظ أو عبارة "طالق" تبقى غير ملزمة (وإذا ما تراجع عنها فإنها لن تصبح طلاقا)، وكذلك في هذه المدة فإن الموظف المحلي مكلف بأن يسعى الى مصالحة الزوجين، وسواء أقام بهذه المسؤولية أم حاول القيام بها، فإنها ليست لها أهمية في وقوع الطلاق بل إن الطلاق سيقع بعد انتهاء التسعين يوما من دون العدول عن التلفظ الذي قال به الزوج·

لذلك توجد أربعة متطلبات إجرائية لإيقاع الطلاق باستخدام عبارة "طالق" في القانون الباكستاني:

1 - التلفظ بعبارة "طالق"·

2 - إعلام الموظف المحلي المعني بالتلفظ·

3 - إعلام الزوجة بالتلفظ·

4 - مرور تسعين يوما لا يتراجع خلالها الزوج عما تلفظ به· وهذه الإجراءات إلزامية لنفاذ الطلاق بصيغة "طالق" في ظل القانون الباكستاني وهو ما دفع المحاكم الإنجليزية لتتوصل الي أن صيغة "طالق" الباكستانية تشكل إجراء قضائيا بالطلاق "تم الحصول عليها عن طريق إجراءات أخرى" في سياق قانون الاعتراف بطلاق الأجنبية والفصل القانوني بين الزوجين الصادر عام 1971·

الاعتراف بالطلاق بصيغة "طالق" في القانون الإنجليزي

قبل عام 1971، كان القانون الإنجليزي فيما يخص إنهاء الزواج الواقع في ظل أو بحسب نظام قضائي أجنبي واضحا ودقيقا مفاده: يعد الطلاق الأجنبي طلاقا معترفا به في ظل قواعد القانون العام بوصفه طلاقا صحيحا في القانون الإنجليزي إذا كان مصادقا عليه من طرف القانون الذي يستوطن فيه الزوجان (وكان في ذلك الوقت، يعني مكان مواطنة الزوج)· وحيث يكون مثل ذلك الطلاق مصادقا عليه أو صحيحا في القانون الذي يخضع له الزوجان، يظهر أن الزواج يمكن أن يُنهى في القانون الإنجليزي عن طريق استخدام لفظ "طالق" خارج القضاء في انجلترا·

على أن قواعد القانون العام عدّلت بشكل جوهري على أساس قانون الأسباب الزواجية الصادر عام 1973 والقائلة بما يلي: (i) بحسب المادة (16/1) أنه لا تقع أية إجراءات في المملكة المتحدة ويمكن اعتبارها تنهي الزواج ما لم تكن صادرة عن محكمة قانونية، (ii) منع الاعتراف بأي طلاق تم الحصول عليه عدا الذي تم "عن طريق قضائي أو بإجراءات أخرى" إذا كان كلا الزوجين يقطن في المملكة المتحدة لفترة اثني عشر شهرا قبل الطلاق (المادة 16/2)، (iii) إنهاء فترة إعادة توطين الزوجة (المادة (1)، ويعني الاعتراف بأنه قد يكون للزوجين أماكن سكن منفصلة يستوطنان فيها (بحيث إن الزواج ما عاد يتطلب السكن المشترك شرطا للصحة أو الانحلال) ومع ذلك فقد صار من الممكن أن يعترف بالطلاق على أساس قاعدة القانون العام (السكنى الأجنبية) إذا كان صحيحا بحسب قوانين السكن الدائمة لكل من الزوجين، ويحجب الاعتراف إذا كان أحد الزوجين يسكن بشكل دائم في المملكة المتحدة·

وفي الوقت نفسه، فإن قانون الاعتراف بالطلاق والفصل القانوني الأجنبي الصادر 1971 (والذي تأثر بالاتفاق الصادر 1970، وإن كان قد ذهب أبعد مما نصت عليه الاتفاقية) قدم صيغة للاعتراف بالطلاقات "سواء تم الحصول عليها عن طريق إجراءات قضائية أم إجراءات أخرى" في حال كون أحد الأطراف مرتبطا بروابط جنسية أو إقامة دائمة أو توطين (بما في ذلك التوطين كما تعرفه الدولة الأجنبية المعنية)· ومتطلبات الاعتراف بالطلاق الأجنبي في ضوء قانون عام 1971· كانت أكثر مرونة من تلك القوانين التي قررتها قواعد القانون العام (المنقحة)، التي أبقي عليها عام 1971 وعدلت بقرار 1973· 

معايير متميزة 

لذا توجد مجموعتان متميزتان من المعايير قد يقبل في ظلها الطلاق الأجنبي في القانون الإنجليزي· فقواعد القانون العام يمكن أن تسري لو كان أي من الزوجين يستوطن انجلترا أو أن الزوجين (بعد قرار عام 1986 أو أحدهما) قد أصبحا مقيمين بشكل مستمر في المملكة المتحدة لاثني عشر شهرا قبل إجراءات الطلاق· ولا يمنع أي من هذه الإجراءات بشكل تلقائي الاعتراف بالطلاق الأجنبي في ظل التشريعات المطبقة للاتفاقية الأوروبية بدن  هاغ عام 1971·

ويثير الطلاق خارج القضاء أو إنهاء الزواج مشكلات خاصة، وهو أمر يتضح بشكل مثير في مناسبتين حينما ترى المملكة الإنجليزية فعلا غير قضائي أو حادثة أو واقعة غير قضائية لها تأثير في إنهاء الزواج، في ظل قانون أجنبي له علاقة، بينما لا يكون للفعل أو الواقعة أي تأثير على الإطلاق في الحالة الزوجية للطرفين بحسب قانون القضاء الأجنبي·

أما المشكلة المباشرة التي يثيرها الاعتراف بالطلاق الأجنبي القائم على أساس أن المحكمة الإنجليزية ليس لها أية سلطة قضائية للتعامل مع الأمور التابعة أو المرادفة ما لم تنه هي نفسها الزواج· وهكذا، فإن الاعتراف بزواج أجنبي بوصفه ينهي بشكل فعال الزواج، حرم المحكمة الإنجليزية من أية قوة أوسلطة في إصدار أوامر مالية لصالح الزوجة المتروكة· ورغم أن هذه المشكلة يمكن أن تثار فيما تعلق بأي طلاق أجنبي (سواء أكان طلاقا قضائيا أم غير ذلك)، وهي مشكلة قد أثيرت كما هو متوقع بخصوص الطلاق التقليدي وذلك لأن الفقه الإسلامي لا يعترف بأي مفهوم لتقسيم الممتلكات المشتركة بسبب الزواج ولا بأية "نفقة مطلقة" alimony· فالمرأة المطلقة طلاقا تقليديا معترف به في ظل تشريع عام 1971/1973 ليس لها سوى تعويض بسيط ما لم يكن الزوج قد التزم بمهر عال (جيد) وقت الزواج للعروس· ويعد هذا دافعا أساسيا للزوج المسلم في انجلترا أن يبحث عن طريق ليطلق طلاقا تقليديا، بدلا من أن يرفع دعوى طلب طلاق في المحاكم الإنجليزية (أو أن يسمح لزوجته أن ترفع قضية طلاق ضده)، فهذا هو المرغوب لتجنب أية مسؤولية مالية للمطلقة·

إن عجز المحكمة الإنجليزية عن أن تحمي مصالح المرأة التي ُأنهي زواجها أو طلقت بسبب طلاق أجنبي معترف به في القانون الإنجليزي في ظل قواعد الاعتراف الليبرالية قد تمت معالجته في الجزء الثالث من إجراءات الزوج والأسرة الصادر عام 1984· وهذا التشريع أعطى المحاكم الإنجليزية السلطة في تقديم عون مالي لأحد الزوجين حتى في حالات الزواج التي لم تفسخ من طرف المحكمة الإنجليزية· 

"ابتزاز" الزوجات المسلمات في انجلترا

أثارت تعديلات القانون الإنجليزي اعتراضات حينما ظهر بجلاء أن التشريع الجديد يعطي المحاكم الإنجليزية الصلاحية في تقديم عون إضافي في الحالات التي يكون فيها الزواج قد أُنهي بطلاق أجنبي معترف به في القانون الإنجليزي· فقد بدأ الحديث عن مصالح المسلم بالقول إنه في ظل الشريعة الإسلامية لا يحق للمرأة الطلاق إلا بإذن زوجها ولا يوجد زواج مسلم يمكن أن يحل بالمعنى "الديني" ما لم يتلفظ الزوج بكلمة "طالق"· ورغم أن هذا الافتراض غير صحيح فيما يخص الشريعة الإسلامية، علينا أن نلاحظ هنا أن الصورة المتكونة لوضع المرأة المسلمة قد تمت صياغته بشكل يشبه تقريبا وضع المرأة في الشريعة اليهودية الأرثوذكسية· والغريب في الأمر، يظهر أن هذا الافتراض المزعوم بخصوص الشريعة الإسلامية قد قبل من دون نقد من طرف الدوائر القانونية ببساطة بسبب التشابه الذي لا علاقة له بالحالات المعروضة هنا·

ولقد قابلتُ لأول مرة هذا الافتراض الخاطئ أثناء فترة الأسئلة بعد محاضراتي عن الزواج والطلاق الإسلامي في القانون الإنجليزي في حلقة تدريب دراسية لمحامين نظمتها لجنة الخدمات القانونية بمدينة مانشستر في نوفمبر 1983· ونظرا لأنني كنت قد أقنعت مستمعي أن القانون الإسلامي لا يتطلب في كل الظروف موافقة الزوج على إيقاع إنهاء الزواج وأنه يسمح للزوجة المسلمة الحصول على طلاق قضائي رغم معارضة زوجها، فإنني قمت بالعديد من المحاولات (غير الناجحة) لتحديد مصدر الشائعة التي انتشرت عند ذلك وبالذات في منطقة بولتن·

وفي الصيف الذي تلى ذلك، اقترح عضوان بارزان من أعضاء البرلمان (هما ليوابيز وبيتير تيرنهام) في خطب دراماتيكية جدا إدخال تعديل على قانون لإجراءات الزواج والأسرة، الذي يعتقدان، أنه سيحمي المرأة المسلمة التي يبتزها زوجها ويجبرها على دفع مبالغ طائلة للحصول على خُلع يوافق عليه للحصول على طلاق "ديني"· في ظل القانون الإسلامي قد يكون للرجل العديد من الزوجات، لكن لا يجوز للمرأة سوى زوج واحد، لذا فإن الطلاق الديني يعد أمرا أساسيا للمرأة المسلمة التي ترغب في الزواج مرة أخرى، بحسب عقيدتها، لكن الرجل المسلم يمكنه أن يقنع بطلاق مدني فقط إن لم توجد موانع دينية تحول  دون زواجه مرة أخرى إذا ما رغب في ذلك؟؟

وتواجه آلاف العرائس ذلك المصير· فهن عرضة للابتزاز من طرف أزواجهن الذين يوافقون على إيقاع طلاق شرعي فقط في ظل اعتبار مالي·

ولقد عرضت علي حالات في بولتن، كان فيها موكلي طرفا· وفي حالة واحدة، كان الطرفان قد حصلا على الجنسية البريطانية، ولقد كانا منفصلين عن بعضهما بعضا منذ خمس سنوات مع قرار حاسم للانفصال، لكن الزوج - السابق لم يرض إعطاء طلاق شرعي للزوجة، وكان يطالب بالحصول على 5000 جنيه وإرجاع الحلي التي قدمها في حفلة الزواج·

وفي حالة ثانية، تزوج الطرفان في الهند، لكن بعد علاقة غير سعيدة في بريطانيا أرسل الزوج جواز سفر زوجته الى وزارة الداخلية في محاولة لإبعادها، نظرا لأنها لا تحمل الجنسية البريطانية· ومؤخرا وافق على تطليقها طلاقا شرعيا، لكن اشترط أن لا يدفع لها أية نفقة وإذا أعادت أيضا المجوهرات التي قدمها لها في حفلة الزواج منه· وفي حالة ثالثة، كان الطرفان يحملان الجنسية البريطانية، وتم الطلاق في النهاية بعد استدراج عنيف من طرف أهل الزوجة·

وفي حالة السيدة باتيل، حقق أقاربها طلبات الزوج بأن دفعوا له مبلغ 4000 جنيه وأعادوا له مجوهرات الزواج ليحصلوا منه على طلاق شرعي· وفي حالة خامسة، لم تكن الزوجة بريطانية الجنسية ودفع أهلها مالا للحصول على طلاق شرعي بعد أن هدد زوجها بترحيلها·

لحسن الحظ، سحب التعديل المقترح، ووعد المدعي العام بالنظر في الأمر· ولسوء الحظ كان الضرر قد وقع· فلقد خدمت الأقوال التي قيلت في البرلمان لترويج النظرة الخاطئة كليا عن الشريعة الإسلامية ومن ثم وضع مصالح المرأة المسلمة في المملكة المتحدة في خطر أكبر· 

الطلاق القضائي والشريعة الإسلامية (القانون الإسلامي) 

إن التمييز الأساسي بين حقوق طرفي الزواج المسلمين في الحصول على طلاق غير متفق عليه منهما هو أن الزوج بإمكانه إيقاع الطلاق بسهولة من دون موافقة زوجته، بمجرد تلفظه بكلمة "طالق"، أما الزوجة التي لا يوافق على تطليقها (أو التي يوافق فقط على شروط لا ترضى بقبولها) فإن عليها أن تذهب الى المحكمة·

وتعترف كل المدارس الفقهية الإسلامية بأن للزوجة الحق في التقدم الى المحكمة للحصول على إنهاء قضائي لزواجهما· ومثل هذا الطلاق القضائي يعد طلاقا (بائنا) نهائيا ومن ثم فهو طلاق "شرعي"، أي كالطلاق القضائي بموافقة ورضى الزوج·

لكن مع ذلك، هناك قدر كبير من الاختلاف بين المذاهب الفقهية الإسلامية حول الشروط الدقيقة التي تخول الزوجة الحصول على طلاق قضائي· فالمذهب الحنفي هو أكثر المذاهب تحديدا في هذا الأمر· ولهذا السبب بالذات، تمت إصلاحات شاملة للموقف الحنفي الكلاسيكي في أقطار عديدة، منذ إدخال الإصلاح الأول في الامبراطورية العثمانية عام 1915· ونظرا لأن أغلبية مسلمي المملكة المتحدة تعود أصولهم الى جنوب آسيا، أي أنهم أتباع المذهب الحنفي، فإن الأحكام التي يرجع إليها بشأن الطلاق، هي تلك التي شرعت عام 1939 أثناء الاستعمار البريطاني للهند، التي انشقت الى ثلاث دول فيما بعد هي الهند، وباكستان، وبنجلاديش·

اليوم لا يوجد في المدونة الحنفية ما يمكن المرأة المسلمة المتزوجة من الحصول على أمر من المحكمة لإنهاء زواجها في حالة إهمال زوجها نفقتها أو جعل حياتها يائسة بهجرها أو إساءة معاملتها أو الغياب عنها من دون الإنفاق عليها· إن غياب مثل هذه الإمكانية، ألحق أذى عظيما بعدد كبير من النساء المسلمات من الهند البريطانية· لكن مع ذلك فإن فقهاء الأحناف أوضحوا أنه في الحالات التي يؤدي فيها تطبيق المذهب الحنفي الى مصاعب أو أضرار فإنه من المسموح به تطبيق اجتهادات أو آراء المذاهب المالكية أو الشافعية أو الحنبلية· وعملا بهذا المبدأ فإن العلماء أصدروا فتاوى مقتضاها أنه في الحالات التي عددت في الفقرة 3، الجزء1، من هذا القانون (المشمولة في الجزء 2 من أحكام القانون) فإن المرأة المتزوجة قد تحصل على أمر إنهاء زواجها، ويمكن الإطلاع على عرض تفصيلي لهذا المبدأ في نسخة من كتاب الحلة الناجزة التي نشرها مولانا أشرف علي صاحب الذي درس بإسهاب شروط ومواد المذهب المالكي في ظل الظروف السائدة في الهند والتي قد تطبق على حالات مثيلة· ولقد تمت الموافقة على ذلك من جانب عدد كبير من العلماء ممن ختموا أو وقعوا على الكتاب·

ونظرا لأن المحاكم ترددت بالتأكيد في تطبيق المذهب المالكي في حالة النساء (من غير المذهب المالكي)، فإن هذا التشريع كان المقصود من وراء فرضه إنهاء معاناة كثيرات من النساء المسلمات·

في الظروف الصعبة في الهند البريطانية، اكتشفت بعض النساء الحنفيات اليائسات أن المخرج من حالتهن الزواجية غير المحتملة موجودة لو أنهن كن على استعداد للخروج من الإسلام، حتى ولو بشكل مؤقت· ففي الحنفية، تعد الردة عن الإسلام من أحد طرفي الزواج من المسلمين منهية للزواج الإسلامي، والمرأة المرتدة لا تلبث أن تتوب وترجع عن خطئها، وبعدها تتزوج مرة أخرى بمهر منخفض يقدمه من كانت متزوجة منه وقت ردتها· ولم تكن الردة تعد جريمة في الهند البريطانية، بل في الواقع كانت الإرساليات المسيحية تبحث بنشاط عن أشخاص جدد يدخلون المسيحية، وكان الإنجليون يشكلون جماعة ضغط قوية· ولاحقا أعلن قانون إزالة العوائق الطائفية الصادر عام 1850 (والمعروف أيضا بقانون الحرية الدينية) أن المرتد لا يفقد أيا من حقوقه السابقة (وبخاصة حقوق الملكية والإرث) لمجرد أنه ترك أو طرد من طائفته أو جماعته الدينية·

وربما لدرجة ما غير منطقية، حينما كانت المحاكم الهندية - البريطانية قد واجهت مسألة اتخاذ قرار بخصوص ذلك الجزء من الشريعة الإسلامية تعلن بخصوص إنهاء زواج المرتد بالقوة، رغم أن الكثير من قانون الردة لم يطبق في الهند البريطانية، فإن المرأة المسلمة بإمكانها وبسهولة أن تتخلص من الزوج الذي تكرهه بالتحول الى المسيحية· ويمكنها، وغالبا ما فعلت كثيرات، أن تتحول بعدها الى الإسلام كعزباء·

ورغم أن عدد النساء اللاتي استخدمن مثل هذه التدابير اليائسة صغير عدديا وإحصائيا، إلا أن الحالات التي وقعت أعلن عنها بشكل واسع النطاق في الصحافة الأوروبية وأثارت اهتماما لا بأس به في الجماعة الإسلامية· ولقد أرسلت الشكاوى والمذكرات التي تطالب الحكومة بإلغاء حكم المحاكم التي أصدرت أحكاما تعترف فيها بإنهاء زواج النساء المسلمات اللاتي ارتددن عن الإسلام· وكانت الحكومة مترددة في اتخاذ أي إجراء في غياب وجود علاج بديل يمكن أن يقدم للنساء اللائي استخدمن الردة كوسيلة للحصول على وسيلة تمكنهم من التخلص من الزواج غير متاحة لهن· وفي المقابل، أصدر العديد من العلماء المرموقين فتاوى يقترحون فيها بأن للنساء الحنفيات أن يحصلن على خُلع (طلاق قضائي) على أساس ما تقول به المدارس الفقهية السنية الأخرى، وعلى وجه الخصوص المالكية·

وكان قانون 1939 بشكل أساسي تسوية، تعطي المرأة المسلمة الحق في تقديم عريضة لطلب الطلاق على أساس المعايير الموضحة أدناه (والتي تم تبنيها عن المذهب المالكي)، وفي الوقت نفسه يقرر القانون أن الردة من طرف المرأة المسلمة المتزوجة لا تؤدي الى إنهاء زواجها·

والجزء الثاني من القانون يؤسس الأرضية التي يمكن للمرأة المسلمة من جنوب آسيا أن تقدم شكواها الى المحكمة طالبة الطلاق:

2 - إن المرأة المتزوجة على أساس (الشريعة) الإسلامية لها الحق في الحصول على طلب لإنهاء زواجها لأحد الأسباب التالية:

(i) أن لا يكون مكان وجود الزوج معروفا لفترة أربعة أعوام·

(ii) أن يكون الزوج قد أهمل أو لم يقم بواجب الإنفاق عليها لعامين·

(iii) أن يكون حكم بالسجن قد صدر على الزوج لمدة سبع سنوات أو أكثر·

(iv) أن يكون الزوج قد فشل في القيام بالمعاشرة الشرعية من دون سبب معقول لمدة ثلاثة أعوام·

(v) أن يكون الزوج عاجزا جنسيا وقت الزواج واستمر على ذلك·

(vi) أن يكون الزوج مجنونا لمدة عامين أو يعاني من الصرع أو من مرض جنسي معدي·

(vii) أن يكون زواجها بولاية والدها أو ولي آخر قبل بلوغها الخامسة عشرة أو بعد بلوغها، فيكون من حقها أن ترفض ذلك الزواج عند بلوغها الثامنة عشرة·

(viii) أن يكون زوجها يعاملها معاملة قاسية، أي أنه:

أ - يشتمها بشكل قاس ويجعل حياتها بائسة بسلوكه القاسي حتى وإن لم تكن تلك المعاملة تصل الى العقاب الجسدي·

ب - أن يرتبط زوجها بنساء مشبوهات أو يعيش حياة فاسدة·

ج - أن يحاول إكراهها على حياة غير أخلاقية·

د - أن يعرض أملاكها للضياع أو يحرمها من ممارسة حقوقها القانونية عليها·

هـ - أن يمنعها من ممارسة واجباتها الدينية·

و - أن تكون له أكثر من زوجة، ولا يعاملها بالمساواة بحسب المقتضى الشرعي·

ع - أو لأي سبب آخر معترف به يفضي لإنهاء الزواج في الشرع الإسلامي·

ولقد عدل قانون إنهاء الزيجات الإسلامية في باكستان وبنجلاديش على أساس مدونة الأسرة الصادرة عام 1961، وفيها وضعت أسس إضافية جديدة بإمكان الزوجة المسلمة أن تحصل بحسبها على طلاق قضائي منها: "أن يكون الزوج قد تزوج بزوجة إضافية بشكل يتعارض مع مواد قوانين الأسرة الصادرة عام 1961" ويقضى بذلك من دون أخذ الإذن المسبق من مجلس التحكيم· وربما كان جديرا بالملاحظة أن قانون 1939 ظل مطبقا على النساء المسلمات في الباكستان وبنجلادش والهند، سواء أكن حنفيات أم شافعيات، سنيات أم شيعيات· كذلك علينا أن نلاحظ حقيقة أن للمرأة الحق أن تستعين بقانون إنهاء الزيجات المسلمة لتأمين طلاق قضائي لا يؤثر على ادعاءاتها المالية ضد زوجها: إذ يذكر الجزء الخامس من القانون بشكل خاص ما يلي - "ليس في هذا القانون ما قد يؤثر على أي حق يمكن للمرأة أن تطالب به زوجها في ظل الشرع الإسلامي أو أي جزء منه"· وبطبيعة الحال، تحق لها النفقة من زوجها أثناء العدة· وعلينا أن نلاحظ أيضا، مع بعض التأكيدات، أنه لا يوجد من قانون 1939 ما يشير الى موافقة الزوج كمتطلب ليصبح الطلاق نهائيا أو يفرض أن يتلفظ الزوج بعبارة "طالق" قبل أن تصبح الزوجة حرة وبإمكانها أن تتزوج من غيره حسب الشرع الإسلامي والأعراف الإسلامية - كما أنه لا يوجد في القانون شيء البتة يمكن مقارنته بالشروط المقترحة في القانون الإنجليزي الذي يقدمه تعديل أبسي - تيرنهام·

أما الأسباب التي يقوم عليها قانون إنهاء الزيجات المسلمة فلا تختلف كثيرا عن الأسباب الموجودة في ظل التشريع الإنجليزي إذ معظم طلبات دعاوى الطلاق في حالات النزاع أو للخلاف تعتمد إما على انفصال لخمس سنوات أو بسبب سلوك غير معقول لا يمكن إصلاحه· ويمكننا الادعاء أن الأسباب السابقة أقل مرونة من الموجودة في قانون إنهاء الزيجات الإسلامية الذي يعطي الزوجة حق الطلاق علي أساس عدم الإنفاق لسنتين أو عدم القيام بمتطلبات المعاشرة الشرعية لثلاث سنوات· إن استيراد التعبير الانجليزي: "قد تصرف بطريقة بحيث لم يعد بإمكان المتقدم بالشكوى العيش مع المدعى عليه بشكل ممكن" يمكن مقارنتها بعبارة "جعل حياتها تعيسة بسبب قسوته في سلوكه حتى وإن لم يؤد سلوكه الى العنف الجسدي" في قانون إنهاء الزيجات المسلمة·

والطلاق الذي يتم الحصول عليه في المحاكم في الهند أو باكستان أو بنجلاديش في ظل قانون إنهاء الزيجات المسلمة لا يتطلب موافقة الزوج أو ميله، فوضع الزوجة المسلمة هي بكل تأكيد ليست في وضع الأغونا اليهودية ولا يوجد أي تبرير على الإطلاق لإخضاع المرأة المسلمة في انجلترا الى تفسير أكثر تشددا أو أقل تنورا من مدونة الأحكام التي تعيش في ظلها في شبه القارة الهندية أو حرمان المرأة المسلمة في انجلترا حقوقا تمتعت بها أختها في شبه القارة الهندية لأكثر من نصف قرن· والمؤسف أن أعضاء البرلمان ذوي النوايا الحسنة لم يكونوا على دراية واطلاع، بنفس القدر الذي كان عليه السياسيون من صفوف العموم، إذ لو كانوا على دراية، بدلا من إذاعة موقف خاطئ بخصوص الشريعة الإسلامية، وإشاعة النجاح الذي كان يبتز به الرجال المسلمون زوجاتهم الجاهلات والأميات، كان يمكن أن يستخدم لتعرية الخطأ وإشاعة الحالة الصحيحة للإخضاع، ومن ثم التوصل الى الهدف المرغوب من طرف أعضاء البرلمان الذين لم ينصحوا بشكل جيد بشأن تقديم بعض الحماية للنساء المساء إليهن·

وخلال نحو سنة من المناقشات في البرلمان حول تعديل أبسي - تيرنهام القانوني، تم الاتصال بي من طرف مدع يمثل أسرة مسلمة تقدمت بدعوى للطلاق من محكمة إنجليزية· ولقد وضحت الرسالة الموجهة الي أن كلا من المدعي وموكلته يميلان الى الرأي القائل إن الزواج لن ينتهي "دينيا" ما لم يتلفظ الزوج بعبارة "طالق"، ولقد أوضح الزوج أنه سيحاول الحصول على سعر عالٍ لتلفظه بعبارة "طالق" وطلبوا مشورتي، فأوضحت أن للمدعية بكل وضوح الحق والأسباب للحصول على الطلاق في ظل قانون إنهاء الزيجات الإسلامية في الجنوب الآسيوي وإن هذه الأسباب موجودة في ظل التشريع الإنجليزي الذي يمكن مقارنته بتلك التشريعات الموجودة في قانون إنهاء الزيجات الإسلامية، وأنه إذا ما أُنهي الزواج بقانون إنهاء الزيجات الإسلامية، فإن موافقة الزوج لن تكون ضرورية والزوجة لن تفقد حقوقها في المهر! ولم أر سببا لحرمان المرأة المسلمة في انجلترا من حقوق موجودة لأخواتها في الباكستان، وأرفقت نسخة من مقالتي عن المرأة المسلمة والطلاق القضائي، وهي مقالة كُتبت للإجابة عن الجدل حول مشروع تعديل أبسي - تيرنهام· ولقد أجاب المدعي بأن رسالتي ومرفقاتها كانت تقدم معلومات في غاية الأهمية له ولموكلته· وبطبيعة الحال الدرس المستفاد واضح وهو أن النساء كن عرضة لمثل هذا النوع من التهديد والابتزاز بسبب جهلهن بحقوقهن في ظل التشريع الإسلامي، وإذا ما توافرت المعلومات التي يمكن لها الإجابة عن ادعاءات أزواجهن بما تأمر أو تعلنه الشريعة الإسلامية، فإنهن عندها يكن قادرات على التمسك بموقفهن أو رفض أن يهددن أو يبتززن· 

مجلس الشريعة الإسلامية والطلاق "الإسلامي" 

لماذا الطلاق "الإسلامي"؟

مؤخرا كنت أنصح سيدة مسلمة شابة كانت قد مرت بإجراءات تتضمن مجلس الشرع الإسلامي في لندن وتنتهي بطلاق "إسلامي"· وكان أول سؤال يطرح هو لماذا؟ وقد حصلت المرأة على قرار مطلق من المحكمة الإنجليزية قبل أن تتقدم الى مجلس الشريعة الإسلامية، كانت المرأة تعتبر أخذ هذا المسار أمرا ضروريا !

ولقد شرحت لي أنها كانت ترى أن مثل هذا الطلاق "الإسلامي" كان ضروريا لسببين أولهما أنها أرادت أن تحصل على طلاق يعترف به القانون الباكستاني، رغم أن المرأة تحمل الجنسية البريطانية وكانت تسكن في انجلترا قبل وقوع الزواج وبقيت في موطنها الإنجليزي بعد الانفصال عن زوجها لسنوات قبل الطلاق، وزوجها السابق يحمل الجنسية الباكستانية وهي تريد أن تكون حرة في زيارة باكستان من دون متاعب أو مشاكل· وثانيهما أنها تريد طلاقا يعترف به في بعض بلدان الشرق الأوسط (على سبيل المثال البحرين) حيث يحتمل أن تعمل في ذلك البلد لأن أقاربها يسكنون هناك· وكان خوفها أن غياب وجود طلاق "إسلامي"، إضافة الى قرار المحكمة المطلق بالطلاق، يمكن أن يثيرا لها المتاعب، كأن يلحق بها زوجها السابق أو يقابلها في باكستان أو البحرين ويدعي هناك مطالبا بحقوقه الزوجية ومن ثم يُكرهها على الطاعة الزوجية على أساس أن الصلة أو الرابطة الزواجية لاتزال قائمة·

ومن المهم ملاحظة أنه في عالم الشرع الإسلامي الحديث، ليس هناك كما هو الحال في المواد القانونية الأخرى، حدود وطنية واضحة وقوانين قومية تتخطى الحدود· ففي العالم الحديث، توجد الشريعة الإسلامية داخل سياق الدولة القطرية وضمن حدود دولة ما ويمكن تطبيقها بالقوة فيها، كما أنها عرضة للتعديلات بحسب قوانين الدولة القطرية·

وفيما يخص باكستان، فإن كل ما تحتاجه المرأة هو أن ترسل نسخة من القرار الإنجليزي (مع خطاب يقول إنها قد استلمت وثيقة الطلاق كما هو مطلوب بالجزء الثامن من قوانين الأسرة المسلمة) للمسؤول المخول استلام بالغات الطلاق بحسب القانون مع نسخة من الرسالة لزوجها السابق· والجزء السابع من ذلك القانون والذي يعالج على وجه الدقة حالات الطلاق التي تتأثر بتلفظ الزوج، من طرفه فقط، بعبارة "طالق" قد تمت مناقشتها أعلاه· ويطبق ما جاء في الجزء الثامن من القانون نفس المتطلبات الإجرائية لصيغ أخرى من الطلاق، بما في ذلك الخلع·

ويشمل الجزء الثامن من قانون قوانين الأسرة المسلمة بوضوح قرار الطلاق القضائي على شكوى الزوجة· والأهم من ذلك، هو أن قانون الأحوال الشخصية الباكستاني الصادر عام 1964 ينص على ما يلي:

ليس في هذا القانون ما يمكن أن يؤثر على من أي مواد قانون الأسرة الصادرة عام 1961 أو القواعد المؤطرة في ظله، وستطبق مواد الأجزاء 7 و8 و9 و10 من القانون المذكور على أي قرار لإنهاء زيجة تمت في ظل الشريعة الإسلامية من النفقة والمهر في محكمة الأسرة·

وحيثما أصدرت محكمة أسرة حكما أو قرارا بإنهاء زيجة تمت في ظل الشريعة الإسلامية، فإن المحكمة سترسل القرار بالبريد المسجل، خلال سبعة أيام من صدوره، وترسل كذلك نسخة مصدقة من القرار للرئيس المناسب (يقصد مسؤول الحكومة المحلية) المشار إليه في الجزء7  من قانون الأسرة الصادر عام 1961 وعند استلام مثل هذه النسخة فإن الرئيس سيقوم بتنفيذها كما لو أنه استلم بالطلاق المطلوب تقديمه في ظل ذلك القانون·

وإذا لم يخالف ذلك أية مادة من أي قانون آخر، فإن قرار إنهاء الزواج الذي تم في ظل الشريعة الإسلامية:

أ - لن يكون مؤثرا إلا بعد مضي تسعين يوما من إرسال نسخة منه وذلك حسب الجزء الثاني الى الرئيس·

ب - لن يكون مؤثرا إذا كان في الفترة المحددة من الفقرة (أ) قد تم التوصل الى تسوية أو صلح بين الأطراف بحسب مواد قانون الأسرة الصادرة عام 1961·

وهكذا فإن قرار الطلاق الذي تحصل عليه سيدة مسلمة في الباكستان هو قرار مشروط (نافذ المعقول في وقت معين إلا إذا عدل أو اجتنب مسبقا باتخاذ إجراءات لاحقة أو بتنفيذ شرط ما) ويصبح قرارا مطلقا بعد تسعين يوما من استلام القرار من جانب مسؤول محلي معين، إلا إذا تصالحت الأطراف خلال تلك الفترة· والطريقة الوحيدة التي يمكن أن يمنع فيها الزوج القرار من أن يصبح قرارا نهائيا هو عن طريق إقناع أو استدراج زوجته للمصالحة، وليس لديه قوة استخدام الفيتو (الشجب) ولا يمكنه فرض أو إملاء "شروطه" وليس مطلوبا أيضا من الزوجة أن "تشتري" موافقته على القرار·

ويقرر قانون الأسرة إن مواده تنطبق على "كل المواطنين المسلمين في الباكستان، بغض النظر عن مكان إقامتهم"، وهكذا فإنه ينطبق على زوج المرأة السابقة (وهو يحمل الجنسية الباكستانية)· وإشعار الطلاق في ضوء الجزء8  من القانون قد يعطى من طرف أي من الزوجين وفي حال حصول الزوجة على طلاق قضائي ستكون مسؤوليتها الأساسية (الأولية) هي التأكد أن الإشعار قد تم الحصول عليه بشكل مناسب· فليس هناك أسباب للقول إن سيدة غير باكستانية تزوجت من مواطن باكستاني وزواجها أُنهي عن طريق إجراءات قضائية خارج باكستان لا يمكن إعطاؤها إشعارا في ظل الجزء8 ، ولا توجد أسباب للقول إن مثل الإشعار (الذي لم تتمكن الأطراف فيه من الوصول خلال التسعين يوما الى صلح أو اتفاق)، لن يقود الى تسجيل فعال للطلاق في باكستان·

أما بالنسبة للبحرين أو أية دولة تطبق فيها الشريعة الإسلامية في أمور الأحوال الشخصية للمواطنين والمقيمين في تلك الدولة، فإن الزوج المسلم الأجنبي لن يسمح له أن يستعمل القانون المحلي لإلغاء طلاق حصلت عليه الزوجة الأجنبية في بلد أجنبي وستطبق بالتأكيد قواعد القانون الدولي الخاص التي تحكم مسألة الوضع الزواجي لأجنبيين ليسا من المواطنين أو من المقيمين في البحرين (على سبيل المثال)، مثل من لم يقع زواجها في البحرين وتم طلاقها في انجلترا· وسيقرر الأمر بالإشارة الى البلد أو البلدان التي قدموا منها أو الى الجنسيات التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد· فالمرأة تستوطن انجلترا أو تحمل جنسية المملكة المتحدة، وبحسب قانون موطنها وجنسيتها، هي مطلقة· والزوج السابق يستوطن ويحمل الجنسية الباكستانية، وإذا تم الإشعار بالطلاق بحسب الجزء8 من قانون الأسرة فإنه بحسب قانون موطنه والبلد الذي ينتمي إليه يعد مطلقا· 

موقف مجلس الشريعة الإسلامية 

اتصلت المرأة بمجلس الشريعة الإسلامية في لندن في أغسطس 1992 (وكانت قد حصلت على قرار مطلق بالطلاق) تطلب من ذلك المجلس أن يرتب لها طلاقا "إسلاميا"·

ومجلس الشريعة مجلس له نظامه الداخلي وأسس عام 1982 ويدعي أن له فروعا في لندن وبيرمنجهام ومانشستر وبرافورد وجلاسجو· وبطبيعة الحال ليس له أي وضع قانوني في انجلترا، وكذلك ليس له أي وضع قانون في القانون الباكستاني أو البنغالي أو الهندي (حيث الغالبية العظمى من المسلمين البريطانيين تعود أصولهم الى جنوب آسيا)·

ويذكر دستور المجلس أن من بين أهدافه ما يلي:

"دعم الدين الإسلامي وذلك عن طريق تأسيس محكمة تقوم بمهام محكمة شرعية إسلامية وتتخذ قرارات فيما يخص الأسرة المسلمة في القضايا التي تحال إليها·

وأن يقوم بتعليم عموم الجمهور في مجال قانون الأسرة وأن يدعم وينشر المعلومات في ذلك المجال"·

وتشير النشرة التي يصدرها المجلس الى أن %95 من الأسئلة الموجهة لهم تشير الى موضوع "المشاكل الزواجية التي تواجه المسلمين في هذا البلد" وتأتي غالبية هذه المشاكل "عن طريق النساء اللاتي يبحثن عن طلاق من أزواجهن و"عادة ما تتوجه طلبات النساء المسلمات الباحثات عن طلاق إسلامي للمجلس"· كما "أن بعض القضايا التي وجهت إليها عن طريق موكلين تمكنوا من الحصول على طلاقات مدنية لموكليهم، ثم اتجهوا إلينا للحصول على طلاق إسلامي"· 

الزواج والطلاق المدني غير معترف به 

فالأمر ليس مجرد أن مجلس الشريعة لا يعترف "بالطلاق المدني" وإنما يظهر أن الافتراض هو أن طرفي الزواج اقترنا تحت نظامين قانونيين، وكل زواج يجب أن ينهى منفردا·

"فكما يتصرف المسلمون عادة في زيجاتهم إسلاميا (وهو ما يعرف بحفلة النكاح وهي تتم عن طريق إمام ما في مسجد أو مركز إسلامي) وبتسجيله لدى السلطات المدنية، فإن هذا المجلس يتعامل فقط مع النكاح الإسلامي· وليس لهم أي شأن بالزواج المدني الذي تم إبرامه في المحاكم البريطانية وليس من طرفنا"·

وإذا ما تمت احتفالات الزواج بالترتيب المذكور في هذه الفقرة، فإنه قد يكون من الممكن القول إنه من منظور الشرع الإسلامي، فإن حفلة النكاح هي المهمة وليست الإجراءات المدنية· لكن مع ذلك، فإن الاحتفالات لا يمكن أن تتم بذلك الترتيب، إذ إن النكاح (لو تم أولا) فإنه بالتأكيد سيكون مخالفا لقوانين الزواج - ليس لأنه احتفال إسلامي ولكن لأنه بالتأكيد قد قام في ظل "إطار غير مسجل" ولأن إجراء النكاح غير مسجل فإن حفلة الزواج لا يمكن أن تتم قانونيا· والمعروف أن الحفلة التي تتم أو تكرس زواجا غير مسجل رسميا تعد عملا جنائيا، فإن الحفل المدني يسبق حفل النكاح، ويصبح النكاح بذلك مجرد حفلة دينية·

لكن الزواج المدني، الذي عادة ما يسبق حفلة النكاح ليس له صلة بالشرع الإسلامي· إذ إن المتطلبات القانونية لتكريس الزواج بحسب الشرع تتكون فقط من قبول وإيجاب لعقد الزواج في نفس الجلسة وبحضور الشهود· وهذه المتطلبات مستوفاة كليا في حفلة الزواج المدني·

ولقد أبرزت هذه النقط المهمة جدا بقرار عام 1967 من المحكمة العليا بالباكستان في قضية جاتوا ضد جاتوا· وكان السؤال هنا عن أي من القوانين يحكم في زواج مدني مسجل في سجل إنجليزي بين مسلم باكستاني وسيدة أسبانية مسيحية· ونظرا لأن الزواج والطلاق في الباكستان تحكمهما القوانين المحلية القائمة على الدين، كان الاختيار بين قانون الطلاق المسيحي الصادر 1869 والشرع الإسلامي· ولقد رأت المحكمة العليا أن الزواج المكرس في ظل قانون الزواج في المملكة المتحدة والذي يتطلب موافقة رسمية على الزواج من طرفي الزواج وبحضور الشهود يتفق تماما مع المتطلبات الشرعية لتكريس الزواج في ظل الشرع الإسلامي· ونظرا لأن الزواج "أصبح يعد زواجا إسلاميا" فإن الغالبية كانت ترى أن الزواج منعقد ولقد أنهي من خلال تلفظ الزوج بكلمة "طالق"· ونظرا لأن طقوس حفلة الزواج في مكتب التسجيل تشكل تكريسا صحيحا للزواج في القانون الإسلامي، فإن حفلة النكاح التالية التي تنتج رابطة زواجية ثانية منفصلة تماما ومختلفة عن تلك الرابطة التي أوجدتها الحفلة المدنية، وهي غير مهمة في الشرع الإسلامي فيما يتعلق بموضوع قيام حالة الزوجية للزوجين (لاحظ مرة أخرى أن الشرع الإسلامي، مثل القانون الإنجليزي بأي حال إذ لا يمكن لشخص ما قد تزوج أن يتزوج مرة أخرى بعد العقد الأول)· 

طلاق الخلع 

شرع مجلس الشريعة الإسلامية في هذه الحالة في ترتيب طلاق خلع - أي طلاق يتم التوصل إليه برضى الطرفين· ومن متطلبات الخلع - أو أي نوع آخر من الطلاق - أن يكون الطرفان متزوجين وقت وقوعه من بعضهما بعضا· لكن هذا الشرط غير قائم في هذه الحالة· ومن ثم فإن اعتماد الخلع أو ما سمي باتفاق خلع غير قائم أيضا·

ومن مقتضيات طلاق الخلع أن "تشتري" المرأة حريتها عن طريق قيامها بتقديم تنازلات لزوجها كي تضمن موافقته على الطلاق· وعادة ما تتنازل الزوجة المسلمة عن حقها في المهر الذي علي الزوج أن يدفعه عند انتهاء الزواج سواء بالوفاة أو الطلاق·

لكن مع ذلك، وكما لاحظ النائب البرلماني ليو أبيز، في خطابه أمام مجلس العموم، فإن الأطفال أحيانا يصبحون مادة أو عملة للتفاوض:

"بحسب الشريعة اليهودية أو الإسلامية، يجب على الأطراف المطلقة، حتى تتمكن من الزواج مرة أخرى أن تحصل على طلاق ديني - وهو ما يسمى جت في اليهودية والطلاق للمسلمين· والحصول على مثل هذا التقرير الديني يتطلب مبادرة من الزوج·

لسوء الحظ، بإمكان أحد الأطراف - عادة الزوج - أن يستغل بوحشية الرغبة العاطفية الموجودة عند الطرف الآخر ليتحرر بعد طلاق مدني ويتزوج مرة أخرى بحسب الشريعة الدينية··· ولذلك، فإن الحماية التي يصدقها القانون المدني لحماية وحضانة الأطفال يمكن أن تدمر من قبل شريك شرير·

فالشريك - وعادة ما يكون الزوج - يمكنه أن يبتز الزوجة· وثمن أخذ المبادرة الضرورية (للحصول على طلاق "ديني") هو الموافقة على تسوية وترتيب يتعلق بالأطفال، وهي قد تكون تسوية، لو أن القضية عرضت بشكل علني في المحكمة، وتمت بحسب المبادئ التي أقرها هذا المجلس في قانوننا المدني، وهي مختلفة تماما عما قد تجبر عليه الزوجة المسكينة"·

تذكر الأدبيات التي أنتجها المجلس الشرعي الإسلامي بأن الطلاق المعلن من طرف المحاكم الإنجليزية سيعترف به فقط "إسلاميا" إذا كان الزوج هو الذي رفع القضية في المحكمة أو إذا وافق الزوج على الطلاق كتابيا، وفي أي حالة أخرى فإن على الزوجة التي ترغب أن تطلق بشكل إسلامي أن تقدم طلب "الطلاق الإسلامي" عن طريق المجلس الشرعي:

"وطلب الطلاق من طرف الزوجة يسمى "خلعا" وهو شرط يوجب على المرأة أن تعيد للزوج المهر أو أي حلي كانت قد استلمتها منه، إذا طلب هو ذلك"·

وإجراء "طلاق شرعي" للمرأة مقدمة الشكوى كما تفضله أدبيات المجلس يمكن تلخيصها كما يلي عند استلام الطلب، يسعى المجلس للمراسلة مع الزوج (أو مع الزوج السابق، كما هو الحال في معظم الأحوال) حتى يتأكد من إجابته على طلب زوجته (أو زوجته السابقة)· وإذا لم يستلم جوابا وإذا حاول الزوج (أو الزوج السابق) فرض شروط على إعطاء زوجته طلاقا شرعيا فإنه يطلب منها أن تستجيب لهذه الأشياء "على شرط أن تكون هذه الشروط معقولة"· ومن الواضح أن المجلس هو الحكم على مدى معقولية أو عدم معقولية أمثال تلك الشروط المسبقة·

والمثير بشكل خاص هو أن المجلس الشرعي على ما يظهر يدعي الصلاحية في منح خلع للزوجة إذا ما فشل الزوج في الإجابة على اتصالاتهم أو في بعض الظروف إذا ما رفض الزوج التعاون أو الاتفاق - أي أنه يدعي حق فرض طلاق الخلع على الزوج في إجراءات من طرف واحد أو من دون موافقته، رغم أن "ثمن" الخلع هو تنازل الزوجة عن المهر (المؤجل) أو إعادة دفع المهر المقدم وإرجاع المجوهرات وغيرها التي يكون زوجها قد قدمها لها· 

وجهة نظر المالكية 

ويعكس الجزء الأول من هذا الافتراض وجهة النظر المالكية للخلع، إذا افترضنا أن المجلس يقوم بدور وسيط قبلت بواسطته أطراف الزواج· (أما وجهة النظر الحنفية فإن الوسطاء يمكنهم فقط أن يتوسطوا بين الزوجين لكن ليس لهم سلطة في إنهاء الزواج ما لم يوكلهم الزوج على وجه الخصوص بالتطليق نيابة عن نفسه)·

أما الجزء الثاني من الافتراض، فينطلق من المذهب المالكي لغير مصلحة المرأة، ذلك لأن الوسيط المالكي لن يفرض بشكل آلي تعويضات على المرأة وبالتأكيد لن يحرمها آليا من مهرها كله· ولأنه اتخذ قرارا بضرورة إنهاء الزواج فإن الوسطاء المالكيين سيحاولون تحديد موضع اللوم في ذلك النزاع وقد يعطون الزوجة كل أو بعض أو لا شيء من مهرها·

ولأن النساء اللائي يتقدمن للمجلس الشرعي للحصول على طلاق قد حصلن على قرار طلاق من المحاكم الإنجليزية، وهو إجراء يتطلب اتيانهن الأسباب التي تشبه الى قدر كبير تلك المتوفرة للنساء المسلمات في جنوب آسيا في ظل قانون إنهاء الزيجات المسلمة، فإن الموقف المتشدد ضد المرأة المسلمة يحتاج بالضرورة وبشكل عاجل لإعادة نظر·

والمشكلة الأخرى، والتي تظهر في الحالة التي عملت فيها مؤخرا، هي أن المجلس الشرعي ليس لديه أية عقوبات فعالة يمكن أن تطبق لتؤكد على التزام الزوج (السابق) باتفاقاته وتنفيذه لمسؤولياته والتزاماته· والخلع في هذه الحالة قد تم الحصول عليه على شرط إعادة الزوجة (السابقة) مهرها والتزامها بالسماح لزوجها (السابق) من مقابلة الابن بحسب ترتيبات مسبقة تم الاتفاق عليها عن طريق المجلس الشرعي· ثم إن على الزوج (السابق) إعادة المجوهرات التي قدمها والدا الزوجة (السابقة) وأقاربها· ولقد سلمت الزوجة (السابقة) مهرها، لكن الزوج لم يرجع مجوهرات زوجته· بيد أن المجلس الشرعي عاجز أيضا عن تمكين الزوج (السابق) من مقابلة ابنه بشكل منظم· 

عقوبة 

لكن مع ذلك، هناك عقوبة قوية يمكن استخدامها ضد الزوجة - ألا وهي التهديد بأنه من دون طلاق "إسلامي"، فإنها لن تكون حرة بأن تتزوج مرة أخرى بحسب الشريعة الإسلامية· ورغم أن الزواج مرة أخرى ربما كان الشيء الأخير في بال امرأة تسعى للحصول على الطلاق من زواج غير سعيد وحالة زواجية نكدة، إلا أنها ربما رغبت بعد سنوات في إعادة التفكير في الزواج مرة أخرى· وعندئذ ربما تكون قد فقدت كل الاتصالات مع زوجها السابق· ولا تعرف أين هو أو كيف يمكن الاتصال به· وإذا كانت تعتقد (أو جعلت تعتقد) أن زواجها الأول لم ينته تماما بعد، فإنه من الواضح أنها ستكون في حالة صعبة، لذا يفضل أن تنهي الصلة "إسلاميا" و"مدنيا" مرة واحدة عن طريق المجلس الشرعي· إن الحصول على "طلاق إسلامي" كما تذكر مطبوعات المجلس الشرعي، ينتج عنها - "آهة أو تنهيدة ارتياح للزوجة التي تشعر حقا أنها تستطيع بدء حياة جديدة"· 

ملاحظات ختامية 

هناك ضرورة ملحة في أن يهتم المسلمون المتعلمون بقضايا تطبيق الشريعة الإسلامية في بيئة غير مسلمة· إذ من غير المقبول بالتأكيد أن تجبر النساء المسلمات في بلد كانجلترا بسبب الجهل أو الضغط الاجتماعي، على الخضوع لتفسير للشريعة أقسى من التفسيرات التي تخضع لها النساء في جنوب آسيا· والموضوع ملح بحيث لا يمكن أن يترك للجان من العلماء عينت أو نصبت نفسها بنفسها·

ويجب علينا أن نتذكر أن أحد كبار العلماء المسلمين من الهند كتب: "إن الشرع الإسلامي الحقيقي يساند في الواقع ما يعرف الآن بنظرية "تحطيم الطلاق" وقبل ذلك بربع قرن، كتب فقية مسلم بارز هو القاضي طيب السندي، شارحا قانون إنهاء الزيجات المسلمة بما يلي:

"لقد أعطى للزوجات المسلمات منذ عهود مبكرة الحق في إنهاء الزواج حينما يظهر بوضوح أن أطراف الزواج لا يمكنهم أن يعيشوا ضمن "حدود الله"، وذلك حينما بدلا من أن يكون الزواج واقعا، أصبح هنا تعليقا للزواج أو (2) إن استمرار الزواج أصبح يسبب جراحا للزوجة··· والأسباب التي جيء على ذكرها في الجزء الثاني من القانون الثامن الصادر عام 1939 في الفقرات (1) الى (4) اعتمدت على المبدأ القائل إن تعليق الزواج قد تم مما يبرر إنهاءه وفي الفقرات (5) الى (8) القائم على المبدأ القائل إن استمرار الزواج في تلك الحالات سيكون مضرا بالزوجة· وفي هذه الحالة أعطى القاضي المستنير الزوجة المقدمة لشكوى طلب الطلاق على أساس أن الزوج فشل في تقديم النفقة لفترة عامين، رغم أن الزوجة في تلك الفترة كانت تعيش بعيدا عن زوجها من دون أسباب قانونية (أي أنها هي التي تركته وليس لها حق في المطالبة بالنفقة مع زوجها ما لم تقم إليه في بيت الزوجية) على أساس أن مثل هذا الهجر وفشل الطرفين التوصل الى اتفاق حول اختلافاتهم يظهر أو يبرهن على الانهيار الكامل للزواج· ولأن الزواج في الإسلام ليس له طقوسية أو سر ديني، فإن القاضي لم يجد مبررا في البقاء على ذلك الزواج الذي انهار ما من مخالفة طقسية تحول من دون إنهاء زواج فاشل·

ما يجب أن تبرهن عليه المرأة المسلمة التي تقدم طلب طلاق الى المحاكم الإنجليزية هو أن الزواج قد "انتهى ببينونة كبرى" لا رجعة فيها· ويجب عليها أن تثبت هذا الانهيار، عن طريق إثبات واحدة من الحقائق التالية: (i) ارتكاب الزنى إضافة الى الظروف التي تجد من المستحيل العيش فيها مع المدعى عليه، (ii) "إن كان المدعى عليه قد تصرف بشكل يجعل المستدعية لا تتمكن من أن تعيش مع المدعى عليه" (iii) الهجر لعامين (iv) الانفصال لعامين حين اتفق كل من الزوجين علي الطلاق أو (v) الانفصال لمدة خمس سنوات· وربما هذه قائمة محدودة أكثر مما هو متاح للزوجة المسلمة في جنوب آسيا في ظل قانون إنهاء الزيجات المسلمة، رغم أن المواد في الجزء الثاني تشكل نوعا من السلوك يشار إليه بشكل مختصر بتغيير "سلوك غير مسؤول" في سياق القانون الإنجليزي·

والنقطة الملحة هي التأكيد كم هي متقاربة جدا الشروط أو الأسباب التي يمكن للمرأة المسلمة أن تحصل على أساسها على طلاق من المحاكم الإنجليزية وتلك الشروط التي تحصل أخرى عليها في المحاكم الهندية والباكستانية أو البنجلاديشية·

وهكذا فإن النساء المسلمات اللائي يملكن القوة والشخصية والاعتقاد الديني في أن يتخذوا موقفا شخصيا قد يدفعون الجالية في اتجاهات أكثر ليبرالية وإنسانية - كما فعل ذلك أفراد من النساء المسلمات في جنوب آسيا ممن ذهبن الى حد الردة (يمكن بشكل مؤقت حتى يتخلصن من زوج لم يتمكن من التخلص منه أنفسهن باستخدام وسائل أقل حدة مما أعطاهن الحق في تمرير قانون إنهاء الزيجات المسلمة عام 1939·

 

* مجلة الاجتهاد - بيروت العددان التاسع والثلاثون والأربعون ـ صيف وخريف 1419 - 1998 م

 **باحثة متخصصة تعمل في مجال دراسة الأسرة المسلمة وقضاياها·

*** أستاذ الأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع بجامعة الملك عبد العزيز بجدة - المملكة العربية السعودية·

طباعة