Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 ذي القعدة 5 ذي الحجة 1419هـ - 17-23 مارس 1999
العدد 1369

الحركة الإسلامية المغربية وانتخابات 1997 التشريعية*(1-2)
المغرب يدمج الإسلاميين في العمل السياسي المؤسساتي بعد تقديمهم الضمانات الكافية لالتزامهم بالديمقراطية

·  انتشار الأيديولوجيات التحديثية بشكليها الاشتراكي والليبرالي ..و إبعاد الدين عن النقاشات السياسية والاقتصادية من أهم عوامل انتشار الخطاب الإسلامي في الدول العربية

·     "الشبيبة الإسلامية" أول جمعية إسلامية ذات أهمية سياسية عرفها المغرب المعاصر

·   الحركة دقت أول مسمار في نعشها بتورطها في اغتيال المناضل عمر بن جلون

·   الجماعة الإسلامية بنت أهدافا ومبادىء استلهمتها من "الإخوان المسلمين" في مصر

·   حركة "الإصلاح والتجديد" حاولت إنشاء حزب خاص بها ولكنها باءت بالفشل·· و"الاستقلال" أغلق الباب في وجهها

·   مشروع دستور 1996 شكّل بداية انفراج سياسي لاستجابته لأحد مطالب أحزاب المعارضة الخاص بالانتخابات

·   انتخابات 97 مكنت المغرب من الدخول إلى نادي الدول الديمقراطية وأبرزت الرغبة الملحة للنخبة السياسية في تحمل المسؤوليات التنفيذية والتشريعية

·   حركة "العدل والإحسان" لا ترغب في ممارسة العمل السياسي وتنتقد كل الأحزاب السياسية المشاركة في المؤسسات الحالية

·    تنظيم عبد السلام ياسين شهد سلسلة من الاصطدامات مع السلطة انتهت باعتقال أعضاء الجماعة والمسؤولين عنها

 

بقلم: حسن قرنفل**

شهدت الانتخابات التشريعية التي نظمت في المغرب سنة 1997 دخول ممثلين عن الحركة الإسلامية الى مجلس النواب لأول مرة، وبذلك يكون المغرب على غرار بعض الدول الإسلامية الأخرى قد تمكن من إدماج الإسلاميين في العمل السياسي المؤسساتي· وجاء ذلك بعد مسيرة طويلة حاول خلالها ممثلو الحركة الإسلامية، أو أحد فصائلها على وجه التحديد، طمأنة السلطة الى رغبته في ممارسة اللعبة السياسية في المغرب كما حددت قواعدها في السابق· ولم تحصل هذه الحركة على الضوء الأخضر للمشاركة في هذه الانتخابات إلا بعد تقديم الضمانات الكافية للالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية·

وقد انطلقنا في معالجتنا لهذا الموضوع من سؤالين أساسيين، هما: لماذا سمحت السلطة لممثلي الحركة الإسلامية بالترشيح لهذه الانتخابات مع أنها اعترضت على ذلك في الانتخابات السابقة؟ وكيف تمكن المرشحون الإسلاميون من الفوز في عدد من الدوائر الانتخابية التي تحسب على المعارضة، مع أن هذه الأخيرة تملك حضورا قويا فيها، كما أنها لم تتحمل أية مسؤولية حكومية، الأمر الذي يستبعد تفسير تحول الناخبين عنها بالتصويت العقابي؟

اقترحنا كجواب عن السؤال الأول الفرضية التالية: مع السماح لممثلي الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية - وهو الحزب الذي يحتوي الإسلاميين - بالمشاركة في الانتخابات التشريعية، حاولت السلطة المغربية اختبار الإقبال الذي تلقاه الأفكار الأصولية داخل مختلف شرائح المجتمع، وحث المعارضة السابقة - المتكونة أساسا من أحزاب اجتماعية - ديمقراطية - على المزيد من الاقتراب من أطروحاتها واختياراتها - أي السلطة - والقبول بقواعد اللعبة السياسية كما حددت من قبل من جهة، ورغبت من خلال تشجيع دخول بعض ممثلي الحركة الإسلامية الى مجلس النواب في العمل على نزع هالة النزاهة والاستقامة عن الإسلاميين بإقحامهم في مجال العمل السياسي الذي يقتضي مشاركة تامة في اللعبة بطقوسها وخططها وتحالفاتها من جهة أخرى· واقترحنا بالنسبة للسؤال الثاني الفرضية التي ترى أن الأمر يعود الى اختفاء أو تراجع التصويت طبقا للانتماء الحزبي، حيث انتهى الناخب المغربي· في ما يبدو، الى تبني موقف أخلاقي يحكم بواسطته على شخصية المرشح وسلوكه، بغض النظر عن الهيئة السياسية التي ينتمي إليها· وبما أن المرشحين الإسلاميين هم في غالبيتهم شباب عرفوا بسلوكهم الأخلاقي المستقيم، ولم يسبق لهم أن مارسوا أية مسؤولية جماعية أو حكومية، فقد مال الناخبون الى التصويت لهم، حتى لو لم يكونوا يتبنون مواقفهم·

مع أن الفرضية الأولى تقتضي مرور الوقت للحكم على مدى صلابتها، إلا أن بعضا من المؤشرات تميل الى تأكيدها، من ذلك، مثلا، قبول الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، الحزب المعارض في الولاية النيابية السابقة، تكليفه من طرف العاهل المغربي بتشكيل الحكومة، مع أنه لم يحصل إلا على %17,5 من المقاعد داخل مجلس النواب، كما أن حلفاءه التقليديين لا يملكون العدد الكافي من المقاعد داخل المجلس من أجل دعمه، ما يعني، بشكل من الأشكال، الانتصار المؤقت لاستراتيجية السلطة المشار إليها سابقا· وقد قبلت أحزاب المعارضة السابقة تشكيل حكومة ائتلافية بالتنسيق مع أحزاب كانت تعتبرها في السابق أحزابا إدارية، وبرر زعماء المعارضة السابقة موقفهم هذا بأن عدم تحمله المسؤولية التنفيذية سيفتح الباب أمام كل أنواع التطرف·

الحركة الإسلامية في المغرب

يجمع كثير من الباحثين الاجتماعيين المهتمين بالحركة الإسلامية المعاصرة على أن انتشار الأيديولوجيات التحديثية في الدول العربية، سواء في شكلها الاشتراكي أو الليبرالي، وإبعاد الدين عن أهم النقاشات السياسية والاقتصادية، كان وراء انتشار الخطاب الإسلامي، فإذا كانت الحداثة الغربية قد حققت نوعا من النجاح المحدود خلال الستينيات، فإنها لم تتأخر في إظهار فضلها في تجاوز التحديات الكبرى التي طرحت على الدول العربية· ولعل أهم هذه التحديات هو فشل الأنظمة العربية في مواجهة الوجود الصهيوني في المنطقة· بل إن هذا الفضل اعتبره البعض عقابا إلهيا نتيجة ابتعاد المسلمين عن دينهم غير أن الوقائع والأحداث تظهر أن التجربة المغربية لا يمكن إدماجها في هذا الإطار، باعتبار أن الإسلام هو الدعامة الأيديولوجية الأساسية للحكم، وهو لهذا يحظى بمكانة خاصة لا مثيل لها في باقي دول المغرب العربي الأخرى· فالدستور ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة (الفصل السادس من دساتير 1972، 92، 96)· وعلى أن الطابع الإسلامي للدولة لا يمكن أن يتعرض لتعديل دستوري، فضلا عن كون الملك يأخذ صفة أمير المؤمنين (الفصلان 100 و101 دستور 1992، والفصل 106 من دستور 1996) على خلاف باقي الدول الإسلامية، ويحرص على احترام الإسلام (الفصل 19 من دساتير 1972، 1992، 1996)· كما أن مدونة الأحوال الشخصية تلتزم بالتعاليم الإسلامية كما يراها الفقه المالكي· والالتزام بمبادئ الدين الإسلامي في كل الأماكن العامة قاعدة تحترم بشكل تام· إذ يعاقب القانون الجنائي، مثلا، كل مغربي مسلم يأكل خلال شهر رمضان - أثناء فترة الصيام طبعا - بعقوبة تصل الى السجن لعدة شهور (المادة 222 من القانون الجنائي)· كما سبق للسلطة أن تبنت خلال الستينيات نظام الصلاة في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية وإعادة الاعتبار للتعليم الديني بتشجيع الكتاتيب القرآنية· أما البرامج التعليمية فتتوافر على حصص وافية من التعليم الديني في كل المراحل التعليمية· هذا إضافة الى كون العاهل المغربي يستخدم الخطاب الديني في كل تدخلاته وتوجيهاته، ويستضيف مرة كل سنة، خلال شهر رمضان، مجموعة كبيرة من علماء الدين الذين يأتونه الى المغرب من مختلف دول العالم من أجل المشاركة في الحلقات الدراسية الدينية· إضافة الى الأحزاب السياسية في المغرب، التي كانت أيضا، توظف الخطاب الديني في أيديولوجيتها وبرامجها· وكذلك حزب الاستقلال، الى جانب فئات أخرى من المجتمع المغربي، يعتبر نفسه ناطقا رسميا باسم الإسلاميين· ففي مؤتمره الحادي عشر أكد المؤتمرون على ضرورة العودة الى الإسلام باعتباره عنصر إدماج وتنمية اجتماعية وأساس الهوية الوطنية ومصدر السلطة والقوانين· ويبرز هذا الإلحاح على الطابع الإسلامي بشكل أكبر في الوقت الحاضر، وقد تضمنه التقرير المذهبي للمؤتمر الثاني عشر للحزب (حزب الاستقلال 41-40,1989)·

ظهور حركة إسلامية

المجال الديني لم يكن في لحظة ما مهملا سواء من طرف السلطة الحاكمة أو من طرف الأحزاب السياسية، إلا أن هذا لم يمنع ظهور حركة إسلامية في المغرب على شاكلة باقي الدول العربية الإسلامية الأخرى التي عرفت الظاهرة· وقد كانت "الشبيبة الإسلامية" أول جمعية إسلامية ذات أهمية سياسية يعرفها المغرب المعاصر· وقد تأسست هذه الحركة فعليا سنة 1969، وقانونيا في شهر نوفمبر 1972، تاريخ إيداع ملف تأسيسها لدى سلطات مدينة الدار البيضاء  ولهذا التاريخ دلالة خاصة سواء على المستوى الداخلي، حيث تأسست في تلك الفترة النواة الأولى للحركة الماركسية (تأسست "حركة 23 مارس" في مارس 1970 وحركة "الى الأمام" في اغسطس من نفس السنة وهما حركتان يساريتان) ، أو على المستوى العربي إذ يوافق هذا التاريخ معالم اندحار الأيديولوجية الناصرية بعد هزيمة 1967، وقد لاقت حركة "الشبيبة الإسلامية" نجاحا كبيرا ما بين 1972 و1975· تمثل في إقبال عدد كبير من الشباب على الجمعية التي كانت تركز على تلامذة المراحل الإعدادية والثانوية· ويرجع سبب هذا النجاح، حسب أحد الباحثين، الى كون عبدالكريم مطيع، رئيس الجمعية، قد تبنى تكتيكا مزدوجا تجاه السلطة· فقد حرص مطيع على العمل في الإطار القانوني وسعى في خطابه الموجه الى السلطة، على تأكيد الطابع الديني والتربوي للجمعية، الأمر الذي لم يكن يتعارض مع فلسفة النظام، كما أن مطيع أكد على عدم نية الجمعية في مباشرة أي عمل سياسي، وأنها جمعية تمثل جماعة من المسلمين، وليس جماعة المسلمين بإطلاق، كما أن وسيلتها الوحيدة الى تحقيق ذلك هو توضيح العقيدة الإسلامية وتبسيطها والدعوة بالتي هي أحسن· وفي الوقت نفسه· كانت الجمعية تضع على رأس أهدافها محاربة الإلحاد الذي يبثه التيار الماركسي· وهنا كانت الجمعية تلتقي مع السلطة التي تبنت سياسة شبيهة بتلك التي تبنتها أنظمة عربية أخرى، والقاضية بضرب اليسار بالأصوليين· 

اغتيال بن جلون

إلا أن حركة "الشبيبة الإسلامية" وبتورطها في اغتيال المناضل اليساري عمر بن جلون دقت أول مسمار في نعشها· إذ كان ذلك بداية سلسلة من المشاكل الداخلية والتنظيمية، التي ستعرفها الحركة والتي ستؤدي في النهاية الى اختفائها· فبمجرد تنفيذ جريمة القتل ضد ابن جلون سارع مطيع الى مغادرة البلاد، وعمل على تسيير حركته من الخارج من خلال هيئة قيادية عينها، إلا أن مجموعة من الخلافات بين الأعضاء ستؤدي الى تعطيل الجمعية أولا، والى انسحاب عدد كبير من أعضائها لاحقا· وستتوالى بعد ذلك حملة الانشقاقات داخل "الشبيبة الإسلامية" فقد أدت إدانة العدالة المغربية لعبدالكريم مطيع الى تبني هذا الأخير خطابا نقديا حادا تجاه السلطة· ما أصبح يهدد الحركة في الداخل بالشلل· وهنا ستعمد جماعة من الأعضاء السابقين في الحركة بزعامة عبدالإله بن كيران الى إنشاء جمعية مستقلة هي "الجماعة الإسلامية"، وذلك بعد أن أعلنت صراحة عن قطيعتها النهائية مع "الشبيبة الإسلامية" وإدانتها الواضحة لعبدالكريم مطيع وعدم مسؤوليتها عن كل ما يصدر عنه أو يقوم به· 

التأثر بالإخوان المسلمين في مصر 

أهم ما يمكن استخلاصه من التجربة القصيرة "للجماعة الإسلامية" هو أنها تبنت مجموعة من الأهداف والمبادئ التي سبق أن تبنتها أغلب الحركات الإسلامية في العالم العربي، والتي يظهر استلهامها الواضح من جماعة الإخوان المسلمين في مصر· والطريق المسدود الذي آلت إليه حركة "الشبيبة الإسلامية" أدى بجمعية "الجماعة الإسلامية" الى تبني استراتيجية مهادنة في مواجهة السلطات الرسمية، فقد امتاز خطابها بالاعتدال والمرونة، وعدم التعرض بالنقد المباشر للحكومة والأجهزة السياسية الرسمية، وتركيز نقدها وحملاتها على اليسار والفكر الماركسي· كما أنها رصدت جزءا كبيرا من عملها للاهتمام بقضايا المسلمين في العالم، كما كان شأن المجاهدين الأفغان في السابق وشأن مسلمي البوسنة والهرسك في ما بعد· وقد مكنتها استراتيجيتها هذه من تجنب المواجهة المباشرة مع النظام، وجعل صحافتها تبقى بعيدة عن مضايقة الرقابة· أكثر من ذلك شجعتها هذه الوضعية على إظهار طموحات سياسية واضحة، فقد أبدت رغبتها في معانقة العمل السياسي· ومن أجل الالتواء علي القانون الذي أصبح يميل الى منع ظهور أحزاب سياسية إسلامية في دول المغرب العربي، عمدت الجمعية الى تغيير اسمها ليصبح "جمعية الإصلاح والتجديد"· وفي هذا الإطار اعترف محمد يتيم عضو اللجنة التنفيذية للحركة والناطق الرسمي باسمها، بأن إطلاق اسم "الجماعة الإسلامية" على حركته "كان ينطوي على قدر من الاستفزاز غير المقصود للآخرين"· وفي شهر مايو 1992 تقدم عبدالإله بن كيران الى سلطات الرباط بطلب تأسيس حزب سياسي تحت اسم "حزب التجديد الوطني"، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض، وقد بعث والي الرباط برسالة جوابية الى عبدالإله بن كيران بعد مرور عشرة أيام، يخبره فيها بأنه لا يمكن الاستجابة لطلبه، لأن مبادئ الحزب تتعارض مع التشريعات المعمول بها· ويبدو أن السلطات بنت رفضها على المادة الخامسة من قانون الحزب التي تقول: إن الحزب يهدف الى تأكيد الهوية الإسلامية للشعب المغربي وتعميمها· الأمر الذي يفترض أن الحزب سيعمل على إلغاء التشريعات والقوانين غير المستمدة من الشريعة الإسلامية· وقد كانت الانتخابات المحلية لأكتوبر 1992 مناسبة للتعرف على الموقف الحقيقي للسلطة من هذا التنظيم الإسلامي، ولا سيما أن هذا الأخير كان قد أعلن في السابق عن رغبته في المشاركة في المؤسسات السياسية القائمة، واستعدادا لذلك أعلنت حركة "الإصلاح والتجديد" عن اندماجها في "الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية" التي يقودها الخطيب ذو التوجه الإسلامي· وللتذكير فإن هذا الحزب الذي ظهر الى الوجود سنة 1958 بعد صراع شديد مع السلطة ومع حزب الاستقلال بقي 14 عاما، أي حتى 1972، يقدم نفسه حزبا مدافعا عن المغاربة ذوي الأصول البربرية الامازيعية، قبل أن يرسخ توجهه الإسلامي الذي برز في رسالة وجهها الخطيب الى العاهل المغربي وفي مواقفه الداعمة للثورة الإيرانية والمجاهدين الأفغان، ثم مسلمي البوسنة والهرسك· إلا أن الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية وبعد اندماج حركة الإصلاح والتجديد داخل هياكلها قررت عدم المشاركة في الانتخابات الجماعية لسنة 1992، وهو الموقف الذي رفضته حركة "الإصلاح والتجديد"، وكان ذلك وراء تجميد هذه الأخيرة لنشاطها داخل حزب الخطيب· 

اختبار للقوة السياسية 

يبدو أن السلطة تراجعت مؤقتا عن موقفها تجاه الحركة الإسلامية بمناسبة الانتخابات التشريعية الجزئية التي نظمت يوم 26 أبريل 1994، والتي شهدت لأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر مشاركة مرشحين ينتميان الى الحركة الإسلامي· والظاهر أن حركة الإصلاح والتجديد اختارت أن تختبر قوتها السياسية في مدينتين تقعان على الحدود المغربية وتتمتع فيهما الحركة الإسلامية بحضور متميز· ولسنا في حاجة الى القول بإن حزب الشورى والاستقلال الذي اختار المرشحين الإسلاميين أن يتقدما معه، لا تربطه أية علاقة تذكر بالحركة الإسلامية· ولا يستبعد أن يكون قد وافق علي تزكية هذين المرشحين بعد تلقى الضوء الأخضر من الإدارة، التي تعتبر حزب الشورى والاستقلال أحد الأحزاب المقربين إليها· ولم يتمكن المرشحان الإسلاميان من الفوز، وإن كانا قد حصلا على المرتبة الثانية من حيث عدد الأصوات·

يمكن أن نتساءل لماذا كل هذا الحرص من إسلاميي "الإصلاح والتجديد" على الانتماء الى حزب سياسي؟ فإذا كان الهدف هو ممارسة العلم السياسي فيمكن القيام بذلك من خلال تقديم مرشحي هذه الحركة الى الانتخابات التشريعية كمستقلين· خصوصا أن الدستور لا يمنع صراحة المستقلين من الترشيح· والواقع أن هذا الحل أصبح مستبعدا منذ أن أعلن العاهل المغربي في أحد خطبه سنة 1984، قبل انطلاق الانتخابات، أنه لن يسمح للمستقلين بالترشيح الى البرلمان· وقد أصبحت وزارة الداخلية المغربية ابتداء من هذا التاريخ ترتكز على هذا الخطاب الملكي من أجل منع ترشيح المستقلين· ومن هنا فإنه لا حل أمام الإسلاميين، إذا كانوا يرغبون في ممارسة العمل السياسي والاشتغال داخل المؤسسات المنتخبة إلى إنشاء حزب خاص بهم - وقد قاموا بمبادرة في هذا المجال باءت بالفشل - أو البحث عن حزب يحتويهم· وكان من الممكن أن ينتموا الى حزب الاستقلال خصوصا أنه يتشبث بالطابع الإسلامي للدولة ويضعه على رأس أولوياته· وبالفعل، فقد كانت هنالك محاولات حذرة من الطرفين لتحقيق ذلك في أواخر الثمانينيات، إلا أن حزب الاستقلال كان عليه في هذه الفترة أن يختار بين احتواء الإسلاميين فيضمن قاعدة كبيرة من الشباب الإسلاميين المتحمسين للعمل السياسي، ولكنه كان سيثير في الوقت ذاته حفيظة السلطة التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذا الاحتواء، وبين التحالف مع أحزاب المعارضة المتواجدة داخل مجلس النواب، وكلها ذات توجه يساري· وقد انتهى حزب الاستقلال الى اختيار الحل الثاني·

فشل الاندماج 

بعد اقفال أبواب حزب الاستقلال في وجه إسلاميي "الإصلاح والتجديد" لم يبق أمام هؤلاء إلا التوجه الى عبدالكريم الخطيب وحزب الحركة الدستورية· وقد فشلت محاولة الاندماج التي تمت خلال سنة 1992، وانتهت حركة الإصلاح الى تجميد نشاطها داخل أجهزة حزب الحركة الدستورية· مع اقتراب موعد الانتخابات سنة 1997 عاودت قيادة حركة "الإصلاح والتجديد" التفكير والبحث عن تنظيم سياسي يضمن لها العمل داخل المؤسسات المنتخبة، وتم الاتصال من جديد بالحركة الدستورية ولكن على أساس أن يكون الاندماج في صيغة أخرى· ولهذا الغرض جرى عقد مؤتمر استثنائي للحزب في يونيو 1996 حضره بشكل مكثف إسلاميو "الإصلاح والتجديد"· وقد أفضت أشغال المؤتمر الى دخول عدد من القادة الإسلاميين الى الأمانة العامة للحركة الشعبية الدستورية التي ظل يترأسها عبدالكريم الخطيب· وقد تأسس ميثاق الاندماج بين "الإصلاح والتجديد" و"الحركة الدستورية" علي ثلاثة التزامات هي: الإسلام، الملكية الدستورية، ونبذ العنف· ولم تتوقف حركة الإصلاح والتجديد عند هذا المستوى، بل تمكنت في أغسطس 1996 من إبرام اتفاق آخر مع جمعية إسلامية أخرى هي "رابطة المستقبل الإسلامي" يرأسها أحمد الريسوني· يقضي باندماج الجمعيتين في جمعية واحدة، وإعطاء اسم جديد لها هو جمعية "الإصلاح والتوحيد" التي أصبح يرأسها منذ ذلك الوقت أحمد الريسوني· وبذلك تكون هذه الحركة قد انتهت الى تبني استراتيجية خاصة· وهي العمل على واجهتين: الواجهة السياسية، وتتم داخل الحركة الدستورية، وهدفها هو هدف كل الأحزاب السياسية المنافسة: تحضير برامج سياسية والمشاركة في الانتخابات والحضور في المؤسسات المنتخبة: والواجهة الدعوية الفكرية وتضطلع بها حركة الإصلاح والتوحيد التي ظلت محتفظة باستقلاليتها عن حزب الخطيب وبهياكلها وتنظيمها الداخلي· 

مسار الحركة الإسلامية 

وحين نتأمل المسار القصير لهذه الحركة الإسلامية المغربية - الإصلاح والتجديد سابقا - نجد أنه ينقسم الى مرحلتين· المرحلة الأولى: منذ نشأتها الى حدوده 1990· وقد كانت خلال هذه المرحلة متأثرة بحركة الإخوان المسلمين في مصر، سواء من حيث التصور النظري أو منهج العمل أو الهيكلة الداخلية للحركة· واحتلت كتابات أبو الأعلى المودودي وسيد قطب مكانة بارزة في التصورات النظرية والعملية للحركة·

أما في المرحلة الثانية والتي تنطلق مع بداية التسعينيات فقد شرعت حركة "الإصلاح والتجديد" (سابقا) في إعادة النظر في مرتكزاتها الفكرية والعملية والهيكلية، خصوصا بعد اطلاعها على كتابات راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس، الذي ينادي بضرورة المشاركة في الحياة السياسية الوطنية والاندماج في نظام الأحزاب والتعاون مع باقي الفئات والجمعيات السياسية الأخرى· وقد جسد هذا التحول رغبة حركة "الإصلاح" الملحة في إنشاء حزب سياسي، وبعد أن تعذر ذلك، تم الاندماج في أحد الأحزاب السياسية الموجودة من أجل ممارسة العمل السياسي القائم على التنافس الحزبي الديمقراطي·

إذا كنا قد ركزنا في حديثنا بخصوص الحركة الإسلامية في المغرب على حركة "الإصلاح والتوحيد" فإن هذا لا يعني إطلاقا بأنها تحتكر العمل الحركي الإسلامي، بل على العكس من ذلك، فإن الحديث عن هذه الحركة لا يستقيم إلا بالإشارة الى جمعية أخرى منافسة هي جمعية "العدل والإحسان" التي يقودها عبدالسلام ياسين· وعلى خلاف حركة "الإصلاح والتوحيد" فإن جمعية عبدالسلام ياسين - حتى الآن على الأقل - لا تبدي أية رغبة في ممارسة العمل السياسي كما سطرت قواعده وحددت ضوابطه، ولا تتوانى الحركة عن انتقاد كل الأحزاب السياسية والتنظيمات المشاركة في المؤسسات الحالية بما فيها حركة "الإصلاح والتوحيد"· 

انتقاد النظام 

لقد برز اسم عبدالسلام ياسين لأول مرة على الساحة السياسية المغربية سنة 1973، حين بعث رسالة مفتوحة الى العاهل المغربي ضمنها كثيرا من الانتقادات للنظام السياسي المغربي الذي عاب عليه أساسا ابتعاده عن التعاليم الدينية الإسلامية· ومن أجل الخروج من هذه الوضعية طالب عبدالسلام ياسين بالالتزام بستة مبادئ: أولها الابتعاد عن النموذج الغربي المتبع والمهيمن على المجتمع المغربي الذي أصبح بذلك مجتمعا جاهليا، وثانيها أن على الحاكمين أن يعلنوا توبتهم ونيتهم في إصلاح الإسلام والمسلمين، وثالثها العمل على توزيع عادل للثروة يستفيد منه كل المسلمين وأن يتخلى الحاكمون عن احتكارهم للمال، ورابعها اختيار مجلس من العلماء يكون بمثابة الهيئة التي تقدم النصيحة والشورى، وإلغاء كل الأحزاب السياسية، وتمكين علماء الدعوة من إظهار أخطائها وتجاوزاتها للتعاليم الدينية، والاعتماد على مجموعة من الضباط الشباب المخلصين لأن الجيش يشكل القوة المنظمة الوحيدة في البلاد، تكون مهمتهم مراقبة تصرفات السلطة ومدى التزامها بالتعاليم الدينية وبالنهج الصحيح، وخامسها الابتعاد عن كل من النموذج الاشتراكي والنموذج الرأسمالي، وابتكار اقتصاد إسلامي قائم على التوزيع العادل للخيرات وإلغاء الظلم الاجتماعي والفقر، وسادسها التوبة العامة التي يتم بموجبها التخلي عن كل المستحدثات العصرية المتناقضة مع الإسلام· 

مجلة إسلامية 

بعد سقوط حكم الشاه في إيران ونجاح الثورة الإسلامية عمل ياسين على إصدار مجلة إسلامية هي الجماعة التي أصدر منها 18 عددا· وقد مكن إصدار هذه المجلة من استقطاب عدد كبير من الأشخاص الذين أخذوا يساهمون مع عبدالسلام ياسين في تحرير موضوعات المجلة، وسرعان ما سيتم التفكير في خلق تنظيم سيطلق عليه اسم أسرة الجماعة انطلاقا من هذه المجموعة الصغيرة، ثم سيصبح العدل والإحسان ابتداء من سنة 1987· وعلى خلاف جماعة الإصلاح والتجديد التي لم تعرف مواجهة حادة مع السلطة، فإن تنظيم عبدالسلام ياسين شهد سلسلة من الاصطدامات مع أجهزة الدولة غالبا ما كانت تنتهي باعتقال أعضاء الجماعة والمسؤولين عنها بالخصوص· كما أن وضع مرشد الجماعة تحت الإقامة المحروسة عمل باستمرار على تصعيد الوضع مما اقتضى تدخل قوات الأمن أكثر من مرة من أجل فض المتجمهرين أمام منزل ياسين· وإذا كانت جماعة الإصلاح والتجديد قد أبدت كثيرا من المرونة في تعاملها مع السلطة وأجهزة الدولة فإن جماعة العدل والإحسان ظلت متشبثة بموقفها المتشدد من الدولة، وجعلت على رأس مطالبها رفع الحظر عن مرشدها عبدالسلام ياسين ووضع دستور إسلامي قبل الشروع في أي حوار· وهكذا لم تشارك في الانتخابات التي نظمت عام 1979·

الرهان الانتخابي 

من أجل التعرف على الرهان الانتخابي لانتخابات 1997 التشريعية لا بد من التذكير بطبيعة النظام السياسي المغربي· فالدستور المغربي (دستور 1996) ينص على أن المغرب ملكية دستورية تعتمد التعددية الحزبية وتقر بالفصل بين السلطات الثلاثة: التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلا أن الدستور نفسه يعطي للملك دورا أساسيا في الحياة السياسية المغربية· فهو أمير المؤمنين والقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ويرأس المجلس الأعلى للقضاء· كما أنه يملك صلاحية اختيار الوزير الأول وإعفائه، فضلا عن أن الخطابات التي يوجهها الى مجلس النواب أو الى الشعب لا يتبعها أي نقاش· كما أن في إمكان الملك أن يطالب بقراءة ثانية لأحد القوانين التي يصادق عليها البرلمان·

إن الانتخابات التشريعية التي نظمت في نوفمبر 1997 هي أول انتخابات مغربية سابقة لأوانها· وهنا لا بد من التذكير ببعض المحطات السياسية والمعطيات الدستورية· إن كل الدساتير المغربية ابتداء من دستور 1970 مرورا بدستور 1972 فدستور 1992 كانت تنص على أن البرلمان المغربي يتكون من غرفة واحدة هي مجلس النواب الذي ينتخب ثلثاه بالاقتراع المباشر والثلث الأخير بالاقتراع غير المباشر· وإذا كانت الأحزاب المعارضة تستطيع في بعض الانتخابات أن تفوز بنسبة لا يستهان بها من المقاعد في الاقتراع المباشر· فإنها كانت تتعثر في الاقتراع غير المباشر المخصص لممثلي الفلاحين ورجال الأعمال والصناعة والإجراء وممثلي الجماعات المحلية· وفي الانتخابيات التي نظمت سنة 1993 والصناعة والإجراء وممثلي الجماعات المحلية· وفي الانتخابات التي نظمت سنة 1993 احتجت أحزاب المعارضة على نتائج الاقتراع غير المباشر الى درجة أن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي - أول حزب معارض - استقال من مسؤولياته الحزبية احتجاجا على سلوك الإدارة خلال هذه الانتخابات إذ اتهمت بتدخلها لصالح مرشحي الأحزاب الموالية لها· وقد أثر ذلك تأثيرا حاسما على التطورات اللاحقة التي عرفتها الساحة السياسية المغربية، التي شهدت ارتفاع صوت أحزاب المعارضة، للمطالبة بالدخول الى الحكومة من خلال التركيز على المطالبة بانتخاب كل أعضاء مجلس النواب بطريقة مباشرة، وهو ما استجاب له دستور 1996 الذي نص على خلق غرفة ثانية هي مجلس المستشارين التي ينتخب كل أعضائها بواسطة الاقتراع غير المباشر، إضافة الى مجلس النواب (الغرفة الأولى) الذي ينتخب كل أعضائه بواسطة الاقتراع المباشر· 

انفراج سياسي 

وقد شكل الإعلان عن مشروع دستور 1996 بداية انفراج سياسي خصوصا بعد أن استجاب هذا الدستور لمطلب من المطالب الأساسية الذي كانت تلح عليه أحزاب المعارضة، وهو انتخاب كل أعضاء مجلس النواب عن طريق الاقتراع المباشر· ودخلت أحزاب المعارضة بهذه المناسبة مرحلة سياسية جديدة تمتاز بتزكية المؤسسات السياسية القائمة، إذ إنها دعت مناضليها وعموم المواطنين الى التصويت لصالح دستور 1996· وفي حمأة جو التفاؤل السياسي هذا وقعّت كل الأحزاب السياسية المغربية - المشاركة في الانتخابات السابقة - ميثاقا مع الحكومة سمي "ميثاق حسن السلوك" تعهدت فيه جميع الأطراف: الحكومة ممثلة في وزارة الداخلية المشرفة على تنظيم الانتخابات، والأحزاب السياسية، بالاحترام الحرفي لقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية إذن فالمعطيات الأولى كانت تشير الى أن الانتخابات التي ستنظم خلال 1997 ستكون حاسمة سياسيا وستمكن المغرب أخيرا من الدخول الى نادي الدول الديمقراطية التي تفرز الانتخابات التي تنظمها النخب التي تضطلع بالمسؤوليات التنفيذية والتشريعية·

ولأجل ذلك فإن جل الأحزاب والتنظيمات السياسية أبدت حماسا كبيرا لخوض غمار هذه التجربة، وتم تسجيل مشاركة رقم قياسي من الأحزاب في هذه الانتخابات (ستة عشر حزبا)· وإذا كانت أحزاب المعارضة قد اعتادت في السابق الدخول الى المعركة الانتخابية من أجل التعريف ببرامجها واقتراحاتها وتصوراتها السياسية والنخب التي تؤطرها، من دون اهتمام كبير بالحصول على أغلبية المقاعد داخل البرلمان وتسلم مقاليد المسؤولية التنفيذية، فإن انتخابات 1997 على عكس ذلك تماما أظهرت الرغبة الكبيرة لكل الأحزاب في الحصول على أكبر قدر ممكن من المقاعد، ما جعل نسبة المنافسة مرتفعة جدا، بلغت في المعدل أكثر من عشرة مرشحين للمقعد الواحد، وتجاوزت في بعض الدوائر خمسة عشر مرشحا للمقعد، وهو ما يعكس الأهمية الكبرى التي أولتها كل التنظيمات السياسية لهذا الاستحقاق الانتخابي، والرغبة الملحة للنخبة السياسية في تحمل المسؤوليات التنفيذية والتشريعية· غير أن الإقبال الكبير على المشاركة في الانتخابات من طرف مرشحي الأحزاب لا يجب أن يحجب عنا حقيقة أساسية، وهي كون هذه الانتخابات قد نظمت في ظروف صعبة اقتصاديا واجتماعيا، الى درجة أن أصواتا كثيرة - على رأسها العاهل المغربي - ارتفعت منادية بضرورة إيقاف تدهور الوضعية العامة للبلاد، وإلا فإن الأمر سيؤدي الى كارثة حقيقية· وبالفعل فإن المؤشرات الاقتصادية كانت تشير الى ضعف نسبة النمو بل وتراجعه مقارنة بالسنوات الماضية·

وقد أدى كل هذا الى اشتداد حدة الأزمة الاجتماعية التي يعكسها بشكل جلي ارتفاع نسبة العاطلين، التي يمكن أن تتجاوز نسبة 25% من السكان النشيطين في الحواضر الكبرى· فضلا عن ذلك فإن النظام التعليمي المعتمد في مختلف مراحله (ابتدائي، ثانوي، جامعي) تبين عجزه عن مسايرة التطورات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل خريجي التعليم لا يجدون عملا، فيلتحقون بآلاف العاطلين الذين أصبحوا خطرا حقيقيا يؤرق كل الأسر والمؤسسات·

تقدمت الأحزاب السياسية خلال الحملة الانتخابية ببرامجها الانتخابية التي حاولت من خلالها أن تستميل الناخبين بتقديم مجموعة من الوعود تهم مختلف المجالات الحيوية·

وقد استحوذ قطاع الشغل والتنمية الاقتصادية وإصلاح التعليم على حصة الأسد في برامج كل الأحزاب السياسية، إلا أن صعوبة هذه الملفات الشائكة جعلت هذه الأحزاب تشير إشارات مقتضية الى رغبتها في معالجة هذه المشاكل من دون عرض للتفاصيل وللإجراءات الملموسة التي ستعمد الى اتخاذها لتحقيق وعودها وبرامجها· وبفعل وجود شبه إجماع حول المشاكل التي تعاني منها البلاد فإن البرامج الانتخابية جاءت متشابهة في ما بينها الى درجة يصعب معها التمييز بين الأحزاب· وقد نتج عن ذلك أن الحملة الانتخابية التي قادتها هذه الأحزاب اتسمت بصفة عامة بالرتابة وغياب الحماس عن مؤطريها ومتابعيها· وقد وجد قادة الأحزاب صعوبة كبرى في حث الناس على الانضمام الى تجمعاتهم الانتخابية، إذ لم يتجاوز معدل الحاضرين في هذه التجمعات 330 شخصا في التجمع الواحد··· 

نتائج مخيبة للآمال 

جاءت النتائج مخيبة لآمال الجميع: السلطة والأحزاب السياسية· فقد سجلت أضعف نسبة مشاركة عرفها المغرب منذ شروعه في تنظيم الانتخابات: 58% من المسجلين· كما سجلت نسبة عالية من الأوراق الملغاة، بلغت قرابة 15% من المشاركين: الأمر الذي أصبح يعني أن أقل من 50% من الناخبين قد شاركوا بالفعل في هذه الانتخابات·

وفضلا عن ذلك فإن قرابة أربعة ملايين ناخب قد صوتوا تصويتا ضائعا، أي صوتوا لمرشح لم يتمكن من الفوز، بينما صوت 20% من الناخبين المسجلين فقط على مرشحين فائزين· وهذا راجع بالأساس الى كون شكل الاقتراع المعتمد: الاسمي الأحادي، يعطي الفوز للمرشح الحاصل على الأغلبية من الأصوات· وهكذا تمكن من الفوز عدد كبير من المرشحين الذين لم يحصلوا على أكثر من 30% من الأصوات المعبر عنها في دوائرهم!

أما في ما يخص الأحزاب فإن سبعة منهم من ضمن ستة عشر حصلت على 85% من المقاعد· ولم تتمكن أحزاب المعارضة (الكتلة) من الحصول سوى على 102 مقعدا، هذه الانتخابات لم تسفر عن تحولات أساسية، وأوضحت الوضعية السابقة مرشحة للاستمرار لمدة نيابية جديدة·

طباعة