Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 ذي القعدة 5 ذي الحجة 1419هـ - 17-23 مارس 1999
العدد 1369

إقرار سلام دائم صعب لكنه غير مستحيل
التاريخ يكرر نفسه في البلقان بسبب النزعة القومية وسلبية الغرب

في وجود العنف العرقي في كوسوفو وتحذير القادة السياسيين من أن حلف شمال الأطلسي يحتاج الى البقاء في البوسنة سنوات طويلة، يبدو لكثير من الأمريكيين أن السلام الدائم في البلقان هدف مستحيل· فالأزمات تضرب جذورها في أحقاد قديمة حسب ما يقول الناس· وهذه الأحقاد قد تدفن لسنوات أو عقود لكنها تعود ثانية·

برغم خطورة تقليل أهمية التاريخ، فإن هناك خطورة أيضا في المبالغة بأهميته· ففي الواقع أثمرت الأحقاد في البوسنة دورات من القتل والثأر التي توفر مناخا لمزيد من انفجار العنف، لكن الحريق يحتاج الى عوامل كثيرة أخرى كتلك الموجودة حاليا·

ومن أجل إقرار سلام دائم في البلقان ومناطق أخرى ذات تاريخ مضطرب، يجب على العالم أن يحدد الظروف المساعدة للانفجار قبل حدوث العنف·

ففي حين أن الدين كان الفارق الوحيد المهم الذي باعد بين الصرب والمسلمين والكروات، لم تكن الحرب البوسنية ذات منطلق ديني، إنما كانت تتصل بالتاريخ· فأي شخص في البلقان كان يستل سيفا أو يشرع مسدسا كان يدعي أنه يفعل ذلك دفاعا عن جماعته العرقية من تكرار محاولة تصفية تعرضت لها في الماضي· غير أن استمرار الخوف لا يعني استمرار الحرب، فحروب البلقان امتدت عبر القرون فوق مناطق تترامى من النمسا الى تركيا، وكثير من الدول التي انخرطت فيها تعيش في سلام الآن·

أما القتال فيندلع عندما يختلط عاملان في مناخ الخوف· الأول هو حدوث تغيير سياسي مفاجئ أي عندما يتحطم نظام قديم ولا يقوم مكانه نظام جديد، وهذا ما حدث عام 1991· فتلاعب سلوبودان ميلوسيفيتش (الرئيس اليوغوسلافي الحالي) بالخوف العرقي (لدى الصرب) هو الذي دفع الجماعات غير الصربية الى الانفصال عن يوغوسلافيا لخوفها من أن تتعرض للملاحقة في نظام حكمه، ثم أدت إقامة كرواتيا والبوسنة دولتين مستقلتين الى جعل الصرب أقلية· ولما كان الصرب عانوا في الحرب العالمية الثانية مذبحة بأيدي الكروات، وإلى حد أدنى بأيدي المسلمين، فقد خافوا من أن تكون أقلياتهم في خطر·

وكان العامل الضروري الآخر (لإشعال الحرب) هو دعاية ديماغوجية بواسطة محطة تلفزيونية· فميلوسيفيتش والرئيس الكرواتي فرانيو تودجمان استغلا الخوف لدى اتباعهما وعملا على تغذيته من أجل أن يبقيا في السلطة· فالآلة الإعلامية الدعائية لدى ميلوسيفيتش نادرا ما دعت الصرب الى قتل جيرانهم إنما كانت تقول للصرب زوراً إن الجيران آتون لقتلهم، وكان ذلك يكفي·

يتطلب تبريد الأحقاد بعد حرب ذات تأثيرات في كل الاتجاهات (الجغرافية) مثل حرب البوسنة أو كوسوفو وقتا وفرصا لقواعد جديدة تهدئ المخاوف· وقد فعل ذلك الزعيم اليوغوسلافي جوزف بروز تيتو بعد الحرب العالمية الثانية· فالطبقة (الحاكمة) أخذت مكان العرقية، وهذه الصيغة كان يمكنها أن تبقى صالحة لو لم يعمل ميلوسيفيتش على استغلال النزعة القومية· والبوسنة يجب عليها الآن أن تقدم ضمانات قوية لحقوق الأقليات ذات مصداقية عالمية وأن تقيم نظاما سياسيا ناضجا بما يكفي لرفض القادة القوميين قبل أن يستطيعوا إيذاء غيرهم·

وإلى أن يتحقق ذلك، سينقضي وقت طويل، وربما بقيت الحاجة الى عملية حفظ السلام، أو على الأقل، الى تدخل حلف شمال الأطلسي بسرعة في كل مرة يتجدد العنف· وفي كوسوفو، لا يمكن للمرء أن يتوقع غير سلام ضعيف في أفضل الأحوال طالما بقي ميلوسيفيتش في السلطة·

إن العمل على تفادي اندلاع العنف أسهل من إنهائه·· وتعطي جمهورية مقدونيا مثالا على كيفية القيام بذلك· فقد شكلت العرقيتان المقدونية والألبانية في هذه الجمهورية حكومة ائتلافية حتى لا تكرر الأخطاء التي ارتكبها جيرانهما· أما قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في هذه الجمهورية التي نقضت الصين قرار تمديد تفويضها ثأرا في مقدونيا لاعترافها بتايوان فينبغي أن تحل مكانها قوات أطلسية·

يتطلب تفادي العنف بعد نظر· فالعالم كان يتفرج على ميلوسيفيتش وهو يصعد القمع في كوسوفو لسنين طويلة لكنه لم يفعل شيئا الى حين صارت المشكلة تستعصي الحل·· وكان يجب على الغرب أن يزيد الضغوط على ميلوسيفيتش من أجل إرساء الاستقلال الذاتي لكوسوفو الذي سلبه عندما تولى السلطة· إن أحدا لا يستطيع تغيير التاريخ، لكن في المقابل يمكن القيام بالكثير لمنع تكراره حتى في البلقان·

(نيويورك تايمز)

طباعة  

فترة التفاهم الذهبية كانت في عهد غورباتشوف
لماذا يضرب الشلل مجلس الأمن كما كان وضعه في الحرب الباردة؟

 
انتخابات نيجيريا الرئاسية:
حكم عسكري بواجهة مدنية