Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 ذي القعدة 5 ذي الحجة 1419هـ - 17-23 مارس 1999
العدد 1369

فترة التفاهم الذهبية كانت في عهد غورباتشوف
لماذا يضرب الشلل مجلس الأمن كما كان وضعه في الحرب الباردة؟

مرحلة ما بعد الحرب الباردة ساخنة· فاستنادا الى الحسابات الأخيرة هناك اليوم ما يراوح بين ثلاثين وأربعين نزاعا مسلحا "تنشط" في العالم· وهذه النزاعات إما تدور بين دول أو تدور في داخل بعضها بصورة حرب أهلية، وكلها تنتهي بمآس إنسانية· وفي هذه الفوضى كانت الأمم المتحدة غائبة في معظم الأحيان، والأكثر من ذلك أن هيئتها المكلفة "حفظ السلام" أي مجلس الأمن الذي يتخذ قرار اللجوء الى القوة غائب أيضا· فالمجلس لم يعد يملك الكثير الآن· ولما كان ذلك دلالة على أزمة عميقة، فقد طرح بعضهم السؤال في نيويورك حيث مقر الأمم المتحدة كما يلي: ماذا يفعل المجلس؟

في السابق كان كل شيء سلبيا ببساطة· فحسب ما يتذكر الأمين العام للمنظمة الدولية كوفي عنان "أدت الخلافات بين القوى العظمى الى تعطيل المجلس إبان الحرب الباردة، فالمجلس كان يستطيع العمل آنذاك إنما بشرط أن لا يلجأ أحد أعضائه الدائمين أي الخمسة الكبار، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (سابقا) وبريطانيا وفرنسا والصين الى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرارات· وهكذا صار المجلس منتدى للنقاش أكثر منه هيئة مكلفة المحافظة على الأمن·

أما المشكلة الحالية للمجلس فانبثقت في مرحلة قصيرة برزت فيها أوهام كثيرة عن دوره والإمكانات، فمساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط الإيطالي جياندومينيكو بيكو يتحدث عما يسميه "عهد غورباتشوف" أي سنوات 1986-1992· ففي هذا العهد الذي شهد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة كان الزعيم السوفييتي الأخير يتفاهم مع نظيريه الأمريكيين رونالد ريغان وجورج بوش من أجل تسوية عدد من الأزمات: من ناميبيا الى الحرب العراقية الإيرانية مرورا بالسلفادور وانتهاء بحرب الخليج الثانية (تحرير دولة الكويت) فضلا عن أزمات أخرى· فعندئذ ما كان هناك أي لزوم للفيتو السوفييتي أو الروسي، ومجلس الأمن استطاع أن يؤدي الدور الذي يمنحه أياه ميثاق الأمم المتحدة، في حين كانت للصين مخاوفها·

لكن هذه المرحلة انتهت وعاد المجلس شبه معطل، فروسيا، التي أضعفتها الأزمات الداخلية تسعى الى دور على الساحة الدولية في مواجهة الولايات المتحدة، وقد عادت تثمن قيمة استعمال الفيتو· أما الصين التي تشبثت بكل قواها بمبدأ الدفاع المطلق عن السيادة وقد اعتراها هوس مطلق بقضية تايوان، وخوف من أن يبحث الآخرون عن نزاعات معها استنادا الى ميثاق حقوق الإنسان، فقد صارت تقفل الباب في وجه أي تطور يؤدي الى تدخل الأمم المتحدة في شؤون أحد أعضائها·

أما الولايات المتحدة التي أدركت هذه النتائج فأخذت تتصرف بطريقتها، فإذا لم يستطع مجلس الأمن العمل كما كانت الحال أيام غورباتشوف فمن الأجدى تخطيه· وصارت واشنطن تشكك في القاعدة التي كانت تسلم بها جميع البلدان وهي المساواة الدولية، وهذه القاعدة تقضي بالامتناع عن أي عمل دولي للأمم المتحدة ما لم يكن مدعوما بقرار من مجلس الأمن إن كان يتعلق بالعقوبات أم باستعمال القوة· وفي هذا الشأن قال القائم بأعمال المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة بيتر بيرلي لصحيفة "لوموند": لا أريد المبالغة في (تصوير) أهمية مجلس الأمن (··) نحن نفضل الحصول على تفويض (قبل اللجوء الى السقوط) لكننا لا نعتبر أن غياب التفويض في أية قضية لا يستطيع أن يضع حدودا لقدرتنا على العمل"· وفي الحالات الإنسانية مثل الفظائع المرتكبة في إقليم كوسوفو (ضد الإنسان) قال بيرلي: "لا نستطيع أن نقبل بتعطيل قدرتنا بواسطة الفيتو في المجلس"·

لكن مدير الدراسات في معهد "بروكنغر" ريتشارد هاس الذي قد يتولى وزارة الخارجية إذا فاز رئيس جمهوري في الولايات المتحدة فكان أكثر صراحة عندما قال إن "المجلس لم يعد منتدى للنقاش المفيد (··) وهو مجرد خيار واحد ويجب أن لا يحتكر القرار على الساحة الدولية وينبغي علينا حتما أن نستطيع اللجوء الى القوة من دون تفويض الأمم المتحدة"·

حسب رأي بيرلي، كانت فظاعة القضايا الإنسانية تبرر تخطي المجلس إذا كان مستحيلا انتزاع موافقته (على التدخل)، لكن ذلك يتوقف على الظروف· ففي الشيشان، حيث كانت الكارثة الإنسانية أعظم بكثير مما حدث في نزاع كوسوفو لم ترتكب الولايات المتحدة خطأ محاولة التدخل، فهي لم تجد مصلحة في ذلك، وكان التدخل مستحيلا سياسيا أو بواسطة الضغط الاقتصادي· ولكن لأسباب كثيرة، وتحديدا لتبرير دور حلف شمال الأطلسي عقب الحرب الباردة، أي لضمان بقاء ذراعها العابرة للمحيط الأطلسي، أخذت الولايات المتحدة تتدخل في البلقان·

إن الموقف الأمريكي الجديد من مجلس الأمن وثيق الصلة في هذه الأيام بفكرة واشنطن عن دور حلف شمال الأطلسي· ففي أبريل الماضي، عند الاحتفال بالذكرى الخمسين لإنشاء الحلف في واشنطن، أرادت الولايات المتحدة لحلفائها أن يتبنوا مفهوما استراتيجيا جديدا، وهذا المفهوم ينطوي بهذا القدر أو ذاك من الوضوح على حق الحلف في التدخل من دون تفويض الأمم المتحدة في مناطق تتخطى المسرح الأوروبي كما في النزاع بشأن أسلحة الدمار الشامل في جميع أنحاء العالم·

في مقابل ذلك يرى وزير الخارجية الفرنسي أوبير فيدرين خلاف ذلك، أي أن صدور قرار لمجلس الأمن هو ضرورة قبل اللجوء الى القوة· وباريس يعتريها خوف من حدوث تحولات في حلف شمال الأطلسي الذي يغلب عليه الأمريكيون باتجاه إحلاله بديلا من الأمم المتحدة يكون بأيدي الولايات المتحدة· والفرنسيون يعرفون أن معاهدة الحلف الموقعة في الرابع من أبريل عام 1949 تخضع في بندها الأول أي نشاط للحلف لوصاية الأمم المتحدة المعترف بسلطتها العليا في تطبيق الشرعية الدولية في جميع أنحاء العالم· لكن الفرنسيين يتبعون سياسة براغماتية·· ففي كل مرة يُطرح مبدأ انفراد الحلف باللجوء الى القوة يتخذ هؤلاء موقف الغموض البناء·

لكن السفير الروسي لدى الأمم المتحدة سيرغي لافروف يدين المقاربة الأمريكية التي تقوم حسب رأيه على "توسيع تفويض الحلف بما يتيح له التدخل في كل مكان، وهو يؤكد أن الولايات المتحدة تريد خفض منزلة الأمم المتحدة، ويتذكر أن "مجلس الأمن هو الوسيلة الأكثر أهمية للنفوذ الروسي في العالم"·· لكن الصينيين يصمتون·

وفي موسكو كما في بكين، صارت المعارضة لدور الأمم المتحدة و"الأدوار الجديدة" لحلف شمال الأطلسي جذرية· وهكذا صار مجلس الأمن مهددا دوما بالشلل بأعظم مما كان في ذروة الحرب الباردة·

(لوموند)

طباعة  

إقرار سلام دائم صعب لكنه غير مستحيل
التاريخ يكرر نفسه في البلقان بسبب النزعة القومية وسلبية الغرب

 
انتخابات نيجيريا الرئاسية:
حكم عسكري بواجهة مدنية