Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 19 ذي الحجة 1419هـ - 24 مارس - 6 أبريل 1999
العدد 1370

الحركة الإسلامية المغربية وانتخابات 1997 التشريعية(2-2)*
الاهتمام الإعلامي المكثف داخليا وخارجيا ·· استقامة ونزاهة المرشحين ·· وصغر سنهم من أهم أسباب تعاطف الناخبين مع الإسلاميين

·         الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة خيّمت على أجواء الانتخابات

·         تشابه البرامج الانتخابية للأحزاب صعّب من انضمام الناس إليها

·      عبد الكريم الخطيب زعيم "الحركة الدستورية" يقرر في آخر لحظة عدم خوض الحزب الانتخابات بدعوى ضعف تمثيله

·         إلغاء نظام التأمين الغربي والنظام البنكي تسبب في ضعف إقبال المحامين على  الإسلاميين

·         حزب الحركة الدستورية أرجع سبب المشاكل المالية إلى ابتعاد المغاربة عن التعاليم الدينية في المعاملات الاقتصادية

·       القادة الإسلاميون لحزب الحركة الدستورية وجهوا دعوة لأعضاء "الإصلاح والتوحيد" من أجل التقدم للانتخابات كمستقلين

·         "الحركة الدستورية" طالبت النخبة السياسية المغربية بتبني نظام سياسي اقتصادي إسلامي

 

بقلم: حسن قرنفل**

شهدت الانتخابات التشريعية التي نظمت في المغرب سنة 1997 دخول ممثلين عن الحركة الإسلامية الى مجلس النواب لأول مرة، وبذلك يكون المغرب على غرار بعض الدول الإسلامية الأخرى قد تمكن من إدماج الإسلاميين في العمل السياسي المؤسساتي· وجاء ذلك بعد مسيرة طويلة حاول خلالها ممثلو الحركة الإسلامية، أو أحد فصائلها على وجه التحديد، طمأنة السلطة الى رغبته في ممارسة اللعبة السياسية في المغرب كما حددت قواعدها في السابق· ولم تحصل هذه الحركة على الضوء الأخضر للمشاركة في هذه الانتخابات إلا بعد تقديم الضمانات الكافية للالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية·

وقد انطلقنا في معالجتنا لهذا الموضوع من سؤالين أساسيين، هما: لماذا سمحت السلطة لممثلي الحركة الإسلامية بالترشيح لهذه الانتخابات مع أنها اعترضت على ذلك في الانتخابات السابقة؟ وكيف تمكن المرشحون الإسلاميون من الفوز في عدد من الدوائر الانتخابية التي تحسب على المعارضة، مع أن هذه الأخيرة تملك حضورا قويا فيها، كما أنها لم تتحمل أية مسؤولية حكومية، الأمر الذي يستبعد تفسير تحول الناخبين عنها بالتصويت العقابي؟

اقترحنا كجواب عن السؤال الأول الفرضية التالية: مع السماح لممثلي الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية - وهو الحزب الذي يحتوي الإسلاميين - بالمشاركة في الانتخابات التشريعية، حاولت السلطة المغربية اختبار الإقبال الذي تلقاه الأفكار الأصولية داخل مختلف شرائح المجتمع، وحث المعارضة السابقة - المتكونة أساسا من أحزاب اجتماعية - ديمقراطية - على المزيد من الاقتراب من أطروحاتها واختياراتها - أي السلطة - والقبول بقواعد اللعبة السياسية كما حددت من قبل من جهة، ورغبت من خلال تشجيع دخول بعض ممثلي الحركة الإسلامية الى مجلس النواب في العمل على نزع هالة النزاهة والاستقامة عن الإسلاميين بإقحامهم في مجال العمل السياسي الذي يقتضي مشاركة تامة في اللعبة بطقوسها وخططها وتحالفاتها من جهة أخرى· واقترحنا بالنسبة للسؤال الثاني الفرضية التي ترى أن الأمر يعود الى اختفاء أو تراجع التصويت طبقا للانتماء الحزبي، حيث انتهى الناخب المغربي· في ما يبدو، الى تبني موقف أخلاقي يحكم بواسطته على شخصية المرشح وسلوكه، بغض النظر عن الهيئة السياسية التي ينتمي إليها· وبما أن المرشحين الإسلاميين هم في غالبيتهم شباب عرفوا بسلوكهم الأخلاقي المستقيم، ولم يسبق لهم أن مارسوا أية مسؤولية جماعية أو حكومية، فقد مال الناخبون الى التصويت لهم، حتى لو لم يكونوا يتبنون مواقفهم·

مع أن الفرضية الأولى تقتضي مرور الوقت للحكم على مدى صلابتها، إلا أن بعضا من المؤشرات تميل الى تأكيدها، من ذلك، مثلا، قبول الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، الحزب المعارض في الولاية النيابية السابقة، تكليفه من طرف العاهل المغربي بتشكيل الحكومة، مع أنه لم يحصل إلا على %17,5 من المقاعد داخل مجلس النواب، كما أن حلفاءه التقليديين لا يملكون العدد الكافي من المقاعد داخل المجلس من أجل دعمه، ما يعني، بشكل من الأشكال، الانتصار المؤقت لاستراتيجية السلطة المشار إليها سابقا· وقد قبلت أحزاب المعارضة السابقة تشكيل حكومة ائتلافية بالتنسيق مع أحزاب كانت تعتبرها في السابق أحزابا إدارية، وبرر زعماء المعارضة السابقة موقفهم هذا بأن عدم تحمله المسؤولية التنفيذية سيفتح الباب أمام كل أنواع التطرف·

 

المشاركة الإسلامية في الانتخابات

 

ظلت الشكوك، وإلي آخر لحظة تحوم حول مشاركة أو عدم مشاركة الإسلاميين في الانتخابات· فعلى الرغم من انتمائهم القانوني الى حزب سياسي معترف به ورغبتهم في المشاركة، واستعدادهم لها، قرر زعيم الحزب الدكتور عبدالكريم الخطيب في آخر لحظة عدم خوض الحزب الانتخابات بدعوى ضعف تمثيله، الأمر الذي أغضب القادة الإسلاميين المنضمين الى الحزب، فوجهوا دعوة الى أعضاء جمعية "الإصلاح والتوحيد" للتقدم الى الانتخابات كمستقلين· وهو ما حصل فعلا· وقد تمكن زهاء مائة منهم من مجموع 24237 مستشارا جماعيا من الفوز·

وعندما اقترب موعد الانتخابات التشريعية خشي الإسلاميون من تكرار التجربة وحرمانهم من المشاركة بقرار منفرد من زعيم الحزب· فمارسوا ضغوطا شديدة عليه من أجل الاستجابة لطلبهم· ويبدو أن الدكتور الخطيب لا يملك حرية التصرف تماما في هذه المسألة، فهو لا يقدم على خطوة من الخطوات في هذا الاتجاه إلا بعد استشارة السلطة مخافة إثارة غضبها· ولذا فإنه مع قرب حلول موعد الاقتراع واشتداد الضغوط على أمين الحزب من أجل دخول غمار هذه التجربة، أجرى هذا الأخير مجموعة من الاتصالات مع الديوان الملكي ومع وزير الدولة في الداخلية، أعلن بعدها تقديم حزب الحركة الدستورية مرشحين لهذه الانتخابات· إلا أن مجموع مرشحي الحزب لم يتجاوز 140 مرشحا، مع أن عدد الدوائر الانتخابية يبلغ 325 دائرة· وهذا لا يعني أن هذا الحزب لقي صعوبات في العثور على العدد الكافي من المرشحين المناسبين· فحركة التوحيد والإصلاح تضم المئات من الشباب ذوي التكوين العالي والخبرة في العمل الجماهيري والمستعدين لخوض غمار هذه التجربة الانتخابية، بقدر ما يعني أن تقديم 140 مرشحا فقط هو إشارة الى السلطة بأن الهدف من المشاركة في الانتخابات ليس الحصول على الأغلبية داخل البرلمان· وإنما إسماع صوت الإسلاميين كأقلية داخل مجلس النواب· وهو الحل الذي اهتدى إليه، في ما يبدو، زعيم الحزب والسلطة من أجل حل معضلة مشاركة الإسلاميين·

ويجب الاعتراف بأن الإسلاميين قد وفقوا الى حد كبير في إدارة حملتهم الانتخابية، وساعدهم في ذلك، أولا، الاهتمام الإعلامي المكثف بهم، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، إذ لم يمض يوم واحد من الأيام المخصصة للحملة الانتخابية من دون أن يجري زعماء الحركة استجوابات ولقاءات صحفية تعرف بهم وببرامجهم، وثانيا، توفقهم الكبير في اختيار المشرحين· فقد تم تقديم مجموعة من الفعاليات المعروفة باستقامتها ونزاهتها، ما جعل الكثير من الناخبين يتعاطفون معهم حتى وإن لم يشاركوهم توجهاتهم السياسية·

ومن أجل التعرف على الخصائص السوسيو - مهنية للمرشحين الإسلاميين نقدم الجدول التالي:

ويظهر هذا الجدول أن أكثر من نصف المرشحين الإسلاميين ينتمون الى سلك التعليم، منهم 17 أستاذا جامعيا· وهنا لا بد من الإشارة الى التشابه الكبير بين البنية الاجتماعية - مهنية للمرشحين الإسلاميين ومرشحي المعارضة خصوصا منهم أولئك المنتمين الى أحزاب اجتماعية - ديمقراطية· وكما هو الأمر بالنسبة لدول أخرى· فلا غرابة أن يفضل رجال التعليم جناح المعارضة سواء أكانت ديمقراطية أم إسلامية· باعتبار أن مهنة التعليم تساعد ممارسها، بفعل استقلالية عمله، على تبني مواقف سياسية واجتماعية ليست بالضرورة هي المواقف الرسمية من دون أن يؤثر ذلك على مستقبله المهني· فضلا عن كون قطاع التعليم من أكثر القطاعات المؤطرة نقابيا، وهو ما يساهم في تبلور الميل نحو المعارضة بفعل الصراعات النقابية المستمرة· ومع ذلك يجب الإشارة الى أن هناك فرقا أساسيا بين تخصصات رجال التعليم الذين تقدموا مع الأحزاب المعارضة الأخرى والمرشحين الإسلاميين· فرجال التعليم الإسلاميون يدرسون، في معظم الأحيان، مواد التربية الإسلامية والمواد الدينية بصفة عامة· سواء تعلق الأمر بأساتذة التعليم الثانوي أو الجامعي وهذا يذكرنا بما كان يلاحظ في السابق من ترشيح أحزاب المعارضة لأستاذة الفلسفة· وهو ما يجعل انتماءهم الى الحساسية الإسلامية انتماء مشروعا ومنطقيا· كذلك تلاحظ أن الأطباء يأتون في المرتبة الثاني بعد رجال التعليم، وهنا لا بد من التذكير بعنصرين أساسيين ساهما في إقبال الأطباء على الجناح الإسلامي· الأول هو أن معظم هؤلاء الأطباء الإسلاميون يشتغلون في القطاع العام، وهنا فإن ما قيل بخصوص رجال التعليم صالح أيضا بالنسبة لوضعيتهم· إذ يلاحظ إقبال كبير من القطاع الصحي على العمل النقابي، ولا يؤثر العمل السياسي أو النقابي على المستقبل المهني للطبيب·

كما أن أطباء القطاع العام بفعل ضعف أجورهم· وتدهور وضعيتهم الاجتماعية مقارنة مع أطباء القطاع الخاص يجدون أنفسهم أقرب الى خطاب سياسي معارض يطالب برفع الأجور وتحسين ظروف العمل، أما العنصر التفسيري الثاني، فهو ما أصبحت تشهده كليات الطب في السنوات العشر الأخيرة من سيطرة الطلبة الإسلاميين عليها وخوضهم لكثير من المعارك النضالية الناجحة، الشيء الذي يعني أن الأطباء الذين ترشحوا مع حزب الحركة الدستورية هم في حقيقة الأمر زعماء سابقون للحركة الطلابية داخل كليات الطب·

 

ضعف التمثيل المهني

 

إذا كانت التركيبة الاجتماعية المهنية للمرشحين الإسلاميين تكشف من هيمنة الموظفين التابعين للدولة والقطاع العام، فإنها تظهر أيضا - وهذا طبيعي - ضعف تمثيل قطاعات مهنية أخرى، كما هو الشأن بالنسبة لرجال الأعمال وكبار التجار يسجلون تمثيلا يكاد يكون رمزيا (%7 من مجموعة المرشحين) مع العلم أن المرشحين الذين تم تصنيفهم في خانة رجال الأعمال ليسوا في واقع الأمر سوى مقاولين صغار أو تجار متوسطين· كذلك نلاحظ ضعف تمثيلية الفلاحين، مع أن قرابة %48 من سكان المغرب يقيمون في الوسط القروي· وهذا أيضا أمر طبيعي لأن الأمر لا يقتصر على الحركة الإسلامية وحدها بل يهم أيضا مرشحي المعارضة، باعتبار أن الفلاحين في كل دول العالم يميلون الى تبني مواقف سياسية محافظة وتقليدية، لأنهم يخشون من تأثر مصالحهم ووضعيتهم الاجتماعية بفعل انتمائهم الى المعارضة· إلا أن أغرب ما يلاحظ بخصوص الانتماء الاجتماعي المهني - للمرشحين الإسلاميين هو ضعف حضور المهندسين والمحامين· وإذا كان الأمر بالنسبة للمهندسين يكاد يكون عاديا، إذ تبين من خلال تجارب انتخابية سابقة أنهم لا يميلون كثيرا الى العمل السياسي والحزبي ويستثمرون وقتهم وإمكاناتهم من أجل زيادة مداخيلهم وإنشاء مقاولاتهم الخاصة، ويفضلون في حالة الإقبال على السياسة الأحزاب الموالية للسلطة، فإن الأمر بالنسبة للمحامين مختلف تماما· لأن كل الأحزاب السياسية الأخرى سواء منها المعارضة أم الموالية للسلطة قد قدمت نسبة مهمة من المحامين· وفي كل دول العالم يميل المحامون الى الاشتغال بالسياسة، لأن السياسة تعتمد أسسا على الفصاحة والخطابة والإقناع، وهي الأسلحة والأدوات الأساسية التي يستخدمها المحامي في مهنته· وين نلاحظ ضعف إقبال المحامين على الإسلاميين فإن الأمر يطرح أكثر من تساؤل· وربما يمكن العثور على أحد عناصر الجواب في ما تضمنه برنامج الإسلاميين من ضرورة إلغاء نظام التأمين الغربي المعمول به في المغرب والنظام البنكي، وهذان القطاعان - التأمين والبنوك - من مجالات العمل الأساسية للمحامين والمصدر الأساسي لرزقهم!·

كذلك تبين بخصوص فئات سن مرشحي الحركة الإسلامية أن متوسط سنهم هو ما بين 35 و45 سنة، وبأن قلة صغيرة من المرشحين تجاوزت أعمارهم خمسين سنة، على خلاف ما لوحظ بالنسبة للأحزاب الأخرى التي رشحت أشخاصا يتجاوزون في معظم الأحيان خمسين سنة· وهذا يكشف عن الطابع الشاب للنخبة الإسلامية التي لم يعد أفرادها - بغض النظر عن البرامج أو الأيديولوجيات التي يدافعون عنها - يجدون مكانا لهم داخل الأحزاب الأخرى· كما تبين أن أكثر من %70 من المشرحين حاصلون على تعليم عال، وهو من بين أعلى النسب التي سجلت في هذه الانتخابات، إلا أنه يجب التذكير بأن الأمر يتعلق بتعليم ديني أو إسلامي في معظم الأحوال· حيث يشكل خريجو كليات الشريعة وشعبة الدراسات الإسلامية في كليات الآداب نسبة كبيرة من المرشحين الحاصلين على تعليم عال·

 

برنامج انتخابي

 

على غرار باقي الأحزاب المشاركة في هذه الانتخابات تقدم حزب الحركة الدستورية ببرنامج انتخابي· وقد واجه محررو هذا البرنامج تحديا كبيرا وهو إظهار حزب الإسلاميين بصفته حزبا لا يختلف عن بقية الأحزاب، وهذا يعني اعتماد رؤية واضحة وعقلانية لحل المشاكل المطروحة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية من جهة، ومحاولة الظهور كحزب متميز عن باقي الأحزاب الأخرى من جهة أخرى· ويبدو أن منظري الحزب نجحوا الى حد كبير في مواجهة هذا التحدي· فحين نطلع على البرنامج المفصل الذي تقدم به الحزب، والذي يهم كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية يتبين لنا أنه ليست هنالك فروق كبيرة بين هذا الحزب وغيره من الأحزاب المنافسة، وبالخصوص الأحزاب المعارضة، سواء تعلق الأمر بطرح المشاكل أو بتقديم الحلول· ولعل هذا يتضح بشكل جلي عند قراءة الاقتراحات التي تقدم بها الحزب للخروج من الأزمات التي تتخبط فيها المالية العامة للدولة إذ نجد من بين هذه الاقتراحات الدعوة الى إصلاح الإطار المحاسبي وكذا مشروع إعداد الميزانية العمومية من أجل شفافية أكبر على مستوى وثائق الميزانية، وتقوية أنظمة الرقابة المالية، وإعادة النظر ي الترخيص بالاقتراض الممنوح للسلطة التنفيذية، وإصلاح نظام الصفقات الحكومية وبرمجة أداء مستحقاتها· وتوسيع نطاق تطبيق قواعد المحاسبة العامة، جعل سياسة الموازنة في خدمة النمو الاقتصادي من خلال تخفيض مستوى الإنفاق العام وتوجيهه نحو القطاعات المنتجة الكفيلة بتنشيط الدورة الاقتصادية وتحسين المداخيل الضريبية، وإصلاح مؤسسة الخزينة العامة للمملكة من أجل تقليص تكاليف القروض والعمل على تقليص حجم الدين الخارجي بالنسبة للناتج الداخلي الخام·

 

مقترحات متشابهة

 

يمكن أن نستخرج ملاحظتين أساسيتين من هذا الجانب من البرنامج المتعلق بإصلاح ميزانية الدولة - والذي يمكن تأكيده أيضا بما جاء من اقتراحات في الجانب الجنائي الضريبي - الملاحظة الأولى، خلو كل هذه الاقتراحات من أية إحالة الى الإسلام أو الاقتصاد الإسلامي· الملاحظة الثانية وهي مرتبطة بالأولى، تشابه هذه المقترحات مع تلك التي قدمتها باقي أحزاب المعارضة· ويبدو أن البرنامج الذي تقدمت به الحركة الدستورية موجه الى السلطات الحكومية والى المتتبعين للحياة السياسية المغربية· المغاربة منهم والأجانب، من أجل التأكيد على أنه لا داعي للتخوف من الإسلاميين المغاربة - (التجربة الجزائرية كانت حاضرة بقوة في هذه الانتخابات) فهم ينتمون الى حزب كباقي الأحزاب يتبنى منهجا عقلانيا في التخطيط والتسيير، وبأن تحمل الإسلاميين لمختلف أنواع المسؤوليات، تنفيذية كانت أو تشريعية، لن يؤدي الى خلخلة الأسس الثقافية والحضارية والاقتصادية للمجتمع المغربي·

غير أن حزب الحركة الدستورية لو اقتصر على هذا النوع من الخطاب لما تمكن من إظهار خصوصيته وتميزه القائم أساسا على تبني المبادئ الإسلامية في كل مجالات الحياة، لهذا عمد الحزب خلال حملته الانتخابية، وعبر التجمعات التي أقامها في مختلف الدوائر الى تبني خطاب أكثر تشددا يظهر بجلاء قطيعة هذا الحزب مع باقي الأحزاب المغربية· وقد تجلى ذلك بالخصوص في إهمال الحديث عن الجانب الاقتصادي للأزمة المغربية والتركيز أساسا على الجانب الأخلاقي· وهكذا نجد عبدالإلاه بن كيران عضو الأمانة للحزب ينتقد في أحد التجمعات الانتخابية الأحزاب السياسية كلها لأنها اكتفت في مطالبها وجهدها بالجانب المادي· "وكأن الخبز هو كل شيء في حياة المجتمع"· ثم يضيف: "لقد اشتغلت الحكومات المتعاقبة ومعها الأحزاب بالجانب الاقتصادي، وفي هذا الجانب منزلق خطير، فحين تصبح أموال الدولة أو أموال الحزب بين يديك، فهل ستفكر في الناس أو في نفسك؟ الإسلام يأمرك أن توزع على الناس ولا تستبقي منها إلا حاجتك، وهذا ما لم ينتبه إليه ولاة أمورنا"· أما بالنسبة للمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، فإن الحزب في تجمعاته الخطابية يرجعها الى ابتعاد المغاربة عن التعاليم الدينية في مجال المعاملات الاقتصادية، إذ يقول بن كيدان أن "النظام الربوي هو سبب الأزمات الاقتصادية في العالم وهو سبب تجمع الثروات في أيدي قلة قليلة وانقطاع أمل شرائح واسعة من شعبنا· هذا النظام غير صالح لنا وتحظى البلاد في الوقت الحالي بدكاترة وعلماء اقتصاد قادرون على استيعاب الواقع والاجتهاد من أجل إعطاء حلول إسلامية يعم خيرها كل المجتمع"· ويستطرد ابن كيران موضحا أن "المشكل في المغرب (···) ليس مشكل برنامج بقدر ما هو مشكل الإنسان الذي لم يترتب على كتاب الله"·

 

نشر الدعوة إلى الإسلام

 

ولعل أهم ما جاء في الحملة الانتخابية التي قادها حزب الحركة الدستورية هو تأكيده على أنه سيعمل من داخل البرلمان على نشر الدعوة الى الإسلام، أي دعوة البرلمانيين الى الالتزام بالمبادئ الإسلامية· لأن الإسلام، كما يرى الحزب، ليس مجرد عبادة بل هو أيضا نظام سياسي اقتصادي على النخبة السياسية المغربية أن تتبناه وتعمل على ترسيخه· وتجدر الإشارة الى أن الإسلاميين حرصوا على إضفاء طابع ديني إسلامي على العملية الانتخابية، وفي هذا الصدد عملت صحافة الحركة الدستورية على نشر فتوى ليوسف القرضاوي، خلال الحملة الانتخابية، تقول "بأن الانتخاب شهادة وعلى كل مسلم أن يكون أمينا في شهادته"·

بصفة عامة فإن مرشحي الحركة الدستورية قادوا حملة انتخابية نظيفة، أدت الى تعاطف الناخبين معهم وتصويتهم لصالحهم في كثير من الدوائر الحضرية· وقد حصلوا حسب النتائج المعلنة على تسعة مقاعد من مجموع 325 مقعدا· وهي النتيجة التي اعتبرها الحزب انتصارا كبيرا له·

 

فوز النواب الإسلاميين

 

لقد فاز النواب الإسلاميون في دوائر تقع في كل من الدار البيضاء وطنجة وتطوان ووجدة وأنزكان، وكلها دوائر كانت تعد بمثابة قلاع للمعارضة السابقة، سواء تعلق الأمر بحزب "الاتحاد الاشتراكي" أو بحزب "الاستقلال"· فكيف يمكن تفسير انتقال ناخبي هذه الدوائر من التصويت على المعارضة السابقة الى مرشحي الحركة الإسلامية، مع العلم أن المعارضة لم تتحمل أية مسؤولية حكومية ما بين انتخابات 1993 التي سجلت فوز مرشحيها في هذه الدوائر، و1997، سنة إجراء الانتخابات الأخيرة، ما يعني أن تصويت هذه الدوائر لصالح المرشحين الإسلاميين ليس تصويتا عقابيا، أو على الأقل ليس بالمعنى التقليدي للتصويت العقابي؟

في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل سنستعين بنتائج بعض من الدراسات الانتخابية التي ظهرت في الولايات المتحدة وأوروبا· وأولى هذه الدراسات هي تلك التي أنجزتها مجموعة البحث التي يرأسها Campbell· وكانت نقطة انطلاق هذه الأبحاث التحولات العميقة التي سجلتها اختيارات الناخبين في السبعينيات، فقد أصبح يلاحظ انتقال الناخبين من حزب الى آخر بين انتخابات وأخرى· وقد أخافت هذه الظاهرة المراقبين والمتتبعين السياسيين لأنها أضحت تشير الى إمكانية انهيار الأنظمة السياسية الغربية· وكان نموذج مدرسة ميشيكان المتمحور حول التماهي الحزبي، الذي أنجز خلال الخمسينيات، قد بشر بنوع من الاستقرار السياسي والانتخابي في الولايات المتحدة· إذ اعتبر التماهي الحزبي خاصية أساسية تميز كل الناخبين وتنتقل من جيل الى آخر· فهو يوجه مباشرة تصويت الناخب ويؤمن استمرارية النظام السياسي، وهذا راجع لكون التقابل السياسي يعكس في الحقيقة تقابلا اجتماعيا· فالتقابل الحزبي القائم بين الجمهوريين والديمقراطيين يوازيه تقابل اجتماعي بين عمال الشمال الشرقي والطبقة الوسطى البروتستانتية· وقد أكد هذه النظرية في بريطانيا أيضا باتلر الذي أوضح أن الانتماء الى الطبقة العاملة في بريطانيا يرافقه تماه مع الحزب العمالي· والانتماء الى الطبقة الوسطى يرافقه تماه مع الحزب المحافظ· وحسب هذه النظرية فإن الأزمات الاقتصادية الكبرى والأزمات الدولية وحدها قادرة على زعزعة هذا الارتباط·

إلا أن نموذج مدرسة ميشيكان أعيد النظر فيه ابتداء من السبعينيات من طرف بعض المختصين الأنكلوساكسونيين، وقد ظهرت معطيات جديدة تشير الى ما أن هناك نسبة متراجعة من الناخبين تملك بالفعل تماهيا سيكولوجيا قويا ومستمرا مع حزب معين، وإن التماهي الحزبي يحدد بشكل أقل قرار التصويت، فيما يلعب الانتماء الحزبي للمرشحين دورا أقل في تحديد المعايير التي توجه اختيار الناخبين، بينما أصبح المواطنون أقل حماسا للأحزاب السياسية، بحيث أصبح التماهي الحزبي ينتقل بشكل أقل من جيل الى آخر·

انطلاقا من نتائج هذه الأبحاث يمكن القول إن الناخبين بصفة عامة لم تعد تربطهم روابط وثيقة بالأحزاب السياسية بفعل ضعف الانتماء الحزبي والتماهي مع أيديولوجية معينة، وإن الناخبين لا يصوتون للأحزاب السياسية بل لمرشحين، ومن هنا الدور الكبير الذي أصبح يلعبه اختيار المرشح المناسب فالحزب الحاضر بقوة في دائرة انتخابية معينة يمكن أن ينهزم بسهولة إذا لم يوفق في اختيار مرشحيه، لأن ارتباط الناخبين بالحزب ليس ارتباطا غير مشروط، وكثيرا ما يتغير من انتخابات الى أخرى" إذا صدر عن الحزب ما يضعف ثقة الناخبين فيه، كما أن الولاء للأحزاب لم يعد شيئا تتوارثه الأجيال نظرا لضعف تأثير الآباء على أبنائهم بفعل تأثير وسائل الإعلام وعلاقات الصداقة والتمدرس وبفعل متغيرات جديدة ظهرت في المجالات الاجتماعية والسياسية تستدعي باستمرار إعادة النظر في الاختيارات الانتخابية·

وقد أضاف الباحث الدانمركي معطيات جديدة من خلال دراسة مقارنة للأنظمة السياسية والانتخابية لثلاثة عشر دولة أوروبية ما بين 1984 و1977، انتهى فيها الى أن عدم استقرار الناخبين، وانتقالهم من اختيار حزب الي آخر يهم كل الأنظمة السياسية الأوروبية بدرجات متفاوتة· ووجد الباحث أن هنالك علاقة ارتباط بين ارتفاع عدد الأحزاب السياسية المتنافسة وتذبذب التصويت وتغيره (Pederson 1979, 20)· وهكذا لوحظ ارتفاع في نسبة الوفاء للأحزاب في الأنظمة السياسية القطبية القائمة على قطبين سياسيين قويين، بينما سجل انخفاض النسبة في الأنظمة السياسية التي يؤطرها عدد كبير من الأحزاب·

يمكن أن نقول إذن بالنسبة لفوز الإسلاميين المغاربة في دوائر اعتادت التصويت للمعارضة السابقة، إن عدم وفاء ناخبي هذه الدوائر للأحزاب التي صوتوا لها في السابق لا يعود الى خصوصية مغربية، بل هو ظاهرة سجلت في عدد كبير من الأنظمة السياسية المعاصرة، مع فقر أساسي هو أن الأمر لا يتعلق بتصويت عقابي بالمعنى المتعارف عليه، لأن هذه الأحزاب المعارضة السابقة لم تتحمل أية مسؤولية حكومية· ويمكن التأكيد أن هذه الأحزاب لم تتمكن من الفوز في هذه الدوائر لأنها لم تتوفق في اختيار المشرحين· فالناخبون المغاربة لا يحملون ولاء مطلقا لأي حزب من الأحزاب، بل إن علاقاتهم بالأحزاب تحددها جملة من المعطيات أهمها شخصية المرشح وحضوره في الدائرة· أما المرشحون الإسلاميون فقد استفادوا من عنصر الجدة· فهم دخلوا الانتخابات لأول مرة، الأمر الذي جعل كل المحبطين من السياسة القائمة يرون فيهم ملاذا يلجأون إليه وخصوصا أن الإسلاميين قادوا حملة انتخابية نموذجية استعمل فيها الحوار والقرب من الناخبين، وهي أمور أساسية خصوصا حين يتعلق الأمر بدوائر تحتضن فئات من المهمشين: عاطلون، نشيطون في اقتصاد الظل نازحون جدد من القرى· فضلا عن ذلك يجب الإشارة الى أن الأداء السيء للعديد من مسؤولي الجماعات المحلية في هذه الدوائر، والذين كانوا في معظم الأحيان ينتمون الى المعارضة، أساء إساءة بليغة الى هذه الأخيرة· ومع ذلك، فإن المتأمل لنتائج الانتخابات التشريعية لنوفمبر 1997 بشكل دقيق يكتشف أن النجاح الذي حققه حزب الحركة الدستورية لا يمكن اعتباره نجاحا كبيرا للإسلاميين· فقد حصل مرشحو الحزب على 264324 صوتا من مجموع أكثر من 13 مليون من الناخبين، وهو ما يمثل %14,4 من الأصوات المعبر عنها و%2,06 من المسجلين· كما أن مرشحي الحزب حصلوا في المعدل على 1888 صوتا في الدائرة· وهو ما جعل الحزب يحتل المرتبة الثامنة بين الأحزاب وراء حزبين من أحزاب المعارضة السابقة وخمسة أحزاب موالية للإدارة· أما نواب الحزب التسعة فقد حصلوا في المعدل على 7810 صوتا في الدائرة محتلين بذلك أيضا المرتبة الثامنة·

 

نجاح لا يعكس إجماع الناخبين

 

إن نجاح المرشحين الإسلاميين في دوائرهم لم يكن نجاحا يعكس إجماع الناخبين في هذه الدوائر إذ نجد أن مرشحين فقط تمكنا من الفوز بالأغلبية المطلقة، ويتعلق الأمر بوجهين بارزين من وجوه حركة "الإصلاح والتوحيد" في المقابل فاز بعض من المشرحين الإسلاميين بنسبة ضئيلة من الأصوات لم تتجاوز في بعض من الدوائر %30 من الأصوات المعبر عنها· وفضلا عن ذلك فإن مشاركة الإسلاميين في هذه الانتخابات لم يسبغ على هذه الأخير المصداقية الضرورية التي كانت ستتبلور من خلال المشاركة المكثفة، إذ نجد أن معدل المشاركة في الدوائر التي فاز فيها الإسلاميون شبيه بالمعدل المسجل على الصعيد الوطني، بل إن بعض هذه الدوائر سجلت أضعف النسب الوطنية، كما هو الشأن في طنجة وفاس ووجدة· وبتعبير آخر فإن معدل المشاركة المنخفض الذي أصبح يسجل بانتظام في كل الانتخابات التشريعية المغربية لا يرجع الى غياب الإسلاميين، فترشيحهم في حوالي نصف الدوائر في انتخابات 1997 لم يؤد الى ارتفاع نسبة المشاركة· وهكذا جاءت نسبة الأصوات المعبر عنها في الدوائر التي فاز فيها الإسلاميون متراوحة بين %45,7 من المسجلين كأعلى نسبة و%30,76 كأدنى نسبة·

أما بخصوص الفئات الاجتماعية المهنية، التي ينتمي إليها هؤلاء النواب الإسلاميون، فقد جاءت متماثلة· أو نجد أن سبعة منهم ينتمون الى قطاع التعليم الثانوي والعالي ومحاميا وطبيبا مع العلم أن الأمر يتعلق بطبيب نفساني سبق له أن درس مواد الفقه والشريعة في كلية الآداب، أما التكوين العلمي لهؤلاء النواب فهو متماثل أيضا، فأغلبهم حاصلون على تعليم ديني وخريجو المعاهد الإسلامية أو شعبة الدراسات الإسلامية في كليات الآداب، وحتى النواب الذين حصلوا في السابق على تكوين مغاير، فإنهم سرعان ما تحولوا الى تدريس العلوم الدينية· الأمر الذي يمكن أن ينبئ بالصعوبات التي ستعترض هؤلاء النواب في ما يخص تتبع العمل التشريعي داخل لجان مجلس النواب، بفعل ضعف خبرتهم وافتقارهم الى التكوين العلمي أو الحقوقي المناسب·

 

* مجلة العلوم الاجتماعية مجلد 26 عدد 4

** أستاذ مشارك ASSOCIATE PROF كلية الآداب - جامعة شعيب الدكالي - المغرب

طباعة