Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 19 ذي الحجة 1419هـ - 24 مارس - 6 أبريل 1999
العدد 1370

ينشر هذا المقال بمناسبة اليوم العالمي للمياه والذي صادف يوم الاثنين 22 مارس
حماية الماء أثناء النزاعات المسلحة

بقلم: د· عامر الزمالي المستشار القانوني للجنة الدولية للصليب الأحمر - الكويت

إن الماء مصدر للحياة والنعم ورمز للخصوبة والطهارة، غير أنه يحمل أيضاً المخاوف وينذر بالأخطار، ويثير الأطماع والنزاعات· وقد حولته وظائفه العديدة والضرورية جميعاً إلى مورد حيوي حاول الإنسان أن ينظم استعماله وإدارته على الدوام· ولكن، على عكس القانون المنطبق زمن السلم، كما تشهد على ذلك أعراف وعادات أعرق المجتمعات وكذلك النصوص القانونية الداخلية والدولية المعتمدة في الأزمنة الحديثة، فإن قانون النزاعات المسلحة لم يخصص للماء -  صراحة ومؤخراً - سوى بعض أحكام نادرة· ولا يمثل ذلك عتاباً بقدر ما يمثل إثبات حالة ربما يمكن شرحها على أساس أن الماء ضروري ولا غنى عنه في جميع الأحوال· وإذا صرفنا النظر عن عواقب الكوارث الطبيعية التي يمكن للماء أن يكون فيها مصدر أو محل تهديد، فإن بعض الأنشطة التي يباشرها الإنسان قد تسبب آثاراً وخيمة العاقبة وضارة للبيئة ووسائل معيشة السكان التي يمثل الماء عنصرها الأساسي، ونكتفي في هذا الصدد بالتذكير بالآثار التي تنجم عن التلوث أو النزاعات المسلحة· ونعلم للأسف من تجربة الحروب المعاصرة أن السكان المدنيين والممتلكات المدنية يتعرضون لأخطار العمليات العسكرية، وأن العطش قد يكون في بعض الحالات أكثر فتكاً من السلاح· ويكمن حل هذه المشكلة في احترام القواعد المقبولة عالمياً· ولذلك سنركز في مقالنا على أحكام القانون الإنساني المنطبقة على حماية الماء في زمن الحرب·

 

أولاً: حماية الماء في القانون الدولي الإنساني

 

من المعروف أن القانون الدولي الإنساني يحمي فئات معينة من الأشخاص والممتلكات، ولا يتضمن أي تنظيم محدد بشأن الماء، لأن الماء يخضع للقانون المطبق في زمن السلم· ولكن الآثار المترتبة على الأعمال العدائية قد تمتد إلى الماء أيضاً، بل يجب أن تنطبق عليه بعض قواعد القانون الإنساني التي تشمل حالات حظر محددة وعلاوة على ذلك، يعتبر الماء وفقاً لأحكام صريحة كعنصر لا غنى عنه لتلبية الحاجات الأولية للأشخاص المحميين·

1 - حالات الحظر المتعلقة بتسيير الأعمال العدائية

علاوة على الحماية العامة التي تتمتع بها الأعيان ذات الطابع المدني، من الضروري أن نذكر بأن الماء يتمتع كعنصر لا يمكن فصله عن البيئة بكل معايير الحماية التي تنطبق عليه، حتى بصورة غير مباشرة· ودون إطالة الكلام عن هذا الجانب، ينبغي بالأحرى تأكيد أربع حالات أساسية للحظر تتعلق بمباشرة بموضوعنا، وهي حظر استعمال السم كوسيلة للحرب، وحظر تدمير ممتلكات العدو، وحظر تدمير المواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، وحظر مهاجمة المنشآت التي تحوي قوى خطرة·

2 - الماء عنصر لا غنى عنه لضمان حياة الأشخاص المحميين

يستهدف القانون الإنساني ضمان الحد الأدنى من الظروف الملائمة لحياة عادية للأشخاص الذين يفترض أن يحميهم· وتمثل المعاملة الإنسانية أساساً· ونعني بالاحتياجات الأولية الماء· ويجب أن نلاحظ عموماً أنه لا يمكن التفكير في إغاثة الجرحى والمرضى ورعايتهم دون ماء· فأفراد الخدمات الطبية بحاجة إلى الماء لمزاولة عملهم· وينطبق ذلك أيضاً على المعدات والمنشآت الطبية، وكذلك على الاحتياجات الصحية والرعاية الطبية في كل مكان يتواجد فيه أشخاص محميون·

فالمادة 20 (2) من الاتفاقية الثالثة تنص على أنه يتعين "على الدولة الحاجزة أن تزود أسرى الحرب الذين يتم إجلاؤهم بكميات كافية من ماء الشرب والطعام وبالملابس والرعاية الطبية اللازمة"· والالتزام نفسه منصوص عليه في الاتفاقية ذاتها في حالة نقل أسرى الحرب، وفي حالة نقل أسرى الحرب، وفي حالة نقل المعتقلين· وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن ماء الشرب هو أيضاً موضع فقرة منفصلة من مادة مشتركة بين الاتفاقيتين، ومخصصة لتغذية أسرى الحرب والمعتقلين المدنيين·

 

ثانياً: دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر والعناصر الأخرى للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر

 

تتمسك اللجنة الدولية للصليب الأحمر باتباع نظام للأولويات يستند إلى المصلحة المباشرة للأشخاص المحميين، في إطار تأدية مهماتها الإنسانية لمصلحة ضحايا النزاعات المسلحة على أساس أحكام القانون الدولي الإنساني· وكل عمل يهدف إلى حماية الماء أو أي نوع آخر من الأعيان المدنية ما هو في النهاية إلا وسيلة تسمح بمساعدة الضحايا· وإذا احترم المتحاربون المنشآت المائية والشبكات المدنية للإمداد بالمياه كما ينص القانون الإنساني على ذلك، فإن اللجنة الدولية تكرس جهودها للمهمات العديدة الأخرى التي يتعين عليها إنجازها في زمن الحرب· وعلى العكس، فإن تدمير هذه المنشآت والشبكات يتطلب ردوداً وحلولاً فورية، لأن من شأن أي تأخير في إصلاح الأعيان المتضررة أو أي عرقلة لأشغال الإصلاح أن يسبب عواقب مأساوية للسكان ووسائل بقائهم على قيد الحياة· وقد كشفت بعض النزاعات الحديثة أو الراهنة خطورة المشكلات المترتبة على الأضرار التي تلحق بمخزون المياه ونظم الإمداد· وحيال جسامة هذه المشكلات، يمكن لنا أن نحلل عمل اللجنة الدولية على أنه عمل علاجي ووقائي في آن واحد·

أ - العمل العلاجي

يجب التشديد هنا على أمرين، هما توزيع الماء وإصلاح نظم الإمداد·

1 - توزيع الماء

ينبغي أن نشير إلى أن اللجنة الدولية شرعت فور بداية حرب الخليج الثانية في توفير الماء والمواد الغذائية والأدوية لعشرات الآلاف من المواطنين الأجانب الفارين من العراق والكويت· واستطاعت مخيمات العبور التي أنشئت في الأردن بمساعدة الهلال الأحمر الأردني من توفير شروط صحية مرضية·

2 - إصلاح نظم معالجة وتوزيع مياه الشرب

في حالات النزاعات المسلحة، غالباً ما تتضرر محطات توليد الطاقة، مما قد يؤدي إلى تعطيل نظام الإمداد وتوزيع الماء أو نظام صرف المياه المستعملة· وفضلاً عن الحرمن المترتب على ذلك، تزداد مخاطر انتشار الأوبئة، وتصبح أشغال الإصلاح أكثر تكلفة وأطول أمداً، بل مستحيلة· والضرورة العاجلة التي تفرضها مثل هذه الظروف تحتم على اللجنة الدولية بذل أقصى جهودها لضمان حد أدنى من الحماية للأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، وحفظ أو ضمان الشروط الصحية الدنيا· ولهذا الغرض، تستعين اللجنة الدولية بالمهندسين والمختصين بالصحة العامة الذين تتمثل واجباتهم الرئيسة في إصلاح المنشآت المتضررة من جهة، وإعداد البرامج والخطط الضرورية لحل المشكلات الناجمة عن الضرورة العاجلة من جهة أخرى·

ومن المحتمل أن تمتد عواقب أي نزاع مسلح إلى ما بعد فترة الأعمال العدائية النشطة·

ومن المحتمل بالتالي أن تجد اللجنة الدولية نفسها مضطرة إلى تمديد أنشطتها لتسهيل شروط الوصول إلى المياه الصالحة للشرب· وإزاء أهمية حجم الطلب والمشكلات القائمة، تستعين اللجنة الدولية بالإضافة إلى فرقها بعدد من العاملين المؤهلين الذين تختارهم من بين العاملين في الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر أيضاً· وعلى كل حال، فإن دور عناصر الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في حماية نظم الإمداد بالمياه يجب ألا يقتصر على العمل العلاجي·

ب - العمل الوقائي

يبدو لنا من المهم التشديد على مسألتين بوجه خاص·

1 - المساعي الواجب القيام بها لدى أطراف النزاع

لما كانت اللجنة الدولية تسهر على تطبيق القانون الدولي الإنساني بأمانة، فإنه يتعين عليها أن تقوم بكل المساعي الضرورية لضمان احترام قواعد هذا القانون· وينطبق ذلك على الانتهاكات التي تعود بالضرر على الأشخاص المحميين أو الأعيان المحمية· وفي هذا الصدد، فإن أي تعدٍ متعمد على المنشآت المائية ومستودعات مياه الشرب المخصصة للاستعمال المدني يجب أن يكون محل مساع ملائمة بغية وقف الانتهاكات وتجنب تكرارها واتخاذ التدابير الضرورية لردع مرتكبيها·

2 - تعبئة الرأي العام واستقطابة

إن الجهود التي تبذل في فترة النزاع المسلح لا تستبعد، المبادرات التي تقوم في زمن السلم لشرح القانون القائم على نحو أفضل واستقطاب الرأي العام والمسؤولين عن اتخاذ القرارات بشأن ظروف معيشة السكان· ودون إثارة المخاوف دون داع، يجب أن تسهم الدروس المستفادة من مختلف حالات النزاع في توجيه العمل الإنساني على نحو أفضل والمساعدة على حل المشكلات بصورة فعالة· وهذا ما ورد في بعض استنتاجات ندوة نظمتها اللجنة الدولية في مدينة مونترو بسويسرا سنة 1994 عن المياه والنزاعات المسلحة، ففي ختام أعمال الندوة، قرر المشاركون فيها العمل على تحقيق بعض الأهداف، لاسيما:

- ضمان حماية أفضل (من الناحيتين المادية والقانونية) لنظم الإمداد بالمياه، وكذلك للمهندسين الصحيين؛ - تعزيز التعاون في هذا المجال بين اللجنة الدولية والجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر واتحادها ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص؛

- تحسين التنسيق والتعاون في مجال تبادل المعلومات والمعارف والخبرات المناسبة؛

- التماس مساعدة القطاع الخاص لإصلاح شبكات الإمداد بالمياه عند تضررها بالأعمال العدائية أو بعدها؛

- اتخاذ التدابير الوقائية الضرورية في زمن السلم لتفادي أو حصر الآثار الضارة من جراء النقص في المياه في زمن الحرب، وتوسيع نطاق العمليات الطبية العاجلة في زمن الحرب لكي تشمل أنشطة الصحة العامة؛

- السهر على أوسع نطاق ممكن على نشر القواعد الدولية التي تحمي مخازن ومنشآت الإمداد بالمياه، والإلمام بها، عن طريق الإعلام والتربية في كل مستويات المجتمع· الصحة العامة محكوم عليها بالشلل دون مياه صالحة للشرب·· إن أكثر خطط الرعاية الطبية تطوراً مكتوب لها الفشل دون الصحة العامة·

 

ثالثاً: ملاحظات ختامية

 

1 - من المحتمل أثاء النزاعات المسلحة أن تكون المياه هدفاً للحرب، أو تستعمل كوسيلة للحرب· وفي كلتا الحالتين، وما دام الأمر يتعلق بعين مدني لا غنى عنه فضلاً عن ذلك لبقاء السكان على قيد الحياة، فإن الحرب التي تشن على المياه أو بواسطة المياه لا يمكن التوفيق بينها وبين مبادئ وقواعد القانون الإنساني التي سبق التذكير بها· ولذلك، يجب التذكير بقوة بأهمية الأحكام ذات الصلة، وبالالتزام بتنفيذها عملياً·

"2" إن التهديد الذي تتعرض له البيئة هو بعينه التهديد الذي تتعرض له المياه· ولما كان المجتمع الدولي قد اعترف باختصاص اللجنة الدولية للصليب الأحمر بحماية البيئة إبان النزاعات المسلحة، فإن المياه التي تمثل موردا حيويا في  كل الأحوال يجب أن تنتفع من هذا الاعتراف أيضا، وينبغي التشديد على ضرورة حماية المياه في حد ذاتها من الآثار الملوثة والمخربة التي تحدثها النزاعات المسلحة·

"3" يتعلق الجزء الأكبر من أحكام القانون الإنساني ذات الصلة بحالات النزاعات المسلحة الدولية، ولم تطور بعد بما فيه الكفاية القواعد المنطبقة على النزاعات الداخلية، بل إن بعض الحالات الأخرى التي تنشب فيها أعمال العنف المسلح الداخلي تفلت من نطاق تطبيق القانون الدولي الإنساني، بيد أن التوترات المرتبطة بالمياه والتعديات التي تلحق بموارد المياه ومنشآتها هي أكثر شيوعا في بعض الأحيان في حالات النزاعات والاضطرابات الداخلية·

"4" في مختلف الحالات التي تندلع فيها أعمال العنف المسلح يتعين على اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تفي بمهامها مما يسمح لها بأن تتواجد في ميدان العمل وتتصرف دون إبطاء وتتدارك المصاعب، وتنفيذ برامج تطهير المياه أو تشارك فيها على هذا الأساس· وعلى هذا الأساس، فإن عمل اللجنة الدولية لا غنى عنه لمساعدة السكان المتضررين من جراء أعمال العنف المسلح، والدوائر المعنية بإصلاح المنشآت المائية المتضررة، وتقديم الخبرة التقنية عند الضرورة، لأن بقاء هؤلاء السكان وتشغيل نظامهم الانتاجي يتوقفان على الماء·

طباعة