Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 19 ذي الحجة 1419هـ - 24 مارس - 6 أبريل 1999
العدد 1370

حول دعوة "زليخة أبو ريشة" للغة غير جنسوية
اللغة العربية تكرّس ظلم المرأة وتتحيز للذكورة

·         جذور التفكير الذكوري تعود إلى الميثولوجيا التوراتية

·         الكاتبة تقترح تخليص وثائق الدول والمؤسسات من الصبغة الذكورية

·         هل المطلوب استئصال الفوارق الدلالية لكل من الجنسين؟

·         في لغتنا يتساوى جمع "غير ال3عاقل" مع "جمع المؤنث السالم"!

 

كتب نزار فلّوح:

تدعو الكاتبة زليخة أبو ريشة في الأطروحة التي بنت عليها كتابها "اللغة الغائبة·· نحو لغة غير جنسوية" الى تحقيق عدالة لغوية في التعبير عن جنسي الإناث والذكور تقوم على تخليص اللغة العربية من صبغتها الذكورية الطاغية، وهي أطروحة تقدمية بالمعنى الإنساني والحضاري تندرج ضمن المحاولات الجادة لمواجهة حقيقة "التميز الذكوري الصارخ في ثقافتنا الماضية والمعاصرة" والعمل على معالجة اللغة وتنقيتها "وتحويلها الى لغة عادلة ومتوازنة"، وهذه المهمة شديدة الصعوبة والتعقيد - كما ترى الكاتبة - فاللغة "إرث إنساني اجتماعي لا يمكن تغييره بين ليلة وضحاها··"، بذلك يمثل الكتاب محاولة "لخلخلة الجمود في الإرث اللغوي والتفكير بالوسائل والأدوات التي تجعل من اللغة العربية لغة الجنسين" من وجهة نظر المؤلفة التي تسعى الى "تأسيس سلوك لغوي مغاير ومتخلص قدر الإمكان من تبعات ومظاهر التميز الذكوري···

 

اللغة تغيّب الأنثى···

 

تعرض الكاتبة نماذج معبرة عن ذكورية اللغة التي تشترط مخاطبة جمع النساء بجمع المذكر إذا كان بينهن رجل أو ذكر واحد···، أو تدمج طريقة جمع غير العاقل بجمع المؤنث السالم، أي أن اللغة تساوي هنا بين الأنثى العاقلة وغيرها من الكائنات غير العاقلة··!! إضافة الى الكثير من المقولات الشائعة التي تركز على الحضور الذكوري وتستبعد الأنثى من الدلالة والتأثير مثل: "الأطفال رجال الغد"، و"الرجل المناسب في المكان المناسب"·

 

لغة "الضلع القاصر"

 

كذلك يتم تأطير المرأة وتنميطها في صورة لغوية سالبة ثابتة ساكنة، وهذا التميز اللغوي للذكر سينتقل - حسب رأي المؤلفة - بشكل تلقائي وآلي الى تميز فعلي وسلوكي في المجتمع يطرح ألوانا عديدة من التراتبية والهيمنة تقدم المرأة فيها بصورة سلبية حيث يجري التركيز على ما هو جسدي دون الفكري والإنساني·· وتعود جذور هذا التفكير الذكوري الاستعلائي - في رأي الكاتبة - الى الميثولوجيا التوراتية التي صوّرت الأنثى ضلعا قاصرا ونسبت إليها فكرة الخطيئة الأولى، ثم كُرست هذه الصورة في وعي الأجيال عبر العصور، وترسخت لتصبح منطقا للمجتمعات يتبناها النساء أيضا الى جانب الرجال، فالمرأة غالبا ما "تقاوم حملات التوعية التي تقودها نسويات مناضلات من أجل تحريرها، بسبب ما ترزح تحته من ركام قيم أدى الى نوع من غسيل الدماغ المنهجي، فشكل لديها مفهوما متدنيا للذات وألزمها بذهنية عبودية ليس من السهل التخلص منها···"·

 

الذكر هو الأصل!

تقوم اللغة الجنسوية على التصوير اللفظي لهيمنة الذكورية، وتقدم تفسيرا ذكوريا للعالم يتضمن أن النساء أقل، وأنهن بالتعريف خاضعات للرجل وتابعات له، وهذا الأمر في العربية أكثر تعقيدا من اللغات الأخرى لارتباطه بمفاهيم جمودية راسخة تحتمي بمظلة المقدس الذي لا يجوز المساس به، وعليه يقطع ابن الأنباري في كتابه "المذكر والمؤنث" بأن "المذكور هو الأصل والمؤنث هو الفرع، والمذكر هو المتقدم السابق والمؤنث هو التابع اللاحق"، وهذا التعقيد النحوي ليس سوى صدى للموقف الاجتماعي من الرجل والمرأة، لذلك تعارض الكاتبة موقف ابن الأنباري بفرضية ثقافية معاكسة تقوم على أن "الأنثى هي الأصل" وتستنجد في ذلك بأقدم الإشارات الأسطورية الى أولوية الأنثى "الأم الكبرى وإلهة المجتمع الأمومي" الذي انتقل فيما بعد الى مرحلة الثقافة الأبوية التي كرست السلطة الذكورية في المجتمع وأنتجت خطابا لغويا معبرا عنها··

 

الواقع التربوي··· جنسوي

 

وعلى مستوى الواقع التربوي المعاصر يفيض الأدب الموجه للطفل بنماذج وصور وأساليب وقيم مفرطة في جنسويتها، ولمعالجة ذلك اقترحت المؤلفة منهجية للتحليل تقوم على ثلاث خطوات: التحليل الكمي الإحصائي للمحتوى: يقارَن فيه عدد الذكور بالإناث، ثم التحليل النوعي للمحتوى: ويبحث في المواصفات المعطاة لشخصيات الإناث والذكور والأدوار المناطة بها، وبعد ذلك تحليل الجنسوية السائدة في اللغة: بدراسة الطريقة التي استعملت بها الكلمات والتراكيب والقواعد اللغوية للدلالة على كل من الجنسين·

يدل الإحصاء الكمي على أن معظم الشخصيات في أدب الطفل هي من الذكور، إضافة الى أن الشخصيات الرئيسة تشكل أغلبية ذكورية (72%)، بينما يقدم التحليل النوعي دلالة تمييزية في الصفات الجسدية والاجتماعية لكل من الذكر والأنثى، ويبرز بعدا تفضيليا في النشاطات والهوايات والأعمال التي يمارسها كل من الجنسين، إضافة الى تفوق السمات النفسية والسلوكيات الانفعالية للشخصيات الذكورية على الأنثوية، أما على مستوى تحليل الجنسوية السائدة في اللغة فتلاحظ المؤلفة استخدام صيغة المذكر على سبيل الاستغراق والتعميم (الكاتب - الباحث - اللاعب)، إذ يلاحظ طغيان الدلالة الذكورية التي تحمل ضمنيا الدلالة الأنثوية المغيّبة·· كذلك ترصد المؤلفة بعض الإيماءات اللغوية الجنسوية القائمة على التمييز والتفضيل لجنس على آخر، أو الانتقاص من جنس لحساب الجنس الآخر (فلان جبان مثل بنت)···!

 

نحو أدب غير جنسوي

 

لمواجهة هذا النوع من التمييز تقترح المؤلفة بديلا عاما لأدب غير جنسوي للطفل يقوم على نسبة عادلة من شخصيات الذكور والإناث، وتوزيع عادل للأدوار بين النساء والرجال، فتحث الكتّاب على طرح فرص متساوية وعادلة في الطموحات والمسؤوليات بين الجنسين، الي حد المطالبة بنسب متساوية في إظهار الميول نحو العلوم والآداب والمهن المختلفة بحيث يتم تحويل هذه المساواة الى مسألة رياضية حسابية، وهذا لا يتفق والواقع الموضوعي القائم في المجتمع، إذ لا بد من اختلاف هذه النسب من مجتمع الى آخر بحسب نموذج هذا المجتمع الإنتاجي ومستواه الثقافي والحضاري··

 

بدائل·· لا تحل المشكلة

 

تنطلق دعوة المؤلفة في بعض جوانبها - رغم صدقيتها - من منظور مثالي تشوبه الحماسة أكثر مما تضبطه حقائق الواقع التربوي والاجتماعي، فعندما تطرح بديلها اللغوي المقترح تطالب بسلوكية لغوية تتخلص من تغييب الأنثى في ظلال الذكر، وتقترح لذلك إجراءات عملية عدة لتطوير وثائق الدول والمؤسسات وتخليصها من الصبغة الذكورية الطاغية (جواز السفر - دفتر العائلة - الشهادات المدرسية والجامعية)، ولكن لا يحالف المؤلفة النجاح في بعض ما تقترحه من بدائل لغوية، فلكي تتجنب الأثر الإيحائي الذكوري لكلمة "المعاقين" وهي جمع لمذكر "معاق" تفضل استخدام كلمة "أهل الإعاقة"، فهل نقيس على ذلك: (الممرضين أهل التمريض) - (المعلمين أهل العلم أو التعليم) - (المتخلفين أهل التخلف)؟! هل تستقيم الدلالة اللغوية على هذا النحو؟ وخصوصا حين يتعلق الأمر بمفاهيم علمية واصطلاحية دقيقة محددة·· ألا يخشى هنا من إفقاد المفاهيم دقتها التعبيرية والدلالية؟ ثم هل تحل المشكلة بتحسين صورة الأنثى اللغوية ما لم يندرج ذلك في سياق تحسين صورتها الإنسانية العامة في واقع المجتمع والأسرة والمؤسسات وفي التربية والإعلام وطرائق التفكير والسلوك؟

 

نون النسوة وإشكالية التغيير

 

 

نطرح هذه التساؤلات مدفوعين بتعاطف كلي مع جوهر ما تدعو إليه الكاتبة، ولكننا نخشى أن يتحول الأمر - كما نلاحظ في بعض شواهد الكتاب - الى جنسوية من نوع آخر، تنتصر فيها نون النسوة لكل ما هو أنثوي انتصارا انفعاليا وعاطفيا يعيد إنتاج المشكلة من جديد، فاللغة أصلا هي انعكاس لمجمل العلاقات الإنسانية في المجتمع، وتغيير هذه العلاقات أساسي أكثر من تغيير اللغة، فلا يمكن تخليص الخطاب اللغوي من صبغته الذكورية ما لم تتخلص الذهنية والعقلية المنتجة له من هذا المنطق الذكوري، وهو أمر لا يتحقق بمجرد إعادة صياغة نص أو تعبير أو قصة موجهة للطفل، بل يستلزم ذلك جهودا تراكمية مضنية في التربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية لإرساء علاقات إنسانية عادلة ومتسامحة، لذلك نخشى أيضا من وقوع الكاتبة في شيء من التطرف النسوي حين تجنح الى محاولة تطهير اللغة نهائيا من جميع أشكال التمييز بين الجنسين، وهو تمييز لا نستطيع أن ننكر أنه قائم موضوعيا، ولا يمكن إلغاؤه بصورة نهائية بحيث نصل - كما تريد الكاتبة - الى لغة لا جنسية بالمعنى المطلق، فهل المطلوب استئصال الفوارق الدلالية لكل من الجنسين أم الوصول باللغة الى مستوى إنساني عادل في التعبير عن الجنسين حضورا وفاعلية وتفكيرا؟ لعل هذا التعمد لإظهار التوازن الجنسي في الخطاب اللغوي من خلال اقتران صيغتي المذكر والمؤنث في هذه الصورة الثنائية القائمة على التعارض السلبي يوحي بانفصام جديد ويعمق هوة التناقض مظهرا حجم الفارق الجنسي بدلا من تقريبه الى حدوده الإنسانية الطبيعية، فكأن الدلالة تنصرف هنا الى التعبير عن فصيلين متعارضين متمايزين متضادين ولا نظن الكاتبة أرادت شيئا من هذا القبيل···

طباعة  

أفق
 
إصدارات
 
ملحمة علي الكاشاني
 
الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر مؤلفات شرف الدين الطوسي
 
لظروف خارجة عن الإرادة
رابطة الأدباء تؤجل محاضرة الدكتور النجار

 
"المجتمع" تدعو "سعاد الصباح" للهداية!
 
الشاعر محمد يوسف واللمسات الروحية في ديوان "أناهيد"
تجربة اليتم تفتح أفقا من نور لتعلن الرفض والتمرد على الواقع!!!

 
أخبار ثقافية
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس