Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 19 ذي الحجة 1419هـ - 24 مارس - 6 أبريل 1999
العدد 1370

"الأطلسي" دخل البوسنة وربما كوسوفو لاحقا.. لكن كيف يخرج؟
"ألبانيا الكبرى" هل تتحقق في البلقان؟

منذ بداية نزاع كوسوفو، كانت ثمة كلمة محرمة يمتنع المجتمع الدولي عن نطقها: الاستقلال· لكنه خول نفسه تداول كلمات مشابهة منها "الحكم الذاتي الجوهري" الذي ينشئ كيانا يتمتع بجميع صفات الاستقلال غير المعلن· وهناك سبب تكتيكي واضح: فمن الصعب أن يطلب العالم من الصرب أن يذهبوا الى ما يتخطى الحكم الذاتي الذي منحته السلطات اليوغوسلافية الى هذا الإقليم عام 1974 ثم ألغاه (الرئيس اليوغوسلافي الحالي) سلوبودان ميلوسيفيتش عام 1989 (عندما كان رئيسا لصربيا)·

وثمة سبب أعمق: إنه الخوف من أن يؤدي استقلال كوسوفو الى إعادة النظر في جميع الحدود الدولية في البلقان على نحو ما حصل في المجال اليوغوسلافي بين عامي 1991 و1995، أي أن يمتد بالعدوى ليطول جميع أنحاء المنطقة من البوسنة الى اليونان حتى بلغاريا· في الحرب اليوغوسلافية الأخيرة، دارت أحاديث كثيرة عن القضية الصربية، وما كانت السلطات الفرنسية أيام الرئيس فرانسوا ميتران آخر من يتحدث عن ذلك· وهذه القضية مفادها أن الصرب وجدوا أنفسهم بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافي (القديم) موزعين في دول عدة، ونادوا بمطلب حاز نوعا من الشرعية وهو أن يعيشوا في دولة واحدة· وكانت إقامة صربيا الكبرى تفترض إعادة النظر في الحدود ونقل السكان الذي اتخذ تحت حكم ميلوسيفيتش (لصربيا) صورة التطهير العرقي في البوسنة· والواقع أن هناك أيضا قضية "ألبانية" مثل القضية الصربية· فالألبان يقيمون في دول عدة، وجمهورية ألبانيا لا تؤوي أكثر من نصفهم· فهم يشكلون غالبية من 90 في المئة من أصل سكان كوسوفو المليونين، وهم يقيمون أيضا في مقدونيا حيث يشكلون أقلية تراوح بين ربع السكان أو الثلث، وكذلك في جمهورية الجبل الأسود (مونتينيغرو) التي تشكل مع صربيا يوغوسلافيا الجديدة· ولما كانت قوميات الاتحاد اليوغوسلافي (القديم) قد استطاعت تحقيق مطالبها، فإن الألبان يعتبرون أنفسهم الخاسرين والمنسيين بعد تفكك الاتحاد عامي 1991-1992· على نحو ما كانوا منسيين في مؤتمر برلين لعام 1878 الذي بدأ يتقاسم تركة الامبراطورية العثمانية·

في منطقة يشكل التاريخ وتفسيره عنصرا جوهريا في الهوية الوطنية - حيث يعود الكروات الى القرن السادس حتى يتذرعوا بحق الحصول على دولة - يسهل أن نرفض حقيقة توحد الألبان، ويمكن القول إن الدولة الألبانية نفسها لم تظهر إلا في عام 1912 وأن ألبانيا الكبرى لم توجد إلا تحت الاحتلال الإيطالي - الألماني بين عامي 1941 و1944· فالمثقفون الألبان يعودون الى "إعلان بويان" الصادر في 31 ديسمبر 1941 والثاني من يناير 1942 الذي دعت فيه حركة فدائية من كوسوفو (ذات غالبية ألبانية) الى توحيد الأراضي الألبانية بعد التحرير من يوغوسلافيا الى ألبانيا· لكن هذا الإعلان سرعان ما تناساه الزعيم اليوغوسلافي الراحل جوزف بروز تيتو، ولو لم يكن هناك حزازات بين الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا لكان محتملا أن تصبح ألبانيا الجمهورية السابعة في الاتحاد التيتوي· والقصد من كل ذلك هو القول إن العودة الى مفهوم البانيا الكبرى هي أضعف من أن تسوغ المعركة الدائرة الآن·

وللاقتناع بأن الألبان لم يتراجعوا عن هذا الحلم، يكفي المرء أن يتفرج على الخرائط المعلقة على جدران الجامعات من تيرانا (عاصمة ألبانيا) الي مدينة تيتوفو المقدونية ذات الغالبية الألبانية· لكن المثقفين الألبان الذين درسوا في الغرب وتعلموا كيفية الادلاء بتصريحات مؤثرة وهم كثيرون فيقدمون ذرائع أفضل صوغا· ففي مواجهة أزمة كوسوفو والعواقب، يقلب هؤلاء طريقة التفكير التقليدية في هذه الأزمة· فهم يقولون إن العامل الرئيس في اضطراب المنطقة ليس الاستقلال إنما استمرار الوضع الحالي الذي يفضي حسب رؤيتهم الى نقيض ما يسعى إليه المجتمع الدولي، مجبرا الألبان على الإحساس حيثما وجدوا بأنهم الشعب الوحيد المتضامن مع أبناء كوسوفو· واستنادا إليهم لا يحل الحكم الذاتي شيئا· إنما يحافظ على بؤرة أزمنة خامدة تعاود الاشتعال من وقت الى آخر· ويقول أحد زعماء الأقلية الألبانية في مقدونيا إنه كلما تأخر الاستقلال ارتفع ثمن النزاع اللاحق·

يقيم المثقفون الألبان المقارنة بين كوسوفو والأقلية الألبانية في مقدونيا لأن أقليم كوسوفو بقي كما هو ضمن يوغوسلافيا القديمة بقدر ما كانت أقلية مقدونيا بعيدة عن أي استقلال ذاتي، لأن مقدونيا نفسها كانت إحدى جمهوريات الاتحاد· وهكذا يمكن أن يفضي حكم ذاتي جوهري في كوسوفو الى آثار سياسية مماثلة في مقدونيا الآن· فالحكومة الجديدة في سكوبي، التي يشارك فيها الحزب الألباني الأكثر راديكالية، وعدت بلا مركزية في البلديات يمكن أن تشكل منطلقا للتعاون بين الطوائف ذات الغالبية الألبانية· وعندما سئل عن هذه المسألة قال أحد زعماء، "حزب الازدهار الديمقراطي الألباني": اسبغ الله علينا نعمة التجمع في منطقة واحدة، لكننا لم نملك شجاعة الاستفادة منها"·

ماذا بشأن ألبانيا الكبرى؟ بالنسبة الى هذا المسؤول الألباني تشكل هذا العبارة بعبعا يحركه أعداء الألبان وكوسوفو· أما القول بأنه شعار راهن فلا يمنع بقاؤه هدفا في المستقبل· وحسب أفضل الفرضيات يبقى تطبيق هذا الشعار عملية متدرجة ضمن السيطرة· فمنطقة البلقان تعيش الآن طور التفكك، لكن الدول الصغيرة يصعب عليها البقاء على قيد الحياة في المستقبل· لذلك، يجب تكوين تجمعات اقتصادية - سياسية· والى أن يحين ذلك، يصعب على الأوروبيين أن يعترضوا· فهم لا يستطيعون معارضة تخفيف الحواجز الحدودية بين الدول إذا كان على حدود البلقان أن تخسر ذات يوم طابعها شبه المقدس· لكن إذا تراخت الحواجز الحدودية أو تلاشت، فمن شأن ذلك أن يفضي الى "ألبانيا الكبرى" التي لن تكون "بهذا الحجم نفسه" كما يقول المسؤول الألباني، إنما بصورة مختلفة، ففي البلقان حيث تبقى الحدود أشبه بالحدود بين الدول الأوروبية الآن (قائمة ويسهل تجاوزها في آن) سيبقى هناك احترام لما رسمته حرب البلقان في نهاية القرن أو يكون هناك اتفاق علي رسم حدود جديدة تأخذ في الاعتبار تطلعات الشعوب·

هكذا تقيم كوسوفو إذاً أمام المجتمع الدولي مأزقا حقيقيا· فإذا بقي الصديد وإن بصورة موضعية فإن أعراض كوسوفو ستعاود الظهور في المنطقة في أوساط الأقليات الألبانية· وإذا أثمر اتفاق معين حكما ذاتيا يسمح للألبان بأن يعبروا ديمقراطيا للمرة الأولى عن تاريخهم فإن قوة المثال قد تنتقل بالعدوى· وقد يكون ضحية ذلك الدول الضعيفة والحدود الاصطناعية· لكن هناك كابح أيديولوجي يمنع تحقيق الألبان أمنية التوحد، وهو الوضع الفوضوي والتخلف الاقتصادي في جمهورية ألبانيا نفسها· وثمة عائق عملي آخر: وهو وجود قوات حلف شمال الأطلسي في كوسوفو، يمثل وجودها في البوسنة ومقدونيا، إذا وقع المتحاربون على الاتفاق (المبرم في رامبوسيه) لأن الجنود الغربيين يكونون عندئذ ضامنين للوضع القائم· إلامَ يستمر ذلك؟ فالقوات الدولية قضت حتى الآن أربع سنوات في البوسنة· وهي قد تبقى في كوسوفو ثلاث سنوات على الأقل في المرحلة المسماة انتقالية· وإذا تحقق اتفاق على وجودها فهي تمنع القتال على الأقل· وهذا أفضل من لا شيء، لكنه يهمل "القضية الألبانية" برمتها·

(لوموند)

طباعة  

تقرير "الخارجية الأمريكية" عن حقوق الإنسان في العراق:
صدام يتبع الإبادة الجماعية وعدي يقتل المعارضين بنفسه

 
لم يتجاوز الخط الأحمر لسلطة مرشد الثورة
خاتمي انتصر على المحافظين في منتصف ولايته والإصلاحيون يتطلعون إلى الانتخابات البرلمانية