· لو علمنا تأثير القراءة لعرفنا حجم ذنبنا بحق أطفالنا
· لا توجد استراتيجية واضحة في مجال ثقافة الطفل
· إهمال الطفل سيكلّفنا ثمناً باهظاً في المستقبل
قالت الأديبة والقاصة والكاتبة الكويتية أمل الغانم في لقاء مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن إهمالنا لهم سيكلفنا باهظا فأنا لست ممن يهوون تضخيم الأمور وتحميلها أكثر مما تحتمل لكنه واقع الحال يفرض نفسه فنحن نقترب من عصر جديد يزخر بالمثير من انتصارات الإنسان وإبداعاته في جميع الأصعدة· انظر لما يتمتع به أبناء الدنيا··· وأقارنه بواقع ثقافة أطفالنا··· ماذا لدينا··· خواء في مجال ثقافة الطفل، فأطفالنا لا يحظون بالقليل مما يحظى به أطفال العالم من اهتمام في توفير المناخ الثقافي الصحي في مجال السينما··· المسرح·· مكتبات الأطفال··· المراكز الثقافية··· متاحف الأطفال··· الخ·
مسرح الأطفال
لنأخذ على سبيل المثال مسرح الأطفال··· أين دور الدولة في إنشاء مسرح على غرار المسارح التي يتنعم بها أطفال العالم؟ واعتقد أنك توافقني الرأي بأن أي عمل درامي خلاق موجه للأطفال لا يتم إلا عبر مسرح مطور تكنيكيا فلا يمكن لمسارحنا المهترئة أن تسمو بأذواق أطفالنا، وتطور لديهم ملكة تذوق الجمال في الفنون·
وأشارت في معرض حديثها عن ثقافة الطفل الى دور المكتبات العامة أو الخاصة بالطفل بقولها: "هل يعقل وفي مثل هذا الزمان الذي تمتلئ فيه عواصم العالم ومدنه وقراه بمكتبات الأطفال بكل الآداب والمعارف الإنسانية بمختلف التقنيات أن لا يكون لدينا ولو مكتبة عامة واحدة للأطفال في العاصمة، أما المكتبات المدرسية فحالتها لا تسر سواء من حيث الموقع أو الشكل أو المحتوى أو أسلوب إدارتها··· وقد تخلت منذ زمن عن دورها الريادي في تنمية الميول القرائية لدى الأطفال·
المكتبة المدرسية
إننا نشكو من عزوف أطفالنا عن القراءة··· ونتناسى دور وزارة التربية الرئيس في هذا الجانب··· إنها تحرم الأطفال في سنة أولى وثانية ابتدائي من دخول المكتبة، أو حتى الاستعارة بحجة أنهم لا يقرؤون··· إنها فعلا مصيبة··
هل حقا هم لا يعلمون بأهمية القراءة المسموعة، وروعة تأثيرها في إثراء خيال الطفل··· وتحفيزه على حب الكتاب والارتباط به منذ الصغر· وأما تلاميذ سنة ثالثة ورابعة ابتدائي فدخولهم للمكتبة غير منتظم·· أحيانا مرة واحدة بالشهر·· وطلاب المرحلة المتوسطة ليس لهم حصص أصلا لزيارة المكتبة في جدول اللغة العربية·
والنتيجة أطفالنا لم يدربوا على ارتياد المكتبة وبالتالي ليس هناك ارتباط بينهم وبين أجواء المكتبة، وبالمحصلة فهم لا يأخذون فرصتهم في التدريب على الحصول على المعرفة بجهدهم الذاتي·
فالرابطة الحقيقية تكون فقط بينهم وبين كتب المقررات المدرسية المحشورة بالمعلومات، وعليهم حفظها ليمتحنوا فيها ثم ينسوها··· وأحب أن أشير هنا الى أن دراسات ميدانية أجريت في دولة عربية تقول ينسى الطلاب ما يزيد على %90 من المواد التي يدرسونها·
القراءة الحرة
إن العالم يتعامل مع القراءة الحرة كعلم قائم بذاته··· مثل بقية المواد التي تدرس بالمدارس··· لأن الطفل الذي يجيد القراءة، سيتمكن من دراسة المواد الأخرى·
وهناك مئات المؤلفات التي توضح أهمية القراءة الحرة للإنسان··· ولو علمنا فعلا أي نوع من البشر تصنع القراءة، ومدى تأثيرها البالغ والعظيم في الارتقاء بشخصية الإنسان··· لعرفنا حجم الذنب الذي نقترفه بحق أطفالنا حين نبعدهم عن ذلك النبع الشيق من المعارف الإنسانية المتنوعة··
فلنصل أطفالنا بالمكتبات··· ليتعودوا عليها منذ الصغر فيتمكن أطفالنا من الاطلاع على إبداعات شعوب العالم·
دور المجلس الوطني
وانتقدت الكاتبة الكويتية دور المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في رعاية واحتضان أنشطة الطفل المختلفة إذ لا توجد استراتيجية واضحة المعالم في مجال ثقافة الطفل وبالتالي أولوياته غير محددة والمشروعات وليدة الظروف· وبينت أن المجلس الوطني مطالب بأن يعطي القضية ما تستحقه من اهتمام ممتدحة في الوقت نفسه توجه المجلس الوطني الأخير بشأن تشكيل لجنة الكتاب والقراءة والتي شكلت من القطاعين العام والخاص واللجان الأخرى التي تضمنت عددا كبيرا من المثقفين لإعادة تشكيل أعمال المجلس الوطني، وأعربت الغانم عن الأمل بأن يكون للطفل نصيب وافر في تلك اللجان·
وتناولت الكاتبة في حديثها عن واقع ثقافة الطفل الأعمال الأدبية الخاصة بالطفل التي تدور حول محورين أساسيين هما الخير والشر ، قائلة إن أدب الطفل أصبح ثريا في تنوع موضوعاته ومضامينه بالإضافة الى أنه يطرق شتى نواحي الحياة الإنسانية التي يمر بها الأطفال ويتأثرون بها·
وذكرت أنه لم يعد بالإمكان عزل الطفل عن مواجهة الأحداث اليومية التي تخرق دنياه في كل لحظة وفي كل مكان عبر جميع وسائل الاتصال بالإضافة الى ما يحيط بطفلنا اليوم من مثيرات تشوقهم وتدفعهم الى الاستزادة من المعارف الحديثة· وردا على سؤال حول عدم مرور الأعمال الأدبية الخاصة بالطفل على اختصاصي تربوي لتحديد صلاحيتها لعقلية وثقافة الطفل أفادت الغانم "اتفق معك حول تفاوت قيمة ما يطرح في الأسواق، من كتابات أدبية موجهة للأطفال، إذ إن هناك أعمالا هابطة لا ترقى لمستوى الأدب·
الاختصاصي التربوي···محاذير
ولكن الحل لا يكون بعرضها على اختصاصي تربوي لتحديد مستواها العلمي، ومدى مناسبتها لعقلية الطفل، إنما دور الاختصاصي التربوي أو لجان الفحص يجب أن ينحصر فقط في فحص المنتج الأدبي للتأكد من خلوه مما يضر، والمقصود بالضرر - خطأ علمي - خطأ لغوي أو أن المضمون يعزز اتجاهات تتعارض مع أخلاقيات المجتمع، أما غير ذلك فليس من حق الفاحص أن يرفض مادة أدبية بحجة أن فكرتها قديمة أو مكررة، أو جديدة بمعنى أنها أعلى من مستوى استيعاب الفاحص، أو لخلو النص من قيم معرفية، أو خلقية··· الخ·
إن إعطاء اللجنة صلاحية الحكم على قيمة الأعمال الأدبية أمر في غاية الخطورة وذلك لمجموعة من المحاذير:
أولا: إذا لم يكن الفاحص التربوي قارئا جيدا ومتابعا لما صدر ويصدر في الشكل الأدبي الذي يفحصه، واعيا لقواعد الكتابة الأدبية للأطفال ومستوعبا للاعتبارات الفنية المتعلقة بنوع الوسيط سواء أكان مسرحا أم أي فرع من فروع أدب الطفل، فإنه قد يسهم في تعطيل وصول الأدب الجيد لأطفالنا، أو يدفع بتشويه الإبداع في النص الأدبي بما يقترحه من تعديلات·
ثانيا: لو افترضنا أن الفاحص استند في تقييمه على ما نطلق عليه - أسس ومعايير انتقاء كتب الأطفال وتصنيفها حسب المراحل العمرية المختلفة فإن هذه المعايير محل جدل واسع حول مدى صلاحيتها ومرونتها - لأن طفل الحاضر يمر بخبرات مختلفة عما مر به والده يوم كان طفلا، وطفل المستقبل سيكون مختلفا بالطبع، وقدراته الاستيعابية ستختلف، هذا بالإضافة للفروق الفردية بين أطفال الفئة العمرية الواحدة من الجيل نفسه· لذلك يجب الحذر من الالتزام بهذه المعايير بحذافيرها لأننا سنؤذي أطفالنا بحصرهم بما تم تخصيصه لهم تبعا لفئات أعمارهم·
ثالثا: إن معظم الراشدين في مجتمعنا لا يميزون بين الكتاب المدرسي وكتاب القراءة الحرة، ويرون أن أدب الأطفال الجيد يجب أن يتضمن كما من المعارف··· أو الأخلاق· ويحسبون أن الكتب التي تمتع الأطفال ولا تتضمن قيمة معرفية أو أخلاقية هي ضياع للوقت··· ولا يجب أن تُقرأ·
وقد يكون الفاحص ممن يحملون هذا التصور فيحرم أطفالنا من الغذاء الضروري الذي تقدمه السخرية والتلاعب بالألفاظ، تلك الكتب التي يكون طابعها المرح والفكاهة، أو التي تحتوي متعة بحتة بحجة عدم تضمنها قيمة·
نحن نحرم أطفالنا
نحن من يصنع المعوقات بين أطفالنا والقراءة حين نحرمهم مما يمتعهم من فنون الأدب، ونلزمهم بكتب تبعث الملل في نفوسهم بحجة حرصنا على تعليمهم·
وأتمنى ألا يفهم من حديثي أنني أدعو الى أن تكون كل قراءات الأطفال الحرة في كتب التسلية، إن ما أردت قوله هو أن الأطفال يحتاجون من بين ما يقرأون الى قراءات تسليهم، ويأتي دورنا في توجيههم الى قراءات روائع الأدب حتى نعودهم على تذوق الأدب، ونرتقي بأذواقهم·
ولكن يجب أن نكون حذرين في تدخلنا، فلا بد من أن نترك مساحة لاختلاف وجهات النظر، وأن يستخدم أطفالنا حقهم في الاختيار·
وقفة نقدية حازمة
وقالت الأديبة أمل الغانم إن القضية هي قضية بناء الكيان الثقافي في جسد هذا المجتمع فلا بد أن يعي الجميع خطورة ما سيؤدي إليه تجاهلنا لواقع أطفالنا الثقافي المتخلف· ودعت الى وقفة نقدية حازمة تمهيدا لوضع استراتيجية ترتب على أساسها الأولويات في هذا المجال ولا بد أن يتم كل ذلك من خلال عمل جماعي دؤوب من خلال توزيع الأدوار لوضع خطط وبرامج فاعلة ومؤثرة للإسهام في بناء ثقافة الطفل·
وتعد الأديبة الغانم من الكتاب القلائل المختصين بأدب الطفل فإضافة الى أنها خريجة علم الاجتماع من الولايات المتحدة فقد عملت في حقل التدريس ثم انتقلت للعمل في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ثم تولت منصب رئيسة مهرجان كتب ولعب الأطفال وآخر منصب شغلته قبل أن تتفرغ للكتابة عام 1992 هو مراقبة ثقافة الطفل· وشاركت الأديبة الغانم في العديد من المؤتمرات والحلقات الدراسية والملتقيات الإقليمية والعربية والعالمية الخاصة بالطفل وهي عضو المنظمة العالمية لحق الطفل في اللعب·
وللأديبة الكويتية قصص عدة منها "متى يأتي القرقيعان" و"مريم تتمنى" و"لماذا يغضب الآخرون" و"صديقي الذي يحبني كثيرا" ، والأخيرة حازت جائزة أفضل كتاب للطفل في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 1996 بالإضافة الى مسرحية الأطفال "مهرجان العجائب" الفائزة في المسابقة الثقافية التي يشرف عليها نادي أبها الأدبي عام 1995، وآخر كتاب لها قصة "المستكشفون الثلاثة" الصادر عن الصندوق الوقفي للثقافة والفكر، وهو يوجه الناشئة الى أهمية العناية بالبيئة·