رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 12 محرم 1420هـ 21-22 ابريل 1999
العدد 1373

يتبع

يزيد على ذلك - وكما بان من قبل - أنه لم يكن لهذا الوضوح في المشاعر علاقة بالماضي ولا بالتاريخ، لأن مجتمع الدول لا وقت عنده للمآتم ولأن الحياة وحدها شاغله، وقد يتأثر مجتمع الدول لفقد صديق، لكنه لا يتوقف، وقد ينكس مجتمع الدول أعلامه حدادا، لكن ذلك حكم المراسم من دون أن تتحول الأعلام الى مناديل تجفف الدموع·

 

وإذا كان ذلك صحيحا - وأظنه صحيحا - إذن فماذا كان هدف الوقوف بالخشوع من جانب الرؤساء الأمريكيين - الأربعة - والقادة الإسرائيليين - بالعشرات - أمام جثمان ملك عربي له بالتأكيد مزايا - لكنه الآن بين يدي ربه وحيث لا تستطيع مزاياه أن تساعد أصدقاءه في هذه الدنيا؟

*ولا يصلح للإجابة عن هذا السؤال أن يقال إن الخاشعين أمام الجثمان كانوا خائفين على أمن الأردن وبقائه بعد رحيل الملك - ذلك أن الكل يعرف أن الأردن ليس معرضا لخطر لأن معادلة أمنه مضمونة إقليميا ودوليا لأسباب تتخطى حدود الأردن وتصل الى استراتيجية الحفاظ على توازن ما بين البحر الأبيض الى الخليج وما بين البحر الأحمر الى البحر الأسود!

*وكذلك لا يصلح للإجابة أن يقال إن أصدقاء الأردن هرعوا الى عاصمته ليتلقوا درسا في شرعية انتقال السلطة من جيل الى جيل، سلميا وديمقراطيا، لأن هؤلاء جميعا كان لهم قول في انتقال السلطة!

وإذن ما الإجابة الصحيحة على هذا السؤال الدقيق إذا كان ما سبق ليس صالحا؟ لقد أشرت في بداية هذا الحديث الى نصوص سبقت ذلك النص الجنائزي الأخير في تشييع الملك "حسين"·

وأضيف - وهذا الحديث يوشك على بلوغ نهايته - أن هناك فيما يبدو مطالب أخرى - غير ما ورد ذكره من قبل - وكلها مطالب تبحث عن فرصة وراء جلال الموت ووراء زحام الجنازات، وبينها على الأرجح:

1 - إن الولايات المتحدة وإسرائيل - وربما غيرهما - بكل هذا الذي حدث في جنازة الملك "حسين" قصدوا أن يقولوا لكل من يعنيه الأمر في المنطقة إن في يدهم وحدهم - وبوسائلهم وليس وسائل غيرهم - الحق والقدرة على تدشين الأبطال وترسيم القديسين في منطقة الشرق الأوسط·

وتلك قضية لا بد أن تؤخذ باهتمام وأن تدرس بجد لأن المعنى الكامن فيها - سلطان!

2 - إن جميع الأطراف عليهم أن يفهموا - عن طريق الحدس إذا لم يقدروا عن طريق العلم - أن الأردن طرف في ترتيب إقليمي يضم أربع دول هي الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والأردن، وهذا الترتيب هو المدير المقيم للأمن في المنطقة، وكل من عداهم مساعد أو مشارك وفق مواقع الأزمات! ولذلك فإن دور الملك "حسين" في هذا الترتيب كان أهم الأدوار العربية·

(يستحق التسجيل هنا أن "إيتان هابر" مدير مكتب رئيس وزراء إسرائيل الأسبق "إسحاق رابين" سئل في برنامج تلفزيوني إخباري (عنوانه "بوليتيكا") أذيع غداة تشييع جنازة الملك "حسين"، عن "السبب الذي جعل كل قيادات إسرائيل تسعى على هذا النحو الي المشاركة في جنازة الملك حسين؟" - كان السائل هو زعيم حزب "موليدت"، وكان رد مدير مكتب "رابين" على الهواء هو قوله بالحرف: "لو عرفت ما فعله الملك من أجل أمن إسرائيل لما سعيت وراء جنازته فقط وإنما هرولت"!·)

3 -  إن هناك دورا في المنطقة لخليفة يتبع خطى الملك ــ وليس بالضرورة أن يكون ولي عهده ـ فالملك الجديد في الأردن شباب، وما زال أمامه الكثير يتعلمه رغم كل ما تعلم من والده (ومن سوء الحظ أن "جولدي دور" سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة وقف أمام عدسات الـ C .N.N يوم جنازة الملك "حسين" ليقول: "إن أول درس علمه الملك لأولاده هو أهمية العلاقة الحميمة مع إسرائيل")·

ومع أن أبناء الملك يمكن أن يتعلموا فإنهم يظلون في حاجة إلى التجربة ترسخ معارفهم وحتى يتحقق ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن بديل يدخل في ملابس الدور!

وربما ـ ربما! كانت للملك "حسين" أعذار من الجغرافيا والتاريخ والعصر لكن هذه الأعذار يصعب استعارتها لآخرين مهما بلغ حجم الغواية أو الضغط، وكان كلاهما ـ الغواية والضغط ـ ماثلا في جنازة الملك "حسين" ـ رسالة موجهة إلى كل من يهمه الأمر ولديه الاستعداد والقدرة!!

4 ـ وحتى إذا استطاع أحد أن يملأ الفراغ الذي تركه الملك "حسين" فقد كان للأردن ـ كما هو الآن وبلا حاجة إلى تجربة ـ دور يمكنه القيام به إذا وجد العهد الجديد فيه جرأة الخيال وجسارة القبول بالمخاطرة·

وهذه محطة على مسار هذا الحديث تستحق الوقوف عندها!

محطة تستحق الوقوف عندها لأن بعض الطريق وراءها ــ إذا صدقت معلومات أولية مازالت تحتاج إلى تأكيد ـ سوف يصل بآثاره في مستقبل المنطقة إلى بعيد على خرائط الجغرافيا وخرائط التاريخ وخرائط السياسة فيها ـ ليرسم عليها ألوانا وخطوطا وعلامات مستجدة·

وطبقا لمعلومات أولية فإن هناك "سيناريو" كما يقولون ـ تجرى كتابته الآن لمستقبل الشرق الأوسط في مطالع القرن الحادي والعشرين وهذا "السيناريو" نوقش "مرة أخرى" في واشنطن ولندن في الأسابيع الأخيرة من حياة الملك "حسين" وبالتحديد في الفترة التي خرج فيها الملك من مستشفى "مايو كلينيك" في شهر ديسمبر الماضي وقضى أكثر من أسبوعين بين واشنطن ولندن ـ والكل ـ بمن فيهم هو نفسه ـ  عارف أنه المشهد الأخير قبل نزول الستار!

إن السيناريو ـ كما أسلفت ـ جرت مناقشته ـ لكن غير الواضح هو ما إذا كان اعتمد أو تأجل اعتماده بعد المناقشة ـ ذلك أن الملك رغم حماسته كانت لديه تحفظات على بنيان "السيناريو" وعلى سياقه "وربما تكون هذه التحفظات قائمة بعده في عَمَّان، وربما حدث تغيير"

كان "السيناريو" الذي نوقش ـ ولا يزال ـ في واشنطن ولندن على النحو التالي:

1 ـ إن الأردن ـ في الغالب ـ قد لا يكون له دور إضافي فيما يسمى بعملية سلام الشرق الأوسط، وذلك سوف يخلق فيه ومن حوله فراغات يمكن أن تكون لها مخاطر·

2 ـ إن بؤرة التوتر في الشرق الأوسط التي انتقلت سابقا من شواطيء البحر الأبيض والبحر الأحمر إلى الخليج ـ تنتقل الآن من الخليج إلى مافوقه أي إلى حدود الاتحاد السوفيتي السابق وبحيث تشمل منطقة التوتر الكبير المقبل مستقبل العراق "وإيران" ـ ومناطق الأكراد "وتركيا" ـ وأفغانستان " وممتدة منها إلى كازاخستان وعبر القوقاز وحتى إلى كوسوفو على أطراف البلقان"·

3 ـ إن الاستعداد للتفاعلات المحتملة والمتفجرة لبؤرة التوتر الجديد يقتضي الخلاص من النظام الحالي في العراق وهذا النظام حتى هذه اللحظة لايريد أن يذهب ـ ومع أنه منهك بالحصار الاقتصادي الخانق وبالعمليات العسكرية من "عاصفة الصحراء" إلى "ثعلب الصحراء" ثم بالغارات الجوية المستمرة إلى الآن ـ فإن هدف إسقاطه لم يتحقق بعد، والحل الذي يراه معظم الخبراء أنه لابد من وجود قوة عسكرية قريبة على الأرض قادرة على التدخل بشكل ما في لحظة تتهيأ فيها الأجواء بحدث داخلي  يتصادف وقوعه أو يمكن ترتيبه!

4 ـ وليس هناك  من لديه في المنطقة مثل هذه القوة العسكرية القادرة على التدخل للحسم في العراق إلا الأردن، ذلك أن دول الخليج  المعنية قبل غيرها بالتغيير في بغداد لا تملك قوة تقدر على العمل في ميدان قتال حقيقي وكان هذا الخيار ومعروضا على الملك "حسين" وكان فيه ما يلبي أحلاما قديمة لديه "سواء من طموحه الشخصي أو من اعتقاد انه الوريث الشرعي للهاشميين في بغداد" لكن الملك وإن تحمس أحيانا تردد في اللحظات الحرجة شكا في أوضاع الاقليم المحيط به وقلقا من نوايا بعض الحكام القريبين من حدوده·

5 ـ وكان بين بنود "السيناريو" المقترح تصور يرى بإضفاء الشرعية والطمأنينة على أي دور في هذا السيناريو عن طريق دعوة الأردن للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي ــ خصوصا وقد تكلفت الأقدار بشكوك  لدى "بعض  الشيوخ" في موقف الملك "حسين" أثناء غزو الكويت ــ والأمل أن يقوم خلف له في عهد جديد بما هو مطلوب ضمن شرعية خليجية توفر له  في الوقت نفسه مطالبه المادية والسياسية والمعنوية "بما في ذلك مخزون معدات عسكرية مكدسة تبحث عمن يستعملها" ـ إن الملك "حسين" لم يكن قادرا على التأقلم مع مثل هذا التصور ، وكان بين تحفظاته أنه يريد أن يعرف بالتحديد ما يحق للأردن أن يتوقعه في ختام هذا "السيناريو" "وإذا كان يستطيع ضمان عرض العراق لواحد من أبنائه" علما بأن اسرائيل كانت على استعداد لإعطاء ضوء أخضر لهذه الفكرة "باحتمال أنها تستطيع تهجير مئات ألوف من الفلسطينيين إلى شمال العراق"

إن الذي فكروا وناقشوا في واشنطن ولندن كانوا يعرفون طبيعة الملك "حسين" وقد خبروا ما اعتبروه ترددا وبالذات في موضوع السلام مع اسرائيل فقد تصوروه مقبلا على صلح منفرد معها ـ بحقائق الأشياء ـ بعد سنة 1967، وبعد سنة 1973 وبعد "كامب ديفيد" لكن الملك لم يرض بمجاراة تصوراتهم رغم علاقته الوثيقة من دون اتفاقات صلح مع اسرائيل ـ لأنه لم يكن يريد أن يكون السابق علانية ولا الثاني ـ كان يريد لمقتضيات سلامته أن يكون الثالث أو حتى الرابع إذا استطاع·

لكن البعض في واشنطن ولندن يرون الآن ظروفا متغيرة وإمكانات متاحة، وأهدافا جاء وقت تحقيقها خصوصا أن مطلب الصلح بين العرب واسرائيل يمكن اعتباره الآن عصفورا في اليد وليس بين العصافير على الشجرة!

هكذا فإن دور الرؤساء الأمريكيين الأربعة في النص الجنائزي لتشييع الملك "حسين" لم تكن له علاقة بالماضي أو التاريخ ومع أن هذا النص الجديد تشابه مع نصين سابقين فإنه في هذه المرة الثالثة تخطى وتجاوز رغم ما قالت به الصور، وكان يقال في وقت من الأوقات أن الصور لا تكذب، ولكن الأزمنة الجديدة أثبتت أن  الصور "خصوصا في الشرق الأوسط" يمكن أن تكون أكبر محترف للكذب في التاريخ ويكفي أن يتذكر أحد صورة الملك "حسين" في ذهابه إلى الأردن ـ حيا آخر مرة ـ وهو يطل على مستقبليه من مقعد قائد الطائرة وكأنه كان يقودها عبر الأجواء من لندن إلى عَمَّان بينما هو يعرف أن  أيامه معدودة وأنه وداعه الأخير لعاصمة ملكه!

وربما أن خداع الصور تفوق على نفسه عندما تجري المقارنة بين صور تفصل بينها ساعات قليلة صور للملك يصلي على أرض مطار عَمَّان  شكرا على أن الله شفاه ـ ثم صور تاليه لها تظهر فيها رسالة الملك إلى شقيقه الأمير "حسن" فإذا الصور لرجل مختلف لم يعد ليقيم صلاته على أرض وطنه وإنما عاد ـ وربما كانت لديه أعذاره فهو الأدرى ليصفي حساباته مع شقيق له ـ بألفاظ مثل الهمز واللمز واغتياب الزوجات والأبناء والغدر بالأحباب والأصدقاء، والحنث بالوعود والعهود واللعب غير المسؤول بالأمن والسلاح وكانت الساعات بين أداء الصلوات شكرا وتصفية الحسابات مع الشقيق علنا مأساة إغريقية تؤكد لمن يهمه الدرس أن الحضارة والتكنولوجيا لم تتركا في العالم الثالث إلا خدوشا على السطح وأما تحت السطح فمعظمه لا يزال حيث كان قبل قرون من  الزمان من مشاهد القتل والاقتتال والنحر والانتحار في ملاحم الإلياذة وفواجعها الدامية!

والفهم مطلوب قبل الحكم ـ وباستمرار·

لكنه يخطر ببالي أحيانا أن الفهم ضروري إلى الحد اللازم ـ ولكن ليس بعده لأن الزيادة في الفهم قد تجنح بالأحكام إلى حيث تضيع الحدود!

وبين هواجسي أخيرا أن البشر إذا زاد فهمهم قدروا ـ وإذا قدروا فقد تركوا التسامح يغلبهم وعذروا ـ وإذا عذروا فإنهم في اللحظة  نفسها وحتى وإن لم يقصدوا غفروا·

والغفران ليس ملك البشر، وإنما ملك التاريخ وحده، بمقدار ما أن التاريخ كله مملكة الله!

_________

للعودة

طباعة  

شخصية الملك حسين(2-2)