العتمة
بقلم: كريم الهزاع
كل ما أعيه أنني قطعت على الرجل وابنه الطريق وأنا أقول:
ـ ياعم·· الكتب ليست للبيع غيرت رأيي· صدقني ليست للبيع·
دفعني الرجل جانباً بعنف وهو يقول:
ـ لا تسد الطريق يا ولد·
ثم دخل إلى المكتبة وأخذ الرجل يكلم البائع، بينما ظل ابنه يستدير ويلتفت إلى الكرتون وهو في حالة من الفرح يظن الإنسان معها أنه لم يذق في حياته طعم الحزن، أما أنا فقد كنت كمن تجمدت رجلاه عن الحركة بقيت واقفاً عند عتبة الباب أرقب داخل المحل· أراد الرجل وابنه أن يخرجا من المكتبة، مد الرجل يده يعطيني ورقة نقود فئة الخمسة، أبقيت يدي خلف ظهري ونظرت في وجهه، لا أدري كيف كانت نظراتي إليه بحيث سارع بإعادة النقود إلى جيبه ومر خارجاً· عندئذ أبعدني صاحب المكتبة عن العتبة·· خرج اثنان من العمال وتوجها نحو الكتب وكان الابن قد خرج وجلس في السيارة وهو ينظر إلى الكرتون نظرته إلى عزيز غال· عندما رفع العاملان الكرتون عن الأرض، جريت بلا وعي وأمسكت بكرتون الكتب وأنا···:
ـ هذه كتبي إلى أين تأخذونها؟ إني لا أسمح بذلك·
قال أحد العاملين:
ـ الدرب ياولد·
كان الناس قد تجمعوا وأخذوا يتفرجون ولم أكن لأفلت كرتون الكتب إذ اضطر العاملان لإنزال الكرتون على الأرض وإبعادي بالقوة·· سمعت صوت الولد يطلب من والده وهو داخل السيارة:
ـ لا تسمح له يا أبي·
جلس الأب وراء مقود السيارة· وضع العمال الكرتون وراء الأب وابنه· تهيأت السيارة للسير، فتخلصت ممن يمسكون بي وانطلقت نحوها وقبضت على دعاميتها الخلفية بكلتا يدي وأنا أصيح:
ـ إلى أين تأخذون كتبي؟!
لا أظن أحداً سمع صوتي، كنت كالأبكم ولم يكن الصوت يخرج من حنجرتي، كنت أظن أنني أصرخ وحسب· تحركت السيارة، تجرحت يداي من السيارة ووقعت على وجهي فوق أسفلت الشارع رفعت رأسي، ونظرت إلى كتبي النظرة الأخيرة ثم التفت للعمال والدم قد سال من أنفي وبصوت يشبه النشيج سألت:
ـ ماذا سيفعل هذا الرجل المجنون بكتبي؟
···························
شعرت بالدوار· سقطت، وكانت العتمة·