رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 - 12 محرم 1420هـ 21-22 ابريل 1999
العدد 1373

صِدام مع الذاكرة الشعبية في نص دينامي متحرك

آدم يوسف

الكبريت

 

تحتفظ الذاكرة الشعبية للإنسان العربي بأشياء هي أشبه بالمسلمات، فإشعال النار في الليل رمز للكرم وإعلان عن وجود الطعام والمأوى للمسافرين وأيضا الكلب العربي يألف أضيافه فلا ينبج، دلالة على الكرم ورحابه صدر صاحبه·

وَجَدتُ هذه المقدمة لزاما عليّ للدخول إلى أجواء قصة "الكبريت" للقاص "كريم الهزّاع"· وهو يذكر في قصته الكبريت أربع مرات صريحا أو يذكر مرادفه الثقاب، علاوة على أنه عنوان القصة·

"وعلبة الثقاب احتفظ بها صاحبي في جيبه"

"ناولني صديقي علبة الثقاب"

"أشعلت عود الكبريت"

"صاح صديقي : وجدتها ·· وأردف نسميها الكبريت"

بعبارته الأخيرة نسميها الكبريت يقصد صحيفته السرية، كي ندخل في مفارقة تاريخية وهي كما قلت إن النار في الذاكرة الشعبية رمز للإعلان· والقاص هنا يستخدمها رمزا للسرية على شكل صحيفة ممنوعة·

ويأتي القاص على ذكر الكلب مرتين في قصته، مرة يكون هادئا ووديعا، ومرة أخرى ينبح حتى يصل صوته آذان الجالسين في المقهى، "يربض كلب بالقرب منّا"

"صوت الكلاب الليلية يصل إلى مسامعنا"

فلماذا الكلب مرة هادىء ومرة أخرى ثائر··؟

هل لأن الكاتب أراد أن يجعله بدرجة الصفر فلا يؤثر أو يتأثر، كي لا يدخل في صِدام مع الذاكرة الشعبية، مثلما فعل في المرة الأولى عندما جعل النار رمزا للسرية في قصته على النقيض مما هو مألوف ومسجل عندنا·

في صياغة  النص تبدو المباشرة والسردية عاملا واضحا في قصته يغلب عليها عنصر الفعل على المشتقات والجوامد من مجموع مفرداتها وعباراتها حيث إن ثلاثة أرباع القصة من الفعل الماضي أو المضارع·

"ناقشنا مسألة الفقر، سرقنا الوقت، عُدنا أدراجنا إلى البيت، كان الليل قد خيّم·· جلسنا حول السراج نرتعش كفتيلة من البرد بتحدثنا في السياسة في القوانين"·

وَغَلَبة الفعل فيها دلالة على دينامية القصة وتنامي عنصر الحركة فيها كما يذهب بعض "الأسلوبين إلى أن غلبة الفعل في النص على حساب المشتقات والجوامد دلالة على اضطراب نفسية الكاتب وعدم استقراره أو زيادة الانفعال عنده·

"حدّق فيّ·· يكبر الجوع في وجهه"

تبدو هذه الجملة وكأنها دخيلة على النص بأسلوب صياغتها لأن النص في جملته مباشر وسردي وحين نتأمل جملة يكبر الجوع فيها نتساءل أي جوع يقصد؟ هل هو الجوع السياسي؟ لأن الجملة في سياقها الصغير هذا تأتي كعلامة تعجب بعد طلب الفعل، فعل إصدار الصحيفة السرية، وكما أعلم فإن الجوع يكبر في المعدة وليس في الوجه·

لذا أقول إن هذه الجملة بإيحاءاتها وشاعريتها العالية تبدو دخيلة على نص سردي ومباشر·

الخروج في صباح ماطر

يتضامن القاص مع الفقراء سادة العالم السفلي في محاولة للتصدي لأصحاب النفوذ المتحكمين "المال في أيدي الوسطاء الذين يحفظون أسماء وتواريخ الصفقات، أما الوجوه الشاحبة المريضة فغالبا ما تستيقظ في الهزيع الأخير من الليل على أذان المؤذن لتستعيد الأحلام المرعبة وتتوارى تحت لحافات الصوف البالية"·

تنامي القصة عبر التداعي الحر يمنح المشهد مزيدا من السريالية والتي تبسط على القصة حركة دائرية تتوسع مع ضمور  فرصة أن يصنع القاص نهاية محكمة أو مخطط لها في قصته وطعم الغموض في هذه القصة لذيذ ومرعب لاعتماده على  استرسال الأحداث وحضور مواقف متباينة فقصة إبراهيم الخليل عليه السلام وكبش الفداء هي وجود مباغت في حد ذاته وأيضا فعل "استيقظ" الذي يتكرر مرتين يوحي بوجود حالة غفوة أو غفلة تستدعي الاستنهاض مع حضور الزوجة والفراش الذي يأخذ هيئة البحر·

"نظر إلى البحر بطرف عينه، رآه يبتعد بسرعة كبيرة تاركا وراءه بلدانا وواحات وجبالا وسهولا وغابات كثيرة وأنهارا هادرة وبلدانا أخرى أيضا بمناخات متنوعة وقبابا ذهبية وسكرا وملحا في وسط الحجارة الدامية وبخورا"

حشد كبير لمناظر الطبيعة وكرنفال ألوان في هذا المقطع القصير وسط قصة تحكي مأساة الإنسان السفلي وحراراته ، هل هي فعل النقيض إلى النقيض أم هي نوع من إضفاء البهجة على الجرح·

منذ مطلع القصة والمشهد السياسي يبدو قويا وبارزا مهما حاول القاص إخفاءه عبر تداعي الأحداث وتسلسلها اللامنطقي أحيانا· فهذه الجملة تطل عليك في السطر الأول مثلا، "والسادة ميم وباء وياء يتحدثون عن مسلسل الاستسلام"·

حاول القاص أن يمهد لبطل قصته "أيوب" بشخصيات تحمل حروفا رمزية تقودك عبر انغماسها في الهموم اليومية والمعتادة إلى شخصية "أيوب"

في بادىء الأمر فرحت لاستخدام الكاتب الحرف كرمز تمهيدي لشخصيات فرعية تقودك إلى بطل القصة لطرافة هذا الأسلوب وحداثيته ولكني فطنت إلى أن ا لأمر لا يخلو من لعبة بالحروف المتقاطعة تجمع فيما بينها عبارة هي لعبة الفعل السياسي سواء قصد الكاتب إليها أم لم يقصد وبالنظر إلى هذا الجدول المرفق نستكشف الحروف الرمزية للشخصيات ومدلولها مجتمعة·

إذا نظرنا إلى الكلمات التي تخرج معنا من حصيلة جمع هذه الحروف هي كالآتي "سجن ، لعن، مبيت" لتستطيع أن تستخلص منها العبارة الآتية "لعنة المبيت في سجن"·

وربما يؤكد هذا الاستنتاج بروز الوجه السياسي للقصة منذ مطلعها في السطر الأول وأيضا إتيان القاص على ذكر أريحا· "ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا وكل المدن العَفنة"

وليس يخفي أن أريحا جزء من مسلسل الاستسلام ضمن مقاطعة "غزة أريحا"·

 

الشخصية ورمزها                        الكلمة بعد جمع الحروف

- السادة: م،ب،ي+ السيد:ت                    مبيت

- السيدة س، السيد ج،السيدة:ن               سجن

- السيد: للعن، السيد: ع، السيدة:ت            لعن

طباعة  

أفق
 
أخبار ثقافية
 
متحدثا عن تجربته في المؤسسة ومشاريعها المستقبلية في رابطة الأدباء
البابطين: البيروقراطية حالت دون انطلاق المؤسسة من الكويت

 
إصدارات
 
قاسم حداد لى الانترنت
 
في أولى جلسات "الملتقى الثقافي"
قراءات نقدية في قصص كريم الهزاع

 
فسيفساء اللقطة المكثفة
كريم الهزاع... في متاهة الصلصال يتشكل البياض

 
قصة قصيرة
 
نصوص فوق بيئية
قصص الهزاع خيبت كل توقعاتي

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس