"محمد عليم" نحو زمن آخر!
صلاح دبشة
(1)
عندما تكون التجربة الشعرية مخضبة بالليل بمختلف مدلولاته العائمة في نفسية الشاعر، وتوحي بعلاقة جدلية بينهما "الشاعر والليل" حيث لا يهجس الشاعر من خلالها بتعيين هوية الليل، فإن هذه التجربة ذاتها ستربط نفسها بسيرورة تلك العلاقة الجدلية، ويصبح الشاعر حينها الذي يحلم باليقين، متحدثا بعدمية هذا اليقين، ليعطي نموذجا ملطفا لارتقاء الحلم وسقوط الممارسة، معبرا بذلك عن سلوك بشري لايمكن الخلاص منه، ولأنه يدرك هذه الإشكالية فإن تجربته تأتي بوجه مهذب، وترتكز على قيم تستوعب أبعاد الزمن، مما يجعله لايلمس "الليل" وفق حالة وجدانية واحدة، ولذا فالليل ذو فضاء مفتوح، للقارىء أن يسير فيه وفق الأثر الذي تطبعه كل قصيدة أثناء التلقي، فيتجاوز الشاعر على مستوى المعنى عقدة الوقاية من الردود المرعبة للقارىء، التي غالبا ما تنظر إلى تناقضات الشاعر في علاقته بالأمور والأشياء وتفرض عليه أن ينطلق في علاقته معها وفقا لحكم نفسي نهائي عليها، لتأخذ وصفاً معرفيا غير خاضع للتعديل والإزاحة·
(2)
"روحانية النار" هي ما يتخلل قصائد الشاعر "محمد عليم" في ديوانه "افتتاحية الحلم والطلوع" التي تظهر على شكل ومضات هادئة، حيث تأخذ اللغة دورا مضمرا في امتصاص واحتواء تدفقاتها المتتالية فتمنع انتشارها على مساحات النصوص، كونها "ردة فعل عميقة" على ظروف اغترابية لإنسان جاد ودقيق يملك حسا مرهفا حافلا، فيتلقى بيانات الأشياء وتحولاتها المظلمة بنوع من المضاعفة، التي تتبدد عبر نسيج الكتابة كدلالة على "التواصل الملطف" مع الآخرين، الذي يؤكد حالة إنسانية مرت بمواقف تفريغية لذاتها الحالمة، جعلتها تنصرف عن التعاطي اليومي المبتذل مع البيئة والواقع المضطرب، لتتجه إلى المثالية عبر علاقات حميمة مع نماذجها البشرية، من دون ان تغادرها ملامح القلق والتساؤلات التي تتمظهر أحيانا بأشكال الاطمئنان والسكينة·
(3)
إن القارىء قد يخرج من تجربة "محمد عليم" الشعرية في ديوانه الأول تحديدا، بقلق مخفف عن القلق الأصلي لديه، النابع من وجوده المنسجم مع زمن آخر، ما زال بعيدا·