· ما بعد الحداثة مسيرة سريعة نحو الهاوية
· المشهد الراهن لحداثتنا بخير ...والحداثة الأمريكية باهتة
أقيمت الأربعاء الماضي في مقر الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، محاضرة للدكتورة زينات بيطار أستاذة تاريخ الفن والآثار في الجامعة اللبنانية بعنوان "العالمية والمحلية في الفنون التشكيلية" وقدم للمحاضرة رئيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، محمود الرضوان الذي رأى فيها أحد أشكال التعاون بين المجلس الوطني وجمعية الفنون، وتحدث عن دعم المؤسسات الثقافية للحركة الفنية الكويتية، وشكر القائمين على المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب لإتاحة الفرصة للقاء مع واحدة من أعلام الثقافة العربية، ثم قدم محمد الشيخ الفارسي تعريفا للمحاضرة ذات النشاطات المتنوعة في تاريخ الفن والآثار والمتاحف في عدد من الدول الأجنبية والعربية·
كيف نعرف أنفسنا
ثم تحدثت الدكتور زينات بيطار قائلة إن أفول القرن العشرين يستدعي نظرة وداع بانورامية للمدى الفني التشكيلي الذي استكملت عناصر تشكله "المراحل ، المدارس، التيارات، التقنيات··" ورأت أن المجتمعات العربية التي واجهت على مدار قرن ونيف من الزمن علاقات معقدة من الصراع والتقاطع والتجاذب والنفي والتواصل والتفاعل إزاء العلاقة بين الصيرورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بجدلها الداخلي والصيرورة الغربية المتمثلة بثقافة الغرب الأوروبي والأمريكي تقف الآن أمام أسئلة تثقل تاريخنا الحديث: كيف نعرف أنفسنا؟ وهل أنجزنا تقدّما وتحديثا في حركة العصر الفنية العالمية؟ وأين هي بصماتنا المحلية في الجهد الإنساني لبناء الحضارة العالمية المعاصرة؟
الحداثة العربية شذرات وجزئيات
وأشارت إلى أن الحداثة العربية لم تكن ظلا للثورة الصناعية البرجوازية ولا عملا تحديثيا شاملا لكل بنى المجتمع من التعليم والحقوق المدنية والتصنيع والازدهار الاقتصادي والتكنولوجي كما هي حداثة الغرب، وإنما كانت الحداثة العربية شذرات وجزئيات مبعثرة من المظاهر الحداثية كأنماط العمارة والزي والفنون والنظام التربوي وأجهزة التسلية وأشكال المتعة والسلوك الاستهلاكي التابع لحركة السوق العالمية، مما جعلها أشبه بشظايا لانفجار بركان حداثة الغرب
الحداثة وما بعد الحداثة
وميزت المحاضرة بين حداثتين، الحداثة وما بعد الحداثة، الأولى باتت كلاسيكية وكانت سمة من سمات الشك الذي يميز نهايات القرون، لذا حملت نهايات القرون غالبا تغيّرات ثورية، وكذلك نهاية الألفيات فإنها تضاعف قلق البشر وتضاعف مسألة البحث عن ملاذ للإنسانية في المدى المادي والروحي، ولذلك شهد الثلث الأخير من هذا القرن الموتور بإحساسه الزمني العالي الذي فاق سرعة كل القرون السابقة نقاشات في عملية تقويم إيجابية الحداثة "الأصل والفروع"، وقد ساعدت تقنيات ما بعد الحداثة على إلقاء الضوء على ما هو هامشي ومنسي ولا صوت له·
وأدت الحركات السياسية والإنسانية الجديدة والتطورات الدولية واختفاء المنظومة الاشتراكية والأحداث الجسام التي تستعين بتكنولوجيا الاتصالات والإعلام إلى تأكيد توجه "الهيمنة الثقافية" بعد الحداثة وانتقائيتها الحرة، وهي أن أمريكا تمثل الصورة السيادية وتعد مركز الهيمنة الغربية للعالم·
الحداثة الغربية·· باتجاه الهاوية
وفي تساؤل عما وراء ما بعد الحداثة وخارجها تقول د· زينات بيطار إن شيئا واحدا يبدو جليا وهو اشتداد عود الثقافات المحلية أو القومية أو الفرعية أو المهمشة على الرغم من تحييدها في خضم الدعاية والتقليد لبناء ثقافة كونية عالمية مركزها الغرب، وإن طروحات كثيرة ظهرت وفحواها أن الديمقراطية الراديكالية تتطلب منا أن نعترف بالاختلاف والتميز والتعددية، وإن النزعة الكونية مرفوضة، والغرب لم يؤسس ثقافته العالمية بمفرده منذ العصر اليوناني وحتى فن الحداثة، فما من ثقافة صافية مئة بالمئة عند غروب هذا القرن، وما من "ثقافة غرب" و"ثقافة شرق"·
ورأت أن التحسن الذي طرأ في علاقة ثقافة الغرب بالشرق كان بفضل ما طرأ على الشرق من تطور··وقالت نحن أمام ثقافة رأسمالية تتسلل إلى بيوتنا وعقولنا، وإن العالمية في الفن انطلقت من باريس وما بعد الحداثة انطلقت من أمريكا التي جعلت الفن يرتبط بالسوق الرأسمالية ويخضع للبورصة، وهذا أدى إلى خواء المركزية العالمية في نهاية القرن وانحدار الفن بعد انكسار مرايا الخلاف، وهكذا فإن الصعود الحداثي الذي كان في بداية القرن في الغرب اندفع باتجاه الهاوية في نهايته·
وقالت بيطار إن الحداثة التي كانت ضد مجتمعها وضد المركزية ارتبطت بعد الحرب العالمية الثانية بحركة الرأسمالية العالمية، فابتلعها منطق العصر التكنولوجي والاستهلاكي وتراجعت قيمة اليد والروح في إنجاز الأعمال الفنية أمام الليزر·
الحداثة الأصلية نسيج مشترك
غير أن فك رموز الحضارات القديمة كالمصرية والمكسيكية·· دفع الفنان إلى التأثر بقيم تلك الحضارات وتوظيفها، وهذا ما جعل حداثة باريس التي كانت كعبة الفنانين عالمية لأنها مثلت ملتقى الفكر الإنساني، وضربت على ذلك أمثلة كتأثر فإن غوغ ومانيه بالفن الياباني ، وغوغان بالفن الزنجي، وغوستاف ومورو بالاستشراق الإسلامي والأرابسك، وبيكاسو بالفن الإفريقي ·· لذلك تم تفكيك التراث الفني الشرقي والغربي وإعادة إنتاجه وفق رؤى انتقائية تجميعية توليفية استطاعت أن تجعل من حداثة الغرب الأصلية جذابة وقريبة إلى نفوس كل شعوب الحضارات الأخرى لأنها نسيج مختلط ومتنوع من كل هذه الحضارات·
ظاهرة "العالمية"
وعادت الباحثة إلى ظواهر العالمية السابقة كحملة الإسكندر المقدوني ثم تبني روما المعايير اليونانية وفرضها على الشعوب ، وانتشار الفن الإسلامي من الصين حتى بلاد الأندلس، وانتشار الفن القوطي الغربي المسيحي بنزعته العالمية، بالإضافة إلى روما عصر النهضة التي استفادت من اليونان والعرب والمسلمين والحروب الصليبية وتأثير الفاتيكان فأخذت القيم الإيطالية تنتشر·
وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأت المدارس المحلية بالظهور في البلاد الأوروبية، وبعد الثورة الفرنسية وحملات نابيلون بونابرت وما رافقها من نهب لتحف الشعوب أصبحت باريس عاصمة الحداثة وعاصمة كونية للثقافة يتجلى ذلك في متحف اللوفر على سبيل المثال·
الحداثة العربية ..بخير
وبالنسبة إلينا نحن العرب فقد ظهرت الحداثة في بلاد الشام ومصر لأسباب تاريخية وجغرافية وسياسية، وبدأ الاحتكاك مع الحداثة الغربية عبر رحلات الفنانين الأوروبيين إلى الشرق، بالإضافة إلى دراسة الفنانين العرب في باريس وقد بدأوا بالفنون الكلاسيكية الأكاديمية مع أن أوروبا كانت قد تجاوزتها، ويعزى ذلك إلى اختلاف القيم والذائقة الشعبية والاستعداد النفسي لما يفرزه الغرب·
أما المشهد الراهن في نهاية القرن فإنه يظهر بحسب رأي المحاضرة أنه لا قلق على مستقبل ثقافتنا الفنية، فقد استطعنا اللحاق بالحركة المعاصرة، وأصبح لدينا كوكبة من الرياديين الذين طورو فنهم لمصلحة النكهة المحلية، بالإضافة إلى انتشار الأكاديميات والمتاحف والمعارض·· بالإضافة إلى أن الهوّة والغربة بين الفنان التشكيلي العربي والمجتمع قد خفّتا ،كما أن الدولة أصبحت راعية للفنون، وبرز النقد الفني وظاهرة اقتناء الأعمال الفنية في البيوت والمؤسسات، كما تطورت فنون الأطفال·
ديلاكروا والمنمنمات الإسلامية
وعرضت المحاضرة سلايدات للمقارنة بين لوحات ديلاكروا الذي يعد رائد فن الاستشراق والمنمنمات الإسلامية، ولاسيما منمنمات محمد راسم الجزائري الذي طور فن المنمنمة في القرن العشرين بإدخاله البعد الثالث مستفيدا من التجربة اللونية الأوروبية، وأشارت الباحثة إلى تأثر ديلاكروا - نموذجا - بالفن الإسلامي ولا سيما المنمنمات، ويظهر ذلك في اختيار موضوعاته وعناصر لوحته ونمو اللوحة من الأسفل إلى الأعلى·
الحداثة الأمريكية ·· باهتة
وفي حوار مع الحضور قالت الباحثة في ردها على سؤال عن تأثير الحداثة الأمريكية، إن الحداثة الأمريكية ليست باهرة، واقتصر تأثيرها على فن "بوب آرت" وبصورة عامة لا بصمات مؤثرة لها· ورداً على مداخلة أخرى ترى أن تأثر ديلاكروا كان بشكليات الشرق فقط أما أسلوبه وتقنياته فظلت غربية، قالت المحاضرة: إن هناك دراسات كثيرة تؤكد تأثر ديلاكروا وإعجابه بالفن الإسلامي بالإضافة إلى مذكراته، وهو أول من غيّر نظرة الفن الغربي إلى الشرق·
وقالت إن التخلي عن المنظور في الفن الغربي لم يكن بتأثير الفن الإسلامي وإنما بتأثير الفنين الياباني والصيني كما نجد ذلك عند غوغان وسيزان ومونيه··