اللوحة كالقصيدة..
ركان الصفدي
"1"
اللوحة كالقصيدة ·· وإذا أردنا أن نتوسّع أكثر فإنها "نصّ" كتب بمفردات وعبارات وفقرات، وببلاغة ونحو وصرف وعروض، وفلسفة وفكر وسياسة واجتماع وأدب·· ولذلك هي لوحة تقليدية أو حداثية، عمودية أو حرة، رومانسية أو رمزية أو سريالية·· وتستطيع أن تقرأها بالمنهج الذي تشاء، بل إن من يعجز عن قراءة اللوحة يعجز عن قراءة القصيدة، والعكس صحيح، وإلا فإن هناك انفصاما ثقافيا، لأنّ الإنسان شخصية متكاملة فمن كان ذا ذائقة تستسيغ الفن السريالي فهو أميل إلى قراءة الأدب السريالي، ومن كان كلاسيكيا يعجب بالتناظر في اللوحة والمحاكاة الواقعية للأشياء والألوان الطبيعية فإنه ممن يميل إلى القصيدة العمودية برصانتها واتزانها وبساطتها··
اللوحة نصّ كتب بالفرشاة·· أحرفه أشكال ومداده ألوان وعباراته مساحات، وبلاغته علاقات لونية وشكلية، ومجازاته هي ذلك الخيال الذي يرمينا في فضاءاته اللونية وأبعاده البصرية والتأثيرية··
"2"
الفنّ التشكيلي ترمومتر تقدم الحضارة ومستوى المجتمع الثقافي والفنان التشكيلي مبدع حقيقي، وجوده الفاعل والمتميز يعني أن الهواء نقي والبحر أزرق شاسع، والدم يتدفق في خلايا الوطن ممرعاً بالجمال·
الفنّ التشكيلي بصمة البشرية الجميلة على الحضارة، على الزمان والمكان، إنه اللغة التي لا تتسع لها المعجمات، لغة توحّد البشرية، إنه موسيقا بصرية بصيرية·
اللوحة التشكيلية تمسك بك في لحظة هي عصارة العصور، تكثف الوجود ··تتصفحها بعينيك ·· تقرؤها ·· فتقرؤك·
"3"
منذ أقدم العصور والإنسان يحاول أن يمسك بالزمن بلوحة أو تمثال أو قصيدة أو ملحمة ·· والشعر العربي حافل بالتصوير، فقد كان "رسما بالكلمات" على حد تعبير نزار قبّاني وكان امرؤ القيس يجد المثال الأعلى لجمال المرأة في "التمثال" وقد دلّت الكشوف الأثرية أن "تماثيل" امرىء القيس في "قرية" بالجزيرة العربية كانت أهلا لتكون مثلا أعلى للجمال·
البحتري وقف منذهلا ومذهولا أمام نقوش إيوان كسرى ورسومه، فكان في لحظة غفلته عن واقعه أمامها "يتقرّاها بلمس" ليعود إلى راهنه، أما القصيدة الحديثة المعاصرة فهي لا تختلف عن اللوحة التشكيلية في شيء حتى إن الشكل الخارجي أصبح عنصرا جماليا في القصيدة·· وفي أوروبا كانت التحوّلات الكبيرة والمدارس الفنية لا تقتصر على فن من الفنون بل تشملها جميعا·
"4"
الفن التشكيلي · تقدّمي أبدا، لأنه يقدّم "وضعية" ترفع من مستوى رائيه أو قارئه، إذ إن المادة التي يتكون منها العمل الفني تحتاج إلى مهارة وحساسية ورؤيا، أي أنها تحتاج إلى مستوى فكري وعملي وجمالي متقدّم، وإلاّ كان العمل هابطا وساذجا·
والأمر الآخر، أن الفن التشكيلي بمفهومه السائد، هو حديث أيضا، كما أنه فنّ مدني بالدرجة الأولى أو بالأحرى فنّ حضاري، إذ إنه يمثل وعي البشر الجمالي في مرحلة زمنية وبيئة معينة، فلا يمكن أن نتصور فنا متطورا في الصحراء لأنها لا توفر أدواته ولا مناخه·
"5"
بعض الفنانين حاول أن يمزج بين الشعر واللوحة التشكيلية في حوارية عاطفية، كما فعل وليد عزت في مائياته حين أضاف إليها أبياتا من شعر ابن زيدون وغيره بل إن الفنانين الحروفيين يمزجون بين الفن والكتابة، وإن كان معظمهم يأخذ الجانب الشكلي من الموضوع·
هناك حوارية أخرى بين الفنّ التشكيلي والشعر ، كالمعارض التي أقيمت في دمشق تكريما لمحمد الماغوط ونزار قباني، وبعضها كان قراءات تشكيلية في قصائد عدد من شعراء الحداثة·
"6"
الفن التشكيلي في الكويت متطّور·· جدا، حتى إنه يتجاوز محليته ووضعيته الاجتماعية، والأمثلة كثيرة ، والمعارض التي تترى منذ أشهر تثبت ذلك، والاهتمام الرسمي بهم لا يخفى ·· ولكن:
أما آن أن يكون للفنانين التشكيليين مجلتهم المتخصصة؟
أما آن أن نهتم بنشر أعمالهم في كتيبات؟
أما آن أن يتواصل الفنانون والأدباء في الأنشطة التي تقام من أمسيات ومعارض؟
أما آن أن يكون في الساحة الثقافية ناقد تشكيلي ·· واحد؟