· الفترة البومدينية هي المعروفة في تجارب الجزائر الحديثة
· المواطن الجزائري وصل إلى المستوى الحرج مع المجتمع والسلطة
· الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي تخالف الدستور
· المنطق الثوري الإقصائي أفشل مشروع التعددية في إطار الوحدة
· الحركة الوطنية تراوحت في تعبيراتها السياسية بين الراديكالية والنزعة الإصلاحية الثورية والمسلحة
· الوضع السياسي لا يمكن أن يستعيد عافيته إلا بالاستقرار على هوية تمنح الشرعية للسلطة
· الإسلام هو الأسمنت الذي عصم الكيان الجزائري من الاضمحلال والزوال
· المسألة الأمازيغية مازالت عائقاً من عوائق التنمية والوحدة الوطنية
· الاختلالات الاجتماعية والأمراض المتوارثة عن الاستعمار أفرزت طبيعة سياسية مريضة
· الوضع اللغوي السائد اليوم ناجم عن المنطق الذي كرسته النخبة الفرنكوفونية
· غياب "الأدلجة" هو غياب للثقافة السياسية الواجبة للتعبير عن شرعية الدولة ومؤسساتها
ثنيو نور الدين**
تواجه الجزائر منذ سنوات جملة من التراكمات السلبية زادت من تعقيد الوضع وتأزيمه· فقد صارت الأزمة - كما يقال بحق - متعددة الأوجه والأبعاد، لم تسعف من الحد منها كل الإجراءات الإصلاحية التي التمستها السلطة من أجل تجاوزها وتخطيها·· لا بل تبين أن كل الوسائل والإمكانات التي سخرتها السلطة/ الدولة كانت في غير محلها، وليست من جنس الأزمة، ولا من صلب المرحلة التي تمر بها· فعلاوة على مجموعة القضايا والإشكالات والمسائل التي رافقت أوضاع الجزائر عقب الاستقلال الوطني في يوليو 1962، والتي لم يحسم فيها سياسيا واقتصاديا وثقافيا، لأنها متأتية من تأريخ الحركة الوطنية خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، فقد أضيف الى كل هذه المسائل المؤجلة قضايا أخرى ظهرت بسبب الممارسات السياسية بعد كل حدث سياسي كبير: انقلاب يونيو 1965 ووفاة الرئيس هواري بومدين في ديسمبر 1978، وأحداث أكتوبر 1988، وإلغاء الانتخابات التشريعية في يناير ومجيء المناضل السابق في الحركة الوطنية محمد بوضياف على رأس السلطة الجزائرية إثر انقلاب أبيض، ثم تداعيات المأساة التي جاءت فيما بعد والتي لم تشفع لتاريخ الجزائر المعاصر بأن يستفيد منها كتجارب ضمن التراكم الوطني الإيجابي لصالح مستقبل الوطن·
وهكذا، فقد تكثفت مجموعة هذه القضايا والمعضلات الناجمة عن جدلية السلطة والمجتمع لتفرز أوضاعا خطيرة في مسيرة شعب نحو استعادة وعيه بالوطن المستقل· فباستثناء فترة 1978-1965، وهي فترة التشييد الوطني، التي ساوقت المرحلة، وأرادت أن تستجيب لكل مقتضياتها والتعامل مع حقائق المجتمع والاقتصاد ضمن أفق عربي قومي حديث، فإن كل المعالم والمحددات قد ضاعت على الإنسان الجزائري، ولا يعرف من تجارب الجزائر الحديثة إلا الفترة البومدينية· ولعل ما هو إيجابي في هذه المرحلة هو تنامي شعور الجزائري بالانتماء الى مشروع الدولة وفق مقومات الأمة المتوارثة عن حلم الحركة الوطنية والمستوحي من أفق مشروع النهضة العربية·
لقد تدافعت إذاً جملة من المشاكل التي لم تعثر لها على حل، وطفت الى السطح، وكل ما سخر لها من إجراءات زاد من تعقيدها واستفحالها - كما سنذكر لاحقا - وأضحت اليوم تعمل على تفتيت المقومات وتوهين الخصائص التي عرف بها المجتمع الجزائري، ويتعرف من خلالها على نفسه· ودخل المجتمع في مرحلة هي بحق مرحلة التنمية المعكوسة (Croissance arebours)، بحيث تراجعت كل مؤشرات التطور لتسجل نكوصا في مجال النمو الاجتماعي البشري والاقتصادي، وفراغا فكريا وسياسيا خطيرا··· لم نتبين الى الآن المخرج السليم منه، لا بل أكدت أنها أزمة جاثمة، لا فكاك منها وكأنها عصية على الحل·
التطورات الأخيرة
لقد أكدت التطورات الأخيرة، أن الإنسان الجزائري وصل فعلا الى المستوى الحرج مع المجتمع والسلطة· فهذه الأخيرة تراجعت وابتعدت عن واقع المجتمع، لا تعبر عنه ولا تقيم معه أية صلة من صلات التمثيل الشرعي· فجل الرؤساء الذين تناوبوا على الحكم عقب وفاة الرئيس هواري بومدين، لم تفرزهم ثقافتهم السياسية ولا دورهم في المجتمع والدولة· كل ما في الأمر أنهم عينوا وفق منطق دوائر النفوذ في السلطة، وترك للشعب أمر تزكيتهم كحكام عليه· وقد أفضى تكرار ظاهرة عدم الاكتراث بإرادة الشعب كسلطة حقيقية لممارسة الحكم والتخلي عنه، أن طفت في الأعوام الأخيرة مسألة المواطن والدولة، وصارت تعالج كإشكالية خاصة في الصحف الناطقة بالفرنسية· ومنطوق الإشكالية يطرح على النحو التالي: الى أي مدى يستمر الإنسان الجزائري في أن يعتبر نفسه مواطنا في ظل غياب دولة تكثف معنى الجمهورية (أي الجمهور الواعي لحقوقه السياسية والمدنية ولواجباته حيال الدولة عندما تسرف في الإخلال بالتزاماتها بعيدا عن إرادة الشعب)· وعلى هذا النحو، بدأ الالتفات الى جهة الدولة لمعرفة مدى شرعيتها ودرجة الإنسان الجزائري في سلم المواطنة (La citoyennete)· فالمواطنة شعور متزايد بوجود الدولة كمعادل سياسي وقانوني للمجتمع والأمة·
كل هذا وغيره، اختزل المسألة برمتها الى ضرورة تسليط التحليل ومحاولة العلاج في طبيعة الدولة الجزائرية ونشأتها وأسباب الإخفاقات المتلاحقة في استثمار التجارب لاستكمال التأسيس· فالمعاينة القريبة والمتابعة لتطور مؤسسات الدولة، وكيفية ظهورها، تؤكد من ضمن ما تؤكد عليه أنها مازالت في طور البناء، وفي حالة المراوحة في مكان التعثر·
بناء الدولة
هناك ثمة حقيقة نجمت عن تجربة بناء الدولة في الجزائر، وهي أن البناء لم يكن يتم داخل مفهوم الدولة الذي يتطور مع تطور المؤسسات كتعبير عن السيادة، ولم يكن لصالح فكرة الاستيعاب للمرافق العامة كتعبير سيادي عن المجتمع المدني· فقد قام الدليل القوي على فساد مشروع البناء لمؤسسات ديمقراطية، عندما منح المجتمع ولأول مرة في تاريخه لكي يعرب صراحة عن رأيه في انتخابات تشريعية متعددة لعام 1992، فسرعان ما وئدت التجربة في مهدها لتفصح بأكثر من تعبير عن خلو التاريخ السياسي من الرصيد الديمقراطي· وإن الدولة ليست في التحليل الأخير أكثر من دوائر تقع داخل السلطة وخارجها·
أما الشاهد القوي الذي يستوقف الباحث ويدعوه فعلا الى إعادة التفكير والسؤال في مقومات الدولة، فهو الخطاب السوداوي الذي ساد ولا يزال منذ أكثر من عشر سنوات·
فالخطاب سواء الرسمي أو الفكري أو حتى الصحفي يؤكد على إخفاق التجربة، ويدعو في الوقت ذاته الى إعادة النظر والتفكير في أسس الدولة ومنطلقاتها، وهوية المجتمع وتاريخه· فالخطاب الذي ساد منذ إلغاء الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991 يعطي دائما صورة سوداء عن التجارب السابقة، ويدعي أنه يسخر نفسه لتجاوزها وتخطيها· أما على صعيد الخطاب الفكري فيمكن أن نقرأ الكتابات الأخيرة للمفكر والكاتب الجزائري مصطفى الأشرف، الذي يؤكد الحقيقة التالية: أن الجزائر تعاني مشكلة عويصة مع الزمن، وغياب الحد الأدنى من القاعدة الضابطة والمبررة لوجود الدولة، أي الحد الأدنى من شروط تسيير الدولة في صورتها العادية، القاعدة النمطية (La normalite)، وعدم قدرة الدولة على استغلال المقتضى النوعي (Lصexigince qualitative) الذي يحمل على تجاوز الأوضاع المتردية، بالاستغلال الأمثل للقدرات الذاتية للمجتمع وبخاصة ذخيرته التي أظهرها أيام الاستعمار· والمقتضي النوعي في الجزائر، كما يرى مصطفى الأشرف، يتمثل بخاصة في النأي عن الاتجاه القومي البعثي وعن العصر الديني المنقرض، كما أن الأمر لم يختلف عند مثقف من الجيل الجديد ورئيس حزب التجديد الجزائري الذي يكتب عن أوضاع السلطة والمجتمع تحت هاجس الحلم بتجاوزها، ولا تخلو كتاباته من الرؤية السوداوية·
أولا: في أزمة الهوية
اعتادت بعض الأقلام الجزائرية وغير الجزائرية على وصف الوضع الذي تجتازه الجزائر بأنه أزمة متعددة الأوجه، وبأنه خطير جدا، ولكن قلما تشير الى ما هو أخطر من ذلك وهو شح الدراسات والبحوث التي يجب أن ترافق هذا الوضع وتعبر عنه· وانعدام هذه الدراسات، يجعل الأمر عصيا على الحل في القريب، ويضع علامة استفهام صعبة لغياب إمكانية تصور استراتيجية الحل· فالغموض الذي لا يزال يرافق الوضع السياسي فرض الكثير من الظلال على المشكلة الجزائرية برمتها، ورشحها لتوضع بين قوسين لانعدام القدرة على الحسم في إشكاليتها·
لقد تسارعت الأحداث الأخيرة لتزيد من تعقيد المشكلة وتعطل إمكانية الوضوح، ودفعت بعناصر جديدة زادت من كثافة التعتيم، وحالت دون الرؤية السليمة لجوهر المشكلة التي تجد تعبيرها القوي في أزمة الهوية· ولعل الذي يضاعف من صعوبة التطرق الى موضوع أزمة الهوية هو أنها تدرس وتعالج باللغة الفرنسية، وبخاصة بعد تداعي مشروع بناء الدولة الحديثة· وهكذا، يصبح الحديث عن مسألة الهوية الجزائرية حديثا مشروعا ومسوغا لأن الوضع السياسي لا يمكنه أن يستعيد عافيته إلا بالاستقرار على هوية تمنح الشرعية التمثيلية للسلطة، أية ضرورة توفر الشرعية الثقافية (مقومات الهوية) في التمثيل السياسي والنيابي التشريعي ليطمئن الشعب الى سلامة إرادته في الاختيار، لأنه في السابق، مارست السلطة تكتيك الاستمرار في الحكم، وسياسة عدم ترك المشاريع التي تؤسس على مقومات الهوية، لأن تنضج وتكتمل لتصبح مرجعا شرعيا ومعيارا أصيلا في الحكم· فقد سعت السلطة منذ أكثر من عشرية الى إجهاض التجارب التي تحقق التراكم التاريخي والإضافات النوعية حتى لا تصبح مقياسا للشرعية السياسية وتولي الحكم· ثم صار الأمر مع دستور 1966 أشبه بمحاولة تربيع الدائرة، بعد ما صادرت الدولة كل مقومات الأمة (اللغة والدين) وأصبحت ملكا لها، وليس للشعب الذي حرم من بناء مشروعه التنموي من وحي مقوماته الذاتية·
عوامل بناء الهوية
وقبل أن نشير الي ما ورد في نصوص الدستور الجديد حول مقومات الأمة (الهوية الوطنية)، نذكر أن العوامل التي يمكن أن نعول عليها في بناء الهوية، وتحقيق مشروع الدولة بوحي منها لم تعد صالحة كعناصر للبناء، ونقصد بذلك اللغة المتداولة حاليا والدين والكيفية التي يمارس بها والنظام (Statut) الذي أعطي له· فقد تأثرت اللغة العربية في الاستخدام اليومي والعلمي، وتراجعت عن ملكة التفكير، وفي الاجتماع العام الى درجة أفرزت مشكلة التعبير عند الجزائريين، وبالتالي مشكلة الإبداع الفني والجمالي والعلمي· كما أن الدين الإسلامي أصيب بانتكاسة في الوعي الجماعي كمقوم جوهري للمجتمع الجزائري، حيث خبت جذوة تنمية الإنسان الجزائري بواسطة القوة الروحية كأفضل سبيل للتنمية البشرية·
جاء في ديباجة دستور 1966، ما يلي: "كان أول نوفمبر 1954 نقطة تحول فاصلة في تقرير مصيرها (الجزائر)، وتتويجا عظيما لمقاومة ضروس، واجهت بها مختلف الاعتداءات على ثقافتها وقيمها، والمكونات الأساسية لهويتها وهي الإسلام والعروبة والأمازيغية، وتمتد جذور نضالها الى اليوم في شتى الميادين في ماضي أمتها المجيد"·
تُبقي هذه الفقرة المقومات الأساسية للهوية الجزائرية في موقع الدفاع على أساس أن تكوينها قد تم في الماضي، في ظل الصراع والهجمات الاستعمارية التي عرفتها الجزائر عبر كل الحقب والعصور· ولا تعطي الفقرة السابقة في الوقت ذاته أية إمكانية لمقومات الهوية من أن تدرج ضمن البرامج التنموية الشاملة على اعتبارها الرأس مال الرمزي - بحسب تعبير بيير بورديو· فما يوحي به النص أن كل المقومات قد اكتملت في لحظات الاستعمار والغزو· فالإسلام دين الدولة (المادة 2) واللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية· ولم ينص الدستور على وضعية الأمازيغية ضمن مجال الدولة، أي لم يحدد طريقة مصادرتها· أما صور المصادرة لهذه المقومات فقد تمت على الشكل التالي: تأسيس مجالس عليا تابعة لرئاسة الجمهورية: المجلس الأعلى للغة العربية والمجلس الإسلامي الأعلى (المادتان 171 و172)، والمحافظة السامية للأمازيغية·
تسييس الهوية
إن إدراج مقومات الهوية الوطنية ضمن المجال العام (الدولة) أفضى الى تسييس مسألة الهوية، لأنها تحتاج من المطالبين بها ضرورة إخراجها من الحيز العام القانوني الرسمي الى الحيز الاجتماعي والخاص· ودستور 1966 حول مسألة مقومات الهوية يعتبر في حقيقة الأمر استمرارا أمينا للدساتير السابقة من حيث إبقائه على عناصر الهوية ضمن المجال العام· ومن هنا جاءت هذه المصادرة لعناصر الهوية الوطنية بمفارقات خطيرة· فكل الأزمات التي شهدتها الجزائر في العقود الماضية تتمثل في محاولات استعادة المجتمع لمقوماته الذاتية: أحداث ربيع 1980 المتعلقة بالمطلب الأمازيغي، إلغاء الانتخابات التشريعية لعام 1992 وتداعياتها بسبب وشوك وصول التيار الإسلامي الى الحكم· وما زالت تفاعلات هذه الأزمة تزداد حدة وتوترا بسبب مصادرة الدولة لمقومات الأمة·· ولا يبدو أن نهاية الأزمة وشيكة ما دام الوضع على ما هو عليه·
أما الصورة الأخرى التي وردت في الدستور المتعلقة بمصادرة الدولة للقيم والمكونات الأساسية للهوية الوطنية، فتتمثل في ما جاء في المادة 42: "في ظل احترام أحكام هذا الدستور لا يجوز تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جنسي أو مهني أو جهوي· ولا يجوز للأحزاب السياسية اللجوء الى الدعاية الحزبية التي تقوم على العناصر المبينة في الفقرة السابقة"· هذا هو النص، أما الواقع فقد أكد شيئا مناقضا تماما وهو عدم قدرة الأحزاب السياسية مباشرة نشاطها السياسي إلا بالارتكاز على هذه العناصر الأساسية لأنها من احتكار السلطة· والنشاط السياسي يعرف بأنه قيام الأحزاب بتحديد تجاوزات الدول لسلطتها· وهكذا، نجد أن الأحزاب تأسست ليس لنص الدستور على ذلك، وإنما للتوكيد على عناصر الهوية، ساعدها في ذلك أن مقومات الهوية مدغمة في صلب السلطة السياسية بدلا من أن تكون ضمن مجال المجتمع المدني·
تأسيس الأحزاب
فقد تأسست أهم الأحزاب السياسية العاملة في المجال السياسي وهي تستند الى مقوم من مقومات الهوية: الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حركة المجتمع الإسلامي (حماس)، حزب التجمع الثقافي الديمقراطي (الثقافة الأمازيغية)، حزب العمال (مهني)··· وهكذا، وفي المحصلة النهائية، بقي على السلطة التي جاءت بعد الانتخابات الرئاسية لعام 1995 أن تؤسس حزبها ويكون لسان حاله التحذير من مغبة الانقسام والتشرذم عبر صياغة خطاب رسمي يستعطف الجمهور نحو مشروعه القائم على تأليب التيار الإسلامي ضد التيار العلماني الاستئصالي والعكس· وكان هذا حزب السلطة الجديد (التجمع الوطني الديمقراطي)، الذي لعب على سلبيات المشروعين الإسلامي والعلماني دون أن يقدم أي مشروع بديل، وعلق وجوده على إدانة الصراع بين الخيارين الإسلامي والعلماني· فالدولة اليوم هي محصلة تناقض لاختيارات المجتمع المدني·
وإذا كان لنا أن نقيم تاريخا موازيا لوضعية الجزائر الحالية، نجد ذلك في ما يوفره تاريخ الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي· فقد استمر تقريبا الخطاب التشريعي السياسي نفسه الذي واجهت به السلطة الفرنسية الأهالي الجزائريين··· كيف؟
من جملة الأخطاء التي ارتكبتها القيادة السياسية التي جاءت بعد الاستقلال، أنها لم توفر مجالات (espaces) ملائمة لكل الأطراف التي ساهمت في النضال والكفاح والمقاومة السياسية والمسلحة· فقد كان الخطاب الثوري العنيف الذي واجهت به الحركة الوطنية الاستعمار هو نفسه الذي تداولته السلطة الجديدة مع الشعب المستقل عن الاستعمار· فبدلا من سيادة منطق البناء السلمي للمجتمع والدولة ساد المنطق الثوري الاقصائي الذي فوت فرصة غالية جدا لإمكانية استيعاب جميع الأطراف السياسية والاجتماعية ضمن مشروع التعددية في إطار الوحدة· فقد كان هناك اليسار الثوري واليمين البرجوازي والفكري والتقليدي، والمحافظ والإصلاحي الديني والسياسي·· وكلها كان يحتاج الى فضاءات جديدة حتى يتمكن من تجديد خطابه ويعيد الحيوية الى نواته الحياتية·
حاجة ماسة
كانت الحاجة ماسة الى عدم الاستغناء عن كل هذه التيارات والحركات لما كانت تمثله من قيم وتنويع تاريخي يمنحها مشروعية مواصلة الحياة في إطار آخر غير الإطار الاستعماري، باعتبارها قد ساهمت في التخلص من الحيف الاستعماري وفق مخزونها التاريخي ووعيها السياسي، الى أن تتماهى الأجيال اللاحقة ضمن الشروط الجديدة التي تحتاج إليها الجزائر، وتكون بالتالي مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة قد استفادت من كل الإمكانيات التي تقتضيها المرحلة· لكن·· ما تم هو البحث عن الوعاء والقالب السياسي المكين الذي تنصهر فيه كل القوى السياسية والاجتماعية وطرح كل من لا يرغب الانصهار في الوعاء·
إن المثال الذي يمكن أن نسوقه من تاريخ الجزائر الحديث لندلل به على خطأ مصادرة مقومات الهوية من طرف السلطة هو مثال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست عام 1931، في ظل القوانين الفرنسية السارية في الجزائر· فقد حددت هذه الجمعية لنفسها مجالا يكون بمثابة الفضاء الذي تنشط ضمنه، وهو المجال الديني والأخلاقي الاجتماعي، مع التوكيد في المادة الثالثة من قانونها الأساسي على عدم اشتغالها بالسياسة صراحة، لأن السياسة كما يراها العلماء تقع حصرا ضمن دائرة السلطة وحكرا على أولئك الذين يتمتعون بالمواطنة الفرنسية·· وهو ما يتوافر لأعضاء جمعية العلماء وأنصارها·
قانون الفصل
هذا على صعيد النص الذي وافقت عليه السلطات الفرنسية العامة وأعطت اعتمادها له بعد شهر من تاريخ إيداعه· فقد كان بناء على قانون الفصل (علمانية الدولة الفرنسية) لعام 1905 أن السياسة مجال عام غير قابل للتخصيص، أي لا يدخل في المجال الخاص، وأن الدين لا يمكن أن يدرج ضمن صلاحيات السلطة الحاكمة· غير أن مبدأ الفصل، نجحت الحكومة الفرنسية في تحقيقه لما كان الأمر يتعلق بالدين المسيحي الذي ترك أمره الى الجمعيات ورجال الدين، أما في شأن الإسلام فقد احتفظت السلطة لنفسها بحق تسيير شؤون العبادات والشعائر الإسلامية، مما تبلور في ما أصبح يطلق عليه في الأدبيات الفرنسية في ذلك الوقت الإسلام الجزائري (LصIslam algerien)· ولعدم قدرة الإدارة الفرنسية ترك أمر الإسلام الى أهله، فكان أن التجربة أكدت استحالة تطبيق مبدأ الفصل على الحالة الإسلامية التي أبت الانطواء ضمن المجال الخاص بالدين المسيحي، لأن الإسلام كممارسة في المجتمع الجزائري أكد لدى السلطات العامة استحالة عدم تداخله مع السياسة· وهذا هو الوجه الأول لإخفاق احتكار السلطة للدين ومصادرته عن الجمهور· أما الوجه الآخر لهذا الإخفاق، فهو ما أكدته تجربة جمعية العلماء ذاتها· فقد تبين أن ما تمارسه الجمعية يندرج ضمن العملية القبلية التي تقتضيها نشأة الدولة الحديثة، أية تنمية الشعور بمقومات الأمة وتوضيح عناصر الهوية كشرط لازب للبحث عن التنظيم السياسي لها· فانصب نشاط العلماء في محاولة استعادة الوعي وإعادة امتلاك مقومات الشعب وإدراجها ضمن شروط النهضة العربية الحديثة، كما كانت تجري في العالم العربي والإسلامي·
وهكذا استحال على السلطات الفرنسية تحديد المجال الذي يفصل ما هو ديني وما هو سياسي في نشاط جمعية العلماء وتصورها، عندما وجدت أن النشاط الأخلاقي للعلماء يحمل الدعوة الى وعي اجتماعي عام (أي التشريع الى كل الناس)، وأن الوعظ والإرشاد الديني يمارسان بوعي اجتماعي عام أيضا، وكذلك محاربة الآفات الاجتماعية، حيث سخر العلماء لمحاربتها خطابا ونشاطا يهم المجتمع كله وفي جميع الأرجاء· فقد كان الدين أفضل قاسم مشترك للجميع· ولعل هذا ما يوضح من جملة ما يوضح تناقض المنظومة السياسية والتشريعية للقوانين الفرنسية مع منظومة فكرية وتشريعة أخرى لا تقيم مبدأ الفصل بين ما هو سياسي (المجال العام) والمجال الاجتماعي الديني (المجال الخاص)·· وقد اعتبرت في نهاية المطاف، وبناء على تراكم النشاط الإصلاحي، جمعية العلماء حزبا سياسيا، وأصبح يطلق عليها في الأدبيات السياسية وفي البحوث التاريخية حزب العلماء (Le Parti oulemas)، ويجري التعامل معها كقوة سياسية، استطاعت أن تضفي الطابع العام على المجال الذي نشطت فيه، أي الأخلاق والدين والمجتمع·
الدين والسياسة
هذه هي إذاً إشكالية الدين والسياسة كما طرحت إبان الحكم الفرنسي في الجزائر، أما استمرار طرح المسألة العلمانية اليوم، فهو طرح غير إجرائي وليس له ما يعادله موضوعيا لغياب المبرر· فالشعب الجزائري كله مسلم وقد ثبت أن الإسلام هو الاسمنت الذي عصم الكيان الجزائري من الاضمحلال والزوال· وطوال عهود الاستقلال لم تطرح المسألة العلمانية إطلاقا إن على المستوى الفكري أو المستوى التشريعي· وكل ما في الأمر أن العلمانية صارت في العشرية الأخيرة مطلبا حزبيا من ذوي التوجه الفرنكوفوني، فاستغلت الفضاء التعددي لتستأنف الحديث في الموضوع، ولكن في غير السياق التاريخي للاستعمار الفرنسي·
لم تطرح المسألة العلمانية في الخطاب الرسمي ولا في خطاب المعارضة بصورة واضحة، فالكل يتغاضى عن الحديث عنها، وخصوصا أن السلطة/ الدولة تفتقر الى ثقافة وطنية تريد تحقيقها· فالخطاب الرسمي (دستور 1996، والقوانين العضوية التي تلته) هو تحصيل متنافر لكل ما تريده الأحزاب وما لا تريده سواء أكانت علمانية أم إسلامية أم ذات نزعة وطنية· أما الأحزاب التي طرحت مبدأ الفصل ما بين الديني والسياسي، فقد طرحته على مستوى المطالب فقط ولم تتعده الى اجتهاد يشفع لهاذ المطلب، وكل نضالها السياسي يختزل في نقد النزعة الإسلامية والخطاب الرسمي الشاحب· فإذا كانت العلمانية موقفا من الدين ومن الدولة فإن الأحزاب التي تدعي مبدأ الفصل لم تقدم أي اجتهاد في عدم شرعية أو إجرائية جمع الإسلام للدين والسياسة/ الدولة، ولم تقدم ما يؤازر توجههم العلماني من داخل التجربة العربية الإسلامية، لأن خطابهم بقي في نهاية المطاف صدى باهتا لما كان يجري زمن الاحتلال الفرنسي·
في ظل إغفال إشكالية علاقة الدولة بالهوية الوطنية تطور المجتمع الجزائري وبصورة خاطئة في علاقته بالسلطة/ الدولة التي اغتصبت منه عناصر هويته· فإذا كان الشعور باغتصاب الهوية، في ظل الاستعمار الفرنسي، قد تم على أعقاب الحرب العالمية الأولى وخطاب الأممية الاشتراكية وتيار حركة النهضة العربية، فإنه في ظل الاستقلال، بدأ الشعور بفقدان الهوية، بعد الانسداد الذي انتاب السلطة بسبب مصادرتها لمقومات الأمة وعدم بلورتها في المشاريع التنموية الشاملة·
تحرير عناصر الهوية
واليوم، يشعر المجتمع المدني بضرورة تحرير عناصر الهوية من الخطاب الشعبوي وإدغامه ضمن فضاء جديد يساعد على تحديد ملامح المجتمع والدولة وقسماتها، لأن الصراع الذي أخذ شكل العنف المدمر يعزى في جزء كبير منه الى محاولة تصفية احتكار السلطة لمقومات الهوية الوطنية· فقد كان هذا الاحتكار عائقا كبيرا وخطيرا في الوقت ذاته، حرم الجزائر من الوصول الى حالة الانسجام مع الذات· فالقراءة التاريخية الموازية لما يجري حاليا تؤكد من ضمن ما تؤكده، أن الصورة التي لازمت ذهنية رجال الحركة الوطنية والإصلاحية حول الشخصية الجزائرية هي الشخصية المسلوبة التي اقتضى لتحريرها استخدام العنف (حرب التحرير 1962-1954)، وتبين بعد ذلك أن هذه الصورة قد استمرت وبقي موضوع الشخصية الجزائرية يثأر بصورة إشكالية تقوم على مناهضة الاغتصاب والاستلاب في ما يشبه لعبة المرايا التي تعكس الصورة المناهضة للوجه·
وجاء الامتحان الصعب لمؤسسة الدولة مع أول تجربة للديمقراطية عام 1991، الذي أشر على وجود مسافة ساحقة بين السلطة (المقررون الكبار، السلطة الخفية، السلطة الفعلية) والمجتمع الجزائري· وتصدعت السلطة مع أول رياح الديمقراطية وسقط كل الغطاء الأيديولوجي الذي استندت إليه· ومنذ ذلك الوقت وحالة التشرذم لا تني تتفاقم لتتفاعل مع محددات أخرى وتزيد من تعقيد المشكلة وصعوبة الخروج من المأزق· فقد تبين أن السلطة/ الدولة لم تروج لخطاب أيديولوجي فاسد حول الهوية الوطنية فحسب، وإنما كشفت التجربة عن خلل خطير في بنية السلطة ذاتها التي لم تكن تتوفر على الشرعية الثقافية المتكئة سلفا على المقومات الاجتماعية للشعب، بمعنى، أنه كان لزاما على ممثلي السلطة أن يمارسوا حكمهم في ضوء هوية الأمة وأن يتم اختيار أكفأ الرجال وأجدرهم تمثيلا للشرعية الثقافية حتى يستطيع أن يعبر بصورة رمزية عن سيادة الشعب وإرادته·
المسألة الأمازيغية
من الأوجه الأخرى المعبرة عن أزمة الهوية، ما يعرف بالمسألة الأمازيغية التي يعود محددها التاريخي الى عام 1949، حيث طرحت في جانبها الإشكالي السياسي كمطلب من مطالب التمثيل الأمازيغي في هياكل الحركة الوطنية (حزب الشعب الجزائري/ حركة انتصار الحريات الديمقراطية)· ومنذ ذلك الوقت والمسألة مؤجلة في جدول أعمال الحزب والدولة والخطاب الرسمي، لكن تداعيات التأجيل والتسويف، ما لبثت تفاقم من حدة المشكلة، وخصوصا إبان الربيع البربري لعام 1980 وفي أعقابه· ولا تزال المسألة الأمازيغية فارضة ظلالها ومستمرة، محددة لنفسها معالم سياسية وجغرافية نتيجة ضياع فرص عدة لإمكانية استيعابها ضمن المجهود الوطني الشامل حتى تصبح رصيدا بدلا من أن تكون عائقا من عوائق التنمية والوحدة الوطنية·
لقد أخفقت السياسة في معالجة مشكلة ثقافية لأنها ليست مشكلة سياسية· فإنشاء المحافظة السامية للغة الأمازيغية تابعة لرئاسة الجمهورية لا يعني في ظل طبيعة السلطة/ الدولة الحالية إمكانية ازدهار اللسان الأمازيغي، وإنما يعني مصادرة المطلب الأمازيغي، حتى لا يحول الى مصدر إزعاج للسلطة وإعاقة مؤسساتها· فقد كان بالإمكان أن يجد التعبير الأمازيغي حله الحقيقي ضمن مجال الثقافة المتحررة من إسار السلطة وخطابها، ليكشف عن إمكاناته الذاتية، وبخاصة عندما تطرح الأمازيغية ضمن إشكاليتها التاريخية وسياقها الخاص بها: ما هي الخلفية الحقيقية للمطلب الأمازيغي، هل هو الأمازيغية أم الفرنكوفونية؟ ولعل صرف النقاش عن هذا الموضوع - والدولة لم تكن بعيدة عن ذلك - هو الذي أفضى الى تفاقم مشكلة التعبير (Probleme dexpression) أي الإفصاح عن كينونة المجتمع الجزائري كمجتمع حي·
ضرر كبير للغة العربية
ونجم عن سياسة المصادرة والتعطيل وصرف النظر هذه، أن لحق اللغة العربية ضرر كبير، بسبب حرمان المجتمع من عدم الالتقاء بذاته ومواجهة تحدياته ومشكلاته الحقيقية كوسيلة للبحث عن الانسجام مع الذات· فقد تردت اللغة العربية وتدهورت بصورة خطيرة، وأضحت علامة بارزة جدا على ضعف المجتمع وكأنه فقد رشاده، وأصبح يهدر ويسرف في تبذير إمكاناته وثرواته المادية والمعنوية، وكأنه يستنزف ذخائره وودائعه وكل المخزون الذي لديه، وكأنه حدس وشوك الكارثة·
ومن جملة الأشياء التي كشفت عنها تطورات ما بعد الاستقلال حول مسألة اللغة في الجزائر هو أن الفرنكوفونيين (دعاة الإبقاء على اللغة الفرنسية كلغة تداول إداري وثقافي واقتصادي في الجزائر) لم يكونوا بعيدين عن مسؤولية حرمان المجتمع من التطور العادي مع العربية كلغة تداول تساعده على التنمية الاقتصادية والإفصاح عن شخصيته القاعدية، ومن توظيف عمقه التاريخي والحضاري في التفاعل مع الوطن العربي والعالم الإسلامي· فالجزائر، هي البلد الوحيد في الوطن العربي الذي حرم من الثقافة العربية زمن الاحتلال، وحرم أيضا بعد الاستقلال، وعن قصد سافر بعد مرحلة السبعينيات، بسبب تولي النخبة الفرنكوفونية زمام السلطة اللغوية والسيطرة على الاقتصاد والإدارة والإعلام، ولم يترك المجال لإمكانية تفاعل المجتمع الجزائري مع الزمن الثقافي العربي العام·
إن الوضع اللغوي السائد اليوم كله ناجم عن المنطق الذي كرسته النخبة الفرنكوفونية عندما اعتبرت أن اللغة الفرنسية في الجزائر غنيمة حرب كما قال كاتب يسين· فتصرف ورثة الإدارة الفرنسية مع اللغة الفرنسية كنفع مادي يجب عدم التفريط فيه· وهكذا، يمكن القول إن مصادرة مقومات الهوية الوطنية ونبذها كمعيار للشرعية السياسية أفضى الى النتيجة المعروفة بمقولة تحصيل الحاصل، الذي لا يجدي معه اتهام اللغة العربية بالقصور ولا المعربين بالتقصير لغياب الثقافة كسلطة·
ثانيا: أمة تبحث عن الدولة
ما زالت مشكلة بناء الدولة الوطنية الحديثة تطرح على مجموعة الدول التي خضعت للاستعمار الأوروبي· والجزائر من المجتمعات التي سعت خلال حقبة الاستقلال الى بناء الدولة الوطنية الحديثة وفق ما كانت تطمح إليه رموز الحركة الوطنية، بداية من العشرينيات· واستمرار طرح هذه المشكلة يعني من جملة ما يعنيه عدم استكمال المؤسسات الشرعية التي تعبر فعلا عن مدلول الدولة الحديثة، كما يعرفها الفقه السياسي والقانوني الحديث والمعاصر·
والجزائر، شهدت خلال عهود الاستقلال عثرات عدة لمحاولة إرساء دعائم الدولة الوطنية، وتحقيق التنمية الشاملة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أملا في تقريب الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتسيير المؤسسات وفق تمثيل شرعي يمارسه المواطن بوعي منه على أن السلطة هي الجهة الرمزية المثلى التي تكثف المعنى السامي لمقومات الأمة والمجتمع·
واليوم، في ظل البحث عن الديمقراطية كإطار للاختلاف والتعددية، نجد أنه لا مناص من الاعتراف بالشيء ذاته للتاريخ الجزائري السابق وبخاصة منه تاريخ الحركة الوطنية، الذي عبر عن مواقف ومشاريع مختلفة، أعربت بهذه الطريقة أو تلك عن حلم وطموح لترقية الإنسان الجزائري ومجتمعه· والإقرار بمبدأ التعددية، هو بدوره اعتراف تاريخي بعدم إمكانية فرض خط سياسي أو موقف سياسي واحد على كل أساليب التسيير والتعامل السياسي مع أحداث التاريخ· فالاعتراف بالتنوع الاجتماعي والسياسي والفكري، يفضي - لا محالة - الى ضرورة البحث عما يوفره كل حزب أو قوة سياسية أو اجتماعية أو فكرية في كل ما كان يعرف زمن الاحتلال بالمسألة الجزائرية/ الأهلية، والقضايا المرتبطة بها· فلم يكن بوسع خطاب سياسي واحد أن يستوعب كل تطلعات وحقائق المجتمع الجزائري في علاقته بفرنسا وببقية العالم، كما لم يكن بوسع تشكيلة سياسية وطنية واحدة الهيمنة على المشهد السياسي العام·
تعددية وجهات النظر
إن لحظة التطلع الى الديمقراطية، تقتضي من جملة ما تقتضيه الاعتراف بتعددية وجهات النظر الى التاريخ نفسه باعتباره صانع الديمقراطية كنظام حكم وأسلوب حياة ومجتمع وأمة· والإقرار بالتعددية جاء بدوره من ضغط ضرورة فهم التاريخ القريب منه والبعيد· فقد سادت الى عهد قريب ولا تزال محاولات تبرير المواقف السابقة، وفرض خطاب معين على بقية خطابات التوجه نحو الحرية وتعددية الاقتراح والرأي، بعدما باءت جميع محاولات الاحتواء السياسي ضمن نمط واحد بالفشل النهائي·
إن إشكالية البحث في تاريخ الحركة الوطنية، باعتبارها الوعاء التاريخي لفكرة الدولة والأمة، هو محاولة للخروج من الرؤية النمطية الواحدة التي سادت الى اليوم، وتحليل الخطاب الوطني في ظل ما يسمح به ويبرره الإطار التعددي الجديد، لأن خطاب الحركة الوطنية في ماهيته خطاب تعددي عبر عن الوطن بأكثر من صوت· فإذا كان المؤرخون والباحثون يعمدون دائما - في الظروف العادية لمجتمعاتهم وشعوبهم - الى إعادة التفكير في تاريخهم وفق اهتماماتهم الجديدة ومقتضيات العالم والعلم المعاصرين واللحظة الثقافية التي يمرون بها كشرط لازب، لتجاوز الأوضاع وكجزء من سيرورة التاريخ نفسه، فإنه في مثال الجزائر، تصبح إشكالية إعادة قراءة تاريخ الجزائر وكتابته أكثر من ضرورة لطابعه الإشكالي بالذات·
قراءة الخطاب السياسي
وإذا كانت التطورات اللاحقة على مرحلة الاستقلال قد أفصحت بشكل بالغ عن تعثر بناء الدولة الحديثة، فإن الحاجة تصبح اليوم ماسة جدا لإعادة قراءة الخطاب السياسي الوطني في كل تعبيراته وبخاصة منه الخطاب المنسي والمهمش الذي يكون قد احتوى على أوجه أهملها الخطاب الأيديولوجي الرسمي للسلطة· وقد تلاحقت مجموعة من البحوث والدراسات والمذكرات والشهادات مؤخرا ينبه كلها الى أخطاء انطلاقة ما بعد الاستقلال وسيرورته بسبب إغماط ما نبهت إليه أطراف سياسية أخرى·
لم تنتج الحركة الوطنية نصوصا كبرى تبحث وتوضح مسألة الدولة والأمة، كما لم تمعن التفكير مليا في مقومات الدولة المنشورة من داخل التجربة العربية والتاريخ الإسلامي· فكل ما توافر من خطاب الحركة الوطنية حول هذه المسألة هو بعض المعاني التي جاءت في صيغة مطالب لا تنم عن تراكم معرفي سابق يأخذ بما توصل إليه الاجتهاد السابق· ولعل غياب الثقافة السياسية التي تعالج موضوع الدولة، والأمة، ومفهوم الدولة/ الأمة (Etat/Nation) استمر يلازم القادة السياسيين ما بعد الاستقلال· فقد شرع في بناء الدولة الحديثة من دون صرح أيديولوجي تتوكأ عليه منطلقات البناء، وتكون في الوقت ذاته إطارا مرجعيا من حيث التصحيح وحصول الإجماع (Consensus)·
في تعريفه للدولة الحديثة، يستعين الباحث والمفكر المغربي عبدالله العروي بأفكار ابن خلدون وفيبر وغرامشي، وينتهي الى أن الدولة، تعني المجتمع السياسي مبنية على أدلجة (Ideologie) وعلى جهاز، وتجسد الأدلوجة مفهومي الشرعية والإجماع، ويتكون الجهاز من البروقراطية المدنية (القلم) والعسكرية (السيف)· ثم يوضح العروي أن الدولة العصرية لا يمكنها أن تعود رمز المجتمع السياسي إلا إذا أوجدت أدلجة دولوية (Ideologie etatique)· والأيديولوجيا هي الصرح الأدبي الذي يجب أن يتوافر مع جهاز الدولة القمعي (القوة المادية)· وفي مثال الجزائر، يعني البحث في خطاب الحركة الوطنية خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، بمثابة البحث عن المقوم الغائب في بناء الدولة الوطنية الحديثة، أي غياب المرجعية والمضمون الأيديولوجي الذي يتعرف من خلاله أفراد المجتمع على أنفسهم خلال العهد الأول من الاستقلال، ثم الوعي المتزايد بالصرح الأيديولوجي الذي يبرر القوة المادية للدولة نفسها·
غياب الأولجة
وهكذا، فغياب الأدلجة بتعريف العروي، هو في واقع الأمر غياب للثقافة السياسية الواجبة للتعبير عن شرعية الدولة ومؤسساتها، وبالتالي تقليص الفجوة بين الدولة والمجتمع· فثقافة الثورة والتحرير هي أيديولوجية فكرة التطلع الى الاستقلال، أما بناء الدولة وتنمية المجتمع فتحتاج الى ثقافة أخرى تمنحها الأيديولوجيا الشرعية· ولعل هذا الفراغ الأيديولوجي عند الشروع في بناء الدولة هو الذي كان السبب في إخفاق المحاولة لاحقا·
هذا عن الجانب الملازم لبناء الدولة الحديثة، والمتعلق بالخطاب الأيديولوجي الذي يمنح شرعية التمثيل السياسي للمؤسسات· وهناك جانب آخر، لم يؤخذ مأخذ الجد في ثقافة الحركة الوطنية ونضالها· فقد خلا خطابها من عنصر الشعب في المعادلة الضرورية لبناء الدولة· فمن خلال قراءتنا لخطاب الحركة الوطنية المتعلق بالمطالب السياسية والاجتماعية نجده يتوجه به الى السلطة الفرنسية في المتروبول (باريس) ضد المستوطنين والحكومة العامة في الجزائر· ومن ناحية أخرى نجد الخطاب يتحدث باسم الشعب ولا يتوجه إليه، مما أضفى على الخطاب الطابع التقني والظرفي، أكثر من النصوص التي تحمل كل أبعاد الشعب الجزائري·
ثم إن الخطاب الوطني لم ينجح كثيرا بتوكيد وتكريس وحدة المطالب، لأنه كان يحمل دوائر وتشكيلات مختلفة في التوجه وفي الوسائل· وربما الاستثناء الذي يفلت من القياس عليه، هو المؤتمر الإسلامي (المسلمون الأهالي) الأول لعام 1936 الذي حاول أن يعبر عن الكتلة التاريخية، وأصدر ميثاقا عرف بميثاق مطالب الشعب الجزائري، وحاول إيصال هذه المطالب الى السلطات الفرنسية في الجزائر وباريس، ونقلها الى الشعب الجزائري··· لكن سرعان ما عمدت السلطات الفرنسية العامة الى تطويق تداعيات المؤتمر ونسفه من الداخل بعد سنة واحدة فقط ليبقى مجرد تجربة تاريخية في وعي المناضلين في سبيل تحقيق مطالب المؤتمر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية· أما المرة الوحيدة التي توجهت بها النخبة الوطنية الى الشعب صراحة وتحمله مسؤولية الخروج من الحيف الاستعماري فكان في بيان نوفمبر الذي قطع صلته بالترقيعات الإصلاحية، ولاذ بالثورة المسلحة كأفضل جهاد·
وعاء تاريخي
نعم، يمكن اعتبار مرحلة الحركة الوطنية وعاء تاريخيا يفسر الى حد بعيد الإخفاق الكبير الذي تعانيه الجزائر في محاولة إرساء مقومات الدولة من وحي هوية الأمة، لأن تاريخ الحركة الوطنية هو الذي يسمح بالوقوف على الإرهاصات الجنينية لفكرة الوطن، الدولة، والأمة· لقد تراوحت الحركة الوطنية في تعبيراتها السياسية بين الراديكالية والنزعة الإصلاحية، الثورية والمسلحة أيضا، واتسع مدلولها ليستوعب كل التيارات والقوى التي تبنت فكرة الوطن في مدلولها الحديث، وعملت على تحقيقها· فالحركة الوطنية كانت الإطار الذي استوعب اتجاهات: ذات نزعة وطنية (Nationaliste) ونزعة متعلقة بالأمة (Nationaliste)، ونزعة إصلاحية لائكية، وإصلاحية إسلامية· وكل ذلك يقوم شاهدا على أن ميلاد الحركة الوطنية وسيرورتها كانا ذويا اتجاه تعددي، ويتطلب أخذ ذلك في الاعتبار عند الشروع في بناء صرح المؤسسات الدستورية بعد الاستقلال مباشرة وتخطيط برامج التنمية الشاملة على أساس من التنوع الثقافي الذي يزخر به المجتمع الجزائري في عمقه العربي والإسلامي والحداثي·
لقد ناضلت الحركة الإصلاحية الإسلامية لاستعادة مقومات الهوية: الإسلام والعربية· وكان مجال تفكيرها المؤسسات الفوقية من أخلاق ودين ولغة، بينما انصب تفكير الحركة ذات النزعة الوطنية (الخطاب الشعوبي) حول فكرة الدولة كمجتمع سياسي والاستقلال وقلما كانت تفكر ضمن مجال الثقافة العربية وتاريخ الإسلام لأن لغة التعبير كانت تمثل بالنسبة إليها عائقا للإفصاح السليم عن مكنون المجتمع وعمق أصالته وتطلعه الى حداثة عربية تأخذ بمقومات الهوية الوطنية كإطار مرجعي ومعيار للتقدم والتطور· فقد سعت هذه التنظيمات والقوى السياسية والاجتماعية الى تحقيق الاستقلال أو تدعيم الشعور به، وكان من المفروض أن يكون هذا التعدد من جملة الحوافز التي تدفع الاتجاه نحو الديمقراطية على أساس من مكاسب النضال الوطني··· ولكن؟
تعذر الإجماع
تعذرت محاولة إنجاز الوحدة السياسية بعد الاستقلال بسبب تعذر الوصول الى إجماع (Conensus)، كشرط قبلي لبناء الدولة الحديثة، وأفصح عن هذا الإخفاق الكبير لحظة إلغاء الانتخابات التشريعية لعام 1991· فعبثا حاولت السلطة استقطاب كتلة سياسية واجتماعية وراء برنامجها، يستوعب كل التعبيرات السياسية والثقافية· فقد أظهر الواقع المباغت عدم وجود أرضية إجماع للقوى السياسية ودوائرها تقوم على خطابات متناقضة، بمعنى أن الأطراف الفاعلة في الحياة العامة تقوم على جدلية التنافي المتبادل أو المعادلة الصفرية· فعوض التعددية كإشكالية لحل مشكلة الديمقراطية والنظام الاجتماعي الملازم لها، والذي يبررهما تاريخ الحركة الوطنية، شهدت الجزائر، بعد الاستقلال، ثلاثة عقود من سيادة الحزب الواحد، والنظام السياسي الواحد نواته الصلبة سلطة عسكرية مخابراتية - خطابها الأيديولوجي خطاب شعبوي اعتراه الترهل في العقد الأخير، وتقلص فضاؤه الى جملة من الاحتفالات الرسمية، وذكريات البطولة والفداء، وتضخمت بسبب ذلك الذاكرة، وفقد الإنسان الجزائري وعيه بالتاريخ·
وفي التحليل النهائي، يمكن القول إنه مهما اتفقت الآراء والتحليلات على أن صلب الأزمة الجزائرية يتمثل في غياب التمثيل الشرعي للسلطة، وبالتالي استمرار غياب الوجه القانوني المجرد لمفهوم الدولة، فإنه، مع ذلك، لا يمكن فصل ذلك عن تخلف المجتمع ذاته الذي سمح بإمكانية وجود مثل هذه السلطة طوال عهود الاستقلال، لأنه لم يستغل كل الفضاءات التي يتيحها المجتمع المدني كسلطة موازية للسلطة السياسية· فقد أدت الاختلالات الاجتماعية والأمراض المتوارثة عن عهد الاستعمار الى إفراز طبيعة سياسية مريضة لا تقوى على تقديم النفع العام بصورة مجردة لغياب الوعي بالمفهوم العام الذي يعد الشرط اللازب لقيام نظام الدولة الجمهورية·
وهكذا، فالدولة، عندما تتخذ كمنظور (Paradigme)، لا تكشف فقط عن قيمة السلطة السياسية ومؤسساتها، وإنما تعكس أيضا طبيعة المجتمع الذي منحها الإمكانات والميكانزمات للتعبير عن إرادة الشعب· وفي مثال الجزائر، فإن الدولة لا تنظر الى الشعب إلا كمجرد أرقام انتخابية، ولا ترى فيه مواطنا محملا بحقوق وحريات عامة سياسية، واجتماعية واقتصادية· كما أن "المواطن" بدوره لا يقيم أية قيمة لفكرة المصلحة العامة (لأنها مرتبطة بالأشخاص) وخطابه اليومي التنديد والطعن في مؤسسات الدولة التي لا يرغب في الاعتراف بها·· الى درجة حدوث القطيعة، ومن ثم حصول - بسبب هذا التمادي في التنافي المتبادل - الأزمة الحالية·
*المستقبل العربي العدد 242 عن شهر 1999/4
**أستاذ مساعد وباحث، جامعة الأمير عبدالقادر - قسنطينة