رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء26 محرم 1 صفر 1420هـ 12 - 18 مايو 1999
العدد 1376

أفق

الحداد الطويل...

 

نزار فلّوح

كم يبدو العالم من حولنا موحشا، مع الرحيل المتوالي لرموز الجمال الذين تأفل نجومهم عن عالمنا، مخلفة وراءها فراغا ورهبة وأسفا على مراكب من الخصب والحب والابداع تعبر ولا تعود، فمن عاصي الرحباني ويوسف إدريس وغالب هلسا الى سعد الله ونوس والجواهري ومحمد عمران قامات إبداعية كبيرة غابت في هذه السنوات الأخيرة، ليندفع قطار الموت بعدها حاملا في عرباته المدججة بالسواد مبدعا آخر كبيرا انطفأت ذبالته بعد ملأ حياتنا طوال نصف قرن بالحب والجمال والفتنة والشغب والغضب والتمرد··

نزار قباني الشاعر الذي دخلت قصائده الى كل بيت، ولاقت أصداء أغنياته كل أذن، تفتقده اليوم الملايين في المدائن العربية التي كان لكل منها حظوة خاصة في شعره: دمشق رحم الشعر الأول ومنبع الحب ومنتهاه·· بيروت التي خطرت في قصائده حسناء خالدة الجمال عارمة الأنوثة·· بغداد التي غنى فيها عبق التاريخ وأمجاده قبل انكسارها الأخير·· وتونس وقرطاج اللتين رسم خضرتهما بسياج شعري ملون حالم··

أيُّ غلالة من الأسى تخيم على مملكة الشعر الثكلى التي يصعب عليها بعد اليوم أن تنجب شاعرا مضيئا واستثنائيا كنزار قباني·· تتزايد الوحشة من حولنا·· وتتضاءل فسحة الجمال برحيل رموزه البهية وصُنّاعه المهرة·· ستجد القوافي نفسها في حداد طويل الى أن يولد من هو في موهبة نزار قباني لينفض عنها غبار التعب وينزع بأنامله المرهفة تجاعيد الحزن والوهن عن وجهها، فتعود نضرة كما هي في قصائده التي كانت وبحق مدرسة للحب والجمال، تخرجت منها أجيال كثيرة عرفت الحب وعاشته من خلال شعره الذي غدا بديلا عن التجربة الحية الى درجة الإيهام والتضليل:

كم اخترعت مكاتيبا سترسلها

وأسعدتني ورود سوف تهديها

وكم فرحت لوعد لا وجود له

وكم حلمت بأثواب سأشريها

لقد استطاع نزار أن يحول الشعر بحسب تعبير الشاعر نزيه أبو عفش "الى لقمة بسيطة نادرة، لقمة جمال تصلح لمائدة الجميع وذائقة الجميع" فأجمل الحبيبات هي تلك التي رسمتها ريشة نزار ولونت طيفها، وأعذب طقوس الحب وأشقى قصصه ومغامراته هي تلك التي رواها في قصائده، حيث الأشياء حالمة نضرة بهية طازجة واعدة بالفرح والملذات·· متمردة على الجمود والتحجر، ونزار قباني من هذه الوجهة هو أحد المجددين الثائرين إذ اخترق بجرأة إبداعية نادرة ومبتكرة حاجز المحرمات الاجتماعية·· دافع عن حرية الإنسان عامة، والمرأة خاصة، في استنشاق هواء الحياة النظيف، والتمتع بضوء الفضاء الواسع بعيدا عن القيود والمظالم الموروثة·

وبعد: يجد الطفل أمَّه عندما يغادر أحشاءها·· وبهذا المعنى يولد الشاعر ثانية في رحلته الأبدية المتجددة·· ولأنه ابتعد عنا، وفارق عتبات بيوتنا فقد أصبحنا حريين بأن ننعم بمشاهدة وجهه الحقيقي كما لم يسبق لنا أن شاهدناه من قبل·· برحيل نزار قباني ستنبث اهتمامات جديدة به لا ضفاف لها، وستفتح ملفات عديدة ومهمة حول شعره ونثره ولغته وتجربته الإبداعية والسياسية والشخصية·· وسيتاح للنقد أن يرسم مشهدا أكثر شمولية وعمقا وإحاطة بخفايا عالمه الشعري الواسع·

سيبقى شعر نزار نهرا متجددا يتلو على الأجيال رسائل الحب والفرح عبر الفصول والأزمان·· سنراه في "ضحكة السواقي" وفي "تنفس المراعي"·· سننصت إليه في "غناء كل عندليب"··· وسيوافينا مع "أدمع الشتاء حين يبكي وفي عطاء الديمة السكوب"··

أما مقعد الشعر الذي فرغ من أكبر فرسانه فسيظل شاغرا الى أمد ربما يمتد طويلا·· طويلا··

طباعة  

اخبار ثقافية
 
في احتفال حاشد أقامته لهذه المناسبة
رابطة الأدباء كرّمت أحمد السقاف أديباً كبيراً وإنساناً نبيلاً

 
شعراء من العصر الجاهلي
السُّليك بن السُلكة

 
إصدارات
 
"الملتقى الثقافي" ناقش نصوص محمد عليم
تحقيق الأبعاد الشعرية عبر اختراق وعي القارىء

 
ضوء
 
ينجذب لليومي بشقوقه الوسيعة وبواره المريع
 
قصائد
 
رؤى تكمن وراء اللغة أشياء صغيرة.. تجدي
 
وخزة
 
نافذة
 
أجراس