رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء26 محرم 1 صفر 1420هـ 12 - 18 مايو 1999
العدد 1376

شعراء من العصر الجاهلي
السُّليك بن السُلكة

·         الشاعر الصعلوك الذي انتزع حريته بنفسه وتغلب على رق بشع بفضل شجاعته

·         انتصر على الضعف والانكسار واسترد كرامته المذبوحة بفروسيته وبطولته

·         من أبطال الجاهلية الأشداء يخشاه الفرسان ويخافه الأبطال

·         مات بطريقة عبثية لا تتفق مع شهامته وبطولته·· أليس هذا غريبا؟

 

رؤية كتبها علي عبد الفتاح:

تلك محاولة لقراءة جديدة في الشعر الجاهلي أحاول فيها تلمس أبعاد خفية في بنية الشعر الجاهلي، فقد مللنا كثيرا من تلك الكتابات الرتيبة  التي لا تثير في أعماقنا بعض التساؤلات أو الدهشة·

لذلك ظللت أبحث في بطولة هؤلاء الشعراء عليّ ألمس قيمة تبرز في واقعنا نتطلع إليها في طموح حاد، فالشعر القديم ما زال ينبوعا يفيض بالبطولة والفروسية والنبل الإنساني·

وتلك رحلة استشف منها عبير الصحراء وصهيل الجياد النافرة التي حاصرها الدمار فلم تهرب وظلت تقاوم من دون هوادة·

 

السُليك بن السلكة

 

السُليك بن السُلكة من الشعراء الصعاليك والفرسان والشجعان في العصر الجاهلي، عشق الغناء في الصحراء يختال بذكائه الحاد وخبرته بمسالك البادية وطرقها ومواضع المياه، ويقال إنه كان يخزن الماء في خزانات غريبة لم يهتد إليها أحد من قبله·

ففي الشتاء كان يضع الماء في بيض النعام ثم يدفنه فإذا جاء الصيف وتوقفت إغارة الخيل بسبب قيظ الصحراء بدأ غاراته وحده منفردا برمحه وسهمه ويذهب إلى البيض ليرتوي بعد إغارته على قوافل الأثرياء ولصوص العرب·

تنبع مأساة هذا الشاعر من أنه ينحدر من أم عبدة سوداء وأب عربي من بني سعد ثم من تميم، وقد انتسب إلى أمه السوداء السُلكة واسمه الحقيقي السُليك بن عمرو بن الحارث من تميم وعاش السُليك في قبيلة تحتقر الإماء وأبناءهم وشاهد كيف تنظر العشيرة إلى العبد الأسود وتعتبره بلا نسب أو انتماء بل تطرده وتنبذه وترفضه وقد تعهد إليه بأدنى الأعمال مثل الرعي والحلب والصر·

وبدأ السليك يفكر كيف يحرر ذاته من هذه العبودية والقهر ويكسب احترام العشيرة ويحقق الانتماء إليها وينتصر على الضعف والانكسار ويسترد كرامته المذبوحة ويرفع رأسه بين الأفراد، فاتجه إلى محاولة إثبات ذاته كفارس لا يشق له غبار وبطل لا يهاب الموت ولا يخاف اقتحام الوغى ومنازلة اللصوص والدفاع عن حمى العشيرة·

وكان السُليك في لحظات الحزن والأسى يجلس وحيدا متطلعا إلى الأفق البعيد حالما بالحرية ومجد الأبطال ويقول: اللهم إنك تهيىء ما شئت لما شئت إذا شئت، اللهم إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا ولوكنت امرأة كنت أمة· اللهم إني أعوذ بك من الخيبة فأما الهيبة فلا هيبة·

واستطاع السُليك أن يحقق تميزا في بطولاته وتفردا في فروسيته وعدوه وركضه في الصحراء يسابق الخيل ويراوغ الأعداء ويهجم على اللصوص هجمة تخلع قلوبهم وتقصف أعمارهم وتودي بحياتهم وأصبح من أبطال الجاهلية الأشداء يخشاه الفرسان ويخافه الأبطال·

وبذلك انتزع حريته بنفسه وتغلب على رق بشع بفضل شجاعته وحسن إدراكه للأمور، وكانت القبيلة تعترف بأبناء الإماء إذا أظهروا نبوغا وقدرات فردية وفروسية مدهشة·

وشهد له الفرسان بشجاعته فيقول عنه عمرو بن معد يكرب: لا أخشى أن يغلبني أحد إلا أربعة منهم: عنترة والسليك· إن السُليك بعد الغارة كالليث الضاري·

 ومن القصص التي تروى  عن شجاعته أنه خرج ومعه رجل اسمه صُرد وضلت ناقة صرد في جوف الليل فذهب للبحث عنها ولكنه وقع أسيرا لدى أناس من قبيلة خثعم، وعندما عرف السُليك هجم عليه وهزمهم وأسر فارسهم وأنقذ صديقه صرد من الآسر وعاد إلى قومه يتغنى بشعره ويقول:

بكى صُردُ لما رأى الحيَّ أعرضت

مهامهُ رملٍ دونُهم وسُهوبُ

فقلتُ له: لا تَبكِ عينيك إنها

قضيةُ ما يُقضى لها فتؤوبُ

سيكفيكَ فقدُ الحيّ لحمُ مفرضٌ

وماءُ قُدورً في الجفانِ مشوبُ

ورغم ذلك ظلت هناك ألقاب تطارده مثل: الغراب وابن السوداء وابن الأمة·

واشتهر السُليك بحيله ومهارته في العدو ومسابقة الفرسان والخيل ويقال إنه ذات مرة علم أن هناك جيوشا لقبيلة بكر بن وائل في طريقها للإغارة على قبيلة السُليك ولا يعلم بهما أحد وقد حاول بعض فرسان بكر أسره حتى لا يبلغ قومه ولكنه بدأ يعدو في الصحراء على قدميه والفرسان خلفه واستطاع أن يضللهم ويسبقهم ويصل إلى قومه وينذرهم ولكن قومه كذبوه لبعد المسافة التي زعم أنه قطعها عدوا فقال السُليك هذه النصوص معبرا عن الموقف:

يكذبني العَمرانِ: عمرو بن جُندُبٍ

وَعَمرو بن سعدٍ والمكذب أكذبُ

ثكلتكما إن لم أكن قد رأيُتهما

كراديس يهديها إلى الحي موكبُ

كراديس فيها الحوفزان وقومه

فوارسُ همامٍ متي يدعُ يركبوُا

ولبثوا لا يصدقونه حتى جاء الجيش وأغار عليهم جميعا·

والسليك ظل إلى حد ما مثالا لبعض تقاليد الصعاليك حيث يساعد أصدقاءه ويغزو معهم ويتقاسم الغنائم ويفخر بذاته وعزمه على تحصيل لقمة العيش بالسيف والقتال والبطولة ويؤكد أنه عاش تجربة المنفى والجوع وقاسى أهوال كثيرة حتى واجه الموت وأكد موقفه الشجاع فيقول:

وما نلتها حتى تصعلكتُ حقبةَ

وكدتُ لأسباب المنية أعرفُ

وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرنيِ

إذا قمت تغشاني ظلال فأسدف

أما عن علاقة السليك بالمرأة فقد شابها العجب والغرابة فقد أغار ذات يوم على قبيلة بني عوارا ولكنه لم يظفر منهم بشيء فانتظروا عليه حتى جلس واستراح وشرب الماء وبادروه واستطاعوا أسره وكان السُليك يعلم أن هناك امرأة اسمها فكيهة فصرخ مناديا عليها فاتجهت إليه ودافعت عه كاشفة عن خمارها وساعدها في ذلك إخوتها ونجا السُليك من القتل بفضل فكيهة وقد سجل هذه الواقعة في شعره وقال:

لعمروُ أبيكَ والأنباءُ تُنمي

لنعمَ الجارُ أُختُ بني عُوار

من الخفراتِ لم تفضح أباها

ولم ترفع لإخوها شنارا

وما عجزت فكيهةُ يوم قامت

بنصلِ السيفِ واستلبوا الخِمارا

وإذا كان السليك يعرف معنى الصعلكة ومبادئها أو موقف الفرسان من الأسر فقد كان أشرف له أن يموت ويسقط في الأسر ولايستنجد بامرأة تنقذه من الموت، فأين مبادىء البطولة هنا؟ أليس هذا الموقف غريبا من بطل من أبطال الصحراء وليث جسور يزأر فيهز الأفئدة ويخلع القلوب؟

أما القصة الأخرى والتي كانت سببا في مقتله فهي تكشف لنا عن نزعة الجاهلية الحقيقية الكامنة في أعماق السليك فرغم النزعة الإنسانية ومساندة الفقراء والدفاع عن الضعفاء ومحاولة إقامة قانون للعدالة والحق في وجه الرق والعبودية إلا أن السليك لم يكن ملتزما بهذه الأخلاقيات والمثاليات العليا ولا ندري سببا منطقيا لقصة موته التي حملت معه الخزي والعار إلا أن تكون قصة قد شابها الانتحال وأضيفت إليها النصوص الشعرية أو قد تكون حقيقة تبين جاهلية النفس الإنسانية التي لم يلمسها نور الإسلام وهُدى القرآن الكريم بعد·

لقد مر السليك ذات يوم على بني خثعم فإذا هناك امرأة شابة جميلة وأدرك أن المرأة وحدها فاقتحم خباءها واغتصبها عنوة ثم سار في طريقه وكأنه لم يأثم فأسرعت المرأة وأخبرت رجال عشيرتها فركض في أثره أنس بن مدرك فارس خثعم ومعه جماعة من العشيرة حتى وجدوه وانقضوا عليه وانتقموا منه وقتلوه، ولم تنقذه شجاعته التي قرأنا عنها أو بطولته التي صدحت في الصحراء!!

وقيل إن السليك قبل أن يقتلوه أستأذنهم أن يقول هذه الأبيات فقال:

من مُبلغٌ  حرَمي إني مقتولْ

يارُبَ نهبٍ قد حَوَيتُ عثكول

ورب قرنٍ قد تركتُ مجدولْ

وُربَّ زوجٍ قد نكحتُ عطيولُ

وربَّ عانٍ قد فككت مكبول

ورب وادٍ قطعتُ مَسُيول

ولذلك نجد في هذه الأبيات أن السليك يرثي نفسه إذ كيف يموت بهذه الطريقة العبثية والتي لم يكن يتوقعها أبدا بعد أن كانت الغنائم ينهبها بوفرة ويلاقي الشجعان فيهزمهم ويتركهم قتلى وكذلك يلتقي بالنساء ويعاشرهن ومنهن المرأة العطيول أي طويلة العنق، وكم من أسير قد فك قيوده ومنحه الحرية وكم واد أغرقته السيول ولكنه اجتازه بخفة ومهارة وشجاعة·

وكان السليك لايصدق ما حدث، هل بعد هذه البطولة والشجاعة يموت بطريقة مخجلة يخضبها العار والإثم والفجور؟

إنه السُليك بن السُلكة الشاعر الصعلوك الذي كتب نهاية مؤسفة لحياته من دون أن يدري·

طباعة  

أفق
 
اخبار ثقافية
 
في احتفال حاشد أقامته لهذه المناسبة
رابطة الأدباء كرّمت أحمد السقاف أديباً كبيراً وإنساناً نبيلاً

 
إصدارات
 
"الملتقى الثقافي" ناقش نصوص محمد عليم
تحقيق الأبعاد الشعرية عبر اختراق وعي القارىء

 
ضوء
 
ينجذب لليومي بشقوقه الوسيعة وبواره المريع
 
قصائد
 
رؤى تكمن وراء اللغة أشياء صغيرة.. تجدي
 
وخزة
 
نافذة
 
أجراس