علي حسين محمد:
لا يمكنك أن تذهب بعيدا وأنت تقرأ مجموعة النصوص التي تبدأ بـ"وجوه للخوف" وتنتهي ب "توسل أخير" وأستثني "توسل أخير" فأنت تتمدد في جهات اللغة وربما تجد ذاتك ترحل مع كلمات تنتهي بنهاية القصيدة من دون أن يتبقى الأثرو من دون أن ينتزعك المعنى ومن ثم تكتشف الغاية والمشهد المتخفي وراء ستائر النص وهو الوضوح التام لحقيقة أكثر وضوحا ففي كثير من المقاطع استسلم الشاعر للأنا المختبئة وراء شهوة الذات فأخذ بتتبعها بينما كان الوعي الذي يجب أن يكون حاجزا مدركا مغيبا في مكان آخر ومن ذلك في "وجوه للخوف" وتحت عنوان "عجز" نقرأ "صاحب النكهة المنتنة":
راعه روعتي
همه همتي"
وكذلك في "أشياء صغيرة··· تجدي":
نجد "كما ترون
أكتب شعرا مختلفا هذه المرة"
وفي جهة أخرى تصاحبك حقيقة المعنى وشفافيته في ذات اللحظة وقد كانت "ازدواج" أجمل القصائد التي جاءت تحت عنوان "وجوه للخوف" وقد افتتحها بـ"يا مصر" وهو نداء صارخ أو يد ترتفع لتتوقف حركة الوقت بعدها وتجذبك الكلمة التي من أجلها توقفت الحركة في جسد الزمن "أمي أم أم الدنيا" أو نجد التناغم بين أَمْ واُمّ ذا وقع موسيقي مفاجئ ومحفز مستمر للشعور لتبدأ بعده الحركة بانطلاقة الخيل التي تقتحم الأمنيات والتساؤلات المشروعة·
في نوافذ الصباح الرمادي وعبر النافذة الأولى نطل على حديقة من الحيوانات تتسم بعلاقة كلاسيكية رتيبة بين الذئب والغزال ــ القط الجرذان ــ الماعز الكلاب ــ ولست هنا بصدد مناقشة المغزى السياسي وراء هذه العلاقات بقدر ما أود اكتشاف ما تحتويه هذه الرموز من دلالات افترشت النص دون أية إضافة ذات بعدما فمازال الذئب ومنذ ولادته علي ما أعتقد يرهب الغزال وكذلك الصلة العدائية الدائمة بين القط والفأر ولا يمكننا أيضا استخدام مفردات لغوية وتركيبات موحية بالحداثة مثل "النساء اللواتي لطمن" و"النساء اللواتي شققن" أو التوماهوك والبوارج دون أن تحتوي باتصالها وامتزاجها مع بقية النص على روح الحداثة وعمق جسدها·
وأخيرا يشرف نص "توسل أخير" وهو عبارة عن خريطة تعريفية ذات عمق يتصل بالتاريخ وينجذب لليومي المعيش بشقوقه الوسيعة وبواره المريع فهو يمسك الأبواب المستقبلية ويتفتح على هواء الأمل الذي سوف يتحقق ونجد أن يد الشاعر ليست بعيدة عن هذا الغد فهو الدليل والآمر كما نقرأ "قف عند سارية" "قل ما ترى" "فالتنقيب"·· ويمضي الولد المستقبلي بهدوء مقلق ورهبة لذيذة يتجاذب النص من دون توقف فهو يمتلك الزمن بامتداده ومضيه الذي يشبه الأبدية·