كتب محرر الشؤون الخارجية:
هل يحل السلام قريبا في كوسوفو؟ حتى يتحقق ذلك، يجب أن يقبل الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش شروط حلف شمال الأطلسي· وهذا ما أحل فيه حتى الآن· لكن هل ينجح ميلوسيفيتش في تعديل هذه الشروط؟ فهو لا يستطيع القبول بهزيمة كاملة، والحلف لا يستطيع القبول بحل لا يجتث جذور صراع مقبل· أي لا يستطيع أن يرضى بحل على الطريقة البوسنية يطفئ نيران الحرب العرقية ويترك جمرها تحت الرماد·
آخر مناورات ميلوسيفيتش، الذي طالب بقوة مدنية دولية، بدلا من قوة عسكرية تتولى الأمن في كوسوفو وتقتصر على دول الحلف، كانت إعلان سحب بعض الوحدات من الإقليم· وهذا ما اعتبره الحلفاء غير كاف· لكن الملاحظ أن الدبلوماسية استعادت نشاطها بصورة غير مسبوقة منذ بداية الغارات· فلماذا كل ذلك؟
حتى الآن، صعّد الحلف الحملة الجوية واستقدم مزيدا من الطائرات والطوافات قاتلة الدبابات· لكن إذا استطاع تدمير مزيد من البنية التحتية للقدرات الدفاعية اليوغوسلافية، فهو ارتكب في المقابل أخطاء تكاد تكون قاتلة· وآخرها، بعد استهداف المدنيين في صربيا وكوسوفو من غير قصد، كان تدمير سفارة الصين في بلغراد وإغضاب عضو في مجلس الأمن يتمتع بحق النقض· والمزيد من التصعيد ينطوي حكما على مزيد من الأخطاء المحتملة·
برغم ذلك، لوحظ تغيير في دبلوماسية "الأطلسي" وهو مهم· فالتعاون الغربي - الروسي الذي توقف قبل نحو شهرين استؤنف قبل أيام في بون بواسطة المبعوث الروسي الخاص الى البلقان فيكتور تشيرنوميردين، وربما يؤدي ذلك الى نتيجة·
قبل ذلك، صاغ وزراء خارجية الدول الثماني (الصناعية السبع وروسيا) في بون اتفاقا على المبادئ الأساسية لخطة السلام· وهذه الأخيرة تنص على مطالب "الأطلسي" ومنها تحديدا سحب القوات الصربية ونشر قوة دولية في كوسوفو من أجل تأمين عودة اللاجئين وإرساء إدارة دولية تضمن الاستقلال الذاتي للإقليم من دون أن ينال هذا الاستقلال من سيادة يوغوسلافيا ووحدة أراضيها·
هذا الاتفاق يمثل تقدما جوهريا· فقبل لحظات إبرامه كانت موسكو تكتفي بنقل موقف بلغراد فقط الى الحلفاء أي القبول بوجود دولي مدني واستبعاد الدول المشاركة في الغارات - لكنها تنازلت، في تمايز عن يوغوسلافيا· وأيدت ما أسماه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بصراحة نشر قوة عسكرية· وللحصول على هذا الاتفاق، قدم الحلفاء تنازلا أيضا كانوا يرفضونه في مفاوضات رامبوييه (فرنسا) فالقوة الدولية لن تكون أطلسية صرفة ولن تكون تحت قيادة الحلف كما أكد الحلفاء عند بدء الضربات·
وليس واضحا ما إذا كانت القوات الأطلسية هي "نواتها" أم يكون هناك وجود روسي وأوكراني طاغ عليها·
فهل تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها الى القبول بما كانت ترفض من قبل حتى تحصل على تأييد روسي لأي قرار يصدره مجلس الأمن الدولي؟ الجواب عن ذلك غير محسوم· فهذا الجواب سيصاغ في مناقشات الدول الثماني في الأيام المقبلة· وهذا الجواب يتسم بأهمية حاسمة· فأي عودة للاجئين تبقى مستحيلة ما لم يشعر هؤلاء بأمان لدى العودة، وأي وجود دولي يجب أن يضمن القضاء على سياسة التطهير العرقي· وهذا ما لن يتحقق إلا إذا كان اللاجئون يثقون ثقة مطلقة بالقوات الدولية· وإذا لم يستطع مئات آلاف اللاجئين العودة الى ديارهم وبناء مستقبلهم تكون هذه الحملة الجوية فاشلة ويكون "الأطلسي" خاسرا في أول حرب مشتركة له في القارة الأوروبية·
في أي حال تبقى ثمة عوائق موضوعية وذاتية لا تتيح للأطلسي فرض شروط كاملة على الأرجح· فالرئيس اليوغوسلافي أخذ يناور من دون أن يتنازل· فقبل إعلان سحب "بعض الوحدات" أطلق الزعيم الألباني المعتدل ابراهيم روغوفا (وربما بناء على نصيحة روسية) وفي المقابل استبعد الأطلسي أي تدخل بري (وواقع الحال أن هذا الأسلوب هو الوحيد الذي يخيف ميلوسيفيتش فعلا)·
وأخيرا هناك جيش تحرير كوسوفو· فالغرب يراوح بين غض الطرف عن تعبئة هذا الجيش (خارج كوسوفو) وفي الوقت نفسه لا ينظر إليه بارتياح لكونه عنصرا قد لا يخدم جدول أعمال الحلفاء· فقبل التدخل "الأطلسي" والدولي في البوسنة، حاولت حركات أصولية أن تقيم لنفسها مواطئ قدم في هذه الجمهورية المقسومة· وهناك مثال الشيشان· فهذه الجمهورية الروسية انتزعت استقلالا شبه تام (نظريا) وتاما فعليا لكنها تحولت بؤرة للإرهاب والحركات الخارجة على القانون· وربما كان ميلوسيفيتش ينظر بارتياح الى خوف الغرب من تكرار المثال الشيشاني في كوسوفو، والى خشية الحلفاء من حرب بلا نهاية لا تسفر عن غير نتائج هزيلة تقزم المنطلقات الإنسانية الكبيرة·