· محمد عليم.. أو ثلاثية الحرية/اليوتوبيا/ واشتباك الكينونة مع الآخر
عقد "الملتقى الثقافي" ندوته الدورية في رابطة الأدباء الأحد قبل الماضي، وكان موضوعها قراءة في نصوص "لمحمد عليم" الشاعر المصري المقيم في الكويت، وأدار الندوة الكاتب ناصر الظفيري·
وقدم عدد من المشاركين مداخلات وقراءات متعددة ننشر بعضا منها لمواكبة هذا النشاط الثقافي الذي يمثّل مع أنشطة الرابطة والمجلس الوطني "حركية" فاعلة تسهم في نفض الثلج عن الساحة الثقافية في الكويت·
محمد يوسف
الشاعر محمد عليم منخرط حد التورط التحفيزي في ثلاثية:
- الحرية
- الرهان على اليوتوبيا
- اشتباك الكينونة الذاتية مع الآخر··
وهو مشغول بهذه الثلاثية الى درجة استدراج الحلم هو الآخر لممارسة "لعبة التورط" التي هي في جوهرها امتلاك لـ"جمرة" الوعي الإيجابي الذي يتصادم مع السلبية والتفرج على الأشياء والكائنات أو الانكفاء الاستاتيكي على الذات أو الانسحاب من داخل النص الجدي بديالكتيكيته المبطنة بالنزوع الإنساني نحو خلاص الفرد المقهور /المقموع/ المكبوت/ المنبوذ من كهنوتية و"رهبوتية" السلطة الهرمية التي تحاول طمس وتشويه بل ونفي ومحو الفرد عبر "لصقه" في "نص" القطيع الكمي العاري من شروط الوعي بالكينونة والهوية والشخصية ذات الكاريزما النوعية المتفردة·
ولذلك فإن محمد عليم يتورط في الاشتباك مع الآخر في محاولة لكسر طوقمية الكهنوتية والرهبوتية ومن ثم إسقاط أقنعتهما وهو في سبيل ذلك يخوض صراعا يتحمل فيه ما يطاق وما لا يطاق إذ يشظي ذاته ثم يجمع نثاراتها وشظاياها، ومن النثارات والشظايا يشكل وجها وعشباً ورؤية وحلما وصورة شعرية·
ومع أنه منحاز لخلق الله الصعاليك/ الرصيفيين/ التيالي الأندلسيين/ الواقعين من "قعر القفه"/ المهمشين قمعا، والمقموعين تهميشا، والمنصوبين على الخوازيق، والمصلوبين على حجارة الآلام، وأصحاب الأيدي الخشنة المتشققة جلودهم والمتورمة أصابعهم·· مع أنه منحاز لكل هؤلاء ومن على شاكلتهم إلا أنه يشعر وكأنه يصرخ في البرية·· أو كأن البرية امتدت وترامت فتحولت الى غابة يلبس البشر فيها أقنعة وغرائز الحيوانات·· وترتدي الحيوانات أقنعة وغرائز الناس·· حتى حدث الالتباس العظيم·· فهل فك ديناصور الحديقة الجوراسية هو الفك المفترس أم فك رامبو الخارق الذي خرج من الشاشة السينمائية وتنطع في القرية الالكترونية متطاولا متطاوسا بريش نرجسيته السادية العدوانية؟
ما الحل إذن·· والصراخ في البرية يشبه الصراخ في كهف تحت الأرض؟!
يصطفي محمد عليم من الطيبين البسطاء من يكمل معهم دوائر الجدلية المشتبكة مع الغابة المقنعة بفحيح الغرائز الوحشية·
كزافيللي سوبا·· العامل الهندي واحد من هؤلاء المقموعين المتمردين·· فهو يبحث عن دفء إنساني·· وبسبب افتقاد هذا الدفء الإنساني يصب غضبه الناري على واقعه
ما بك "سوبا"
- لا شيء
لماذا الغضب النابت من قدميك
الى هامات الشعر المتفخم؟
هل تطلب عرشا
- أرجو دفئا
أنت أناني جدا، وطموح إذا ترجو دفئا تحت الشمس التورق نارا في منتصف الليل··· الخ الخ
"قصيدة تمرد"
أو يصطفي من المبدعين الواعين المغموسين في شفافية رفيف الرصيف المطعم بـ/حنين أشجار "الجازورينا"·· و"نوستا لجيا" المثقف الذي يستعير جناح النورس·· من يدخل معه في جدلية الندية الممتلئة بـ/بياض المخيلة التي تملأ الفضاء لوحات لكائنات تخوض الصراع عبر تنوع الحوار وتعددية التجادل·· مثل عباس منصور·
عندما اتهمني عباس منصور
بالطمأنينة
نفضت ذاكرتي
من قصيدة أشياء صغيرة تجدي
وبالطبع فإن وعي عباس منصور وذائقته الخيالية ومخيلته الشعرية التي تنشع بنكهة المغايرة والتخطي·· وعي يتسم بالدهاء الخير والمكر الجميل·· وكلاهما (الدهاء والمكر) يدخلان في تضفير الرؤية الشعرية وتجسيدها صورا ولوحات لا تتشابه أو تتكرر أوتصاب بداء النمطية·
من هنا فإن محمد عليم يقبل التحدي:
في الحدائق···
فاكهة وأعناب
تتسع الحدائق أيضا لأوراق
أسقطها اليأس فرائس للريح
أبي أسقط الخريف من مواسمه
لذلك ظل يانعا حتى الآن·
····
كما ترون
أكتب شعرا مختلفا هذه المرة
أحس سلاسة مدهشة
رهبة، لن يوفق عباس منصور في تبريرها بالتأكيد
سيحس "قلقا" غير الذي لم يحس
* * *
المشكلة الوحيدة الآن
- بعد قتل المتلقى طبعا -
أنني···
أصبحت مطمئنا جدا
أخشى أن أقتل "عباس منصور"
إن طالبني بقلق جديد
"القصيدة السابقة/ الكويت فبراير 98"
هذا الاصطفاء يتمحور حول فكرتي:
- التواصل/
- ومناداة الآخر/
التواصل مع من؟
ومناداة من؟
"تتدفق "يا" مجلجلة بالصهيل ومغسولة بشجن المواويل فتكتشف أن المنادي أم الدنيا:
- يا مصر/
- أمي
أمْ
أم الدنيا؟
رئتي،
أم رئة الريح؟
الخيل إذا تصهل، إما الموت وإما المجدُ/
تحت سنابكها ينبجس النورُ
وطوفان الخصب
فلماذا أتضور جوعا؟،،
"قصيدة: ازدواج"
وأي جوع؟
جوع الوصل والوصال ليكون للوردة اسما وكسما ورسما؟
أم جوع الحنين للشجرة بعد أن قذفت الدنيا التروبادور الى نص البئر حيث التباس النص والتباس الفحيح؟
أم جوع العري الناجم عن الازدواجية إذ باغتت التروبادور حلبة أخرى يترجرج عليها سعير وسعار البترودولا·· فإذا المباغتة تفرض على التروبادور أن يتحول الى ماتادور ليحاول اتقاء شراسة قرني الثور الكوني؟
أم جوع الحنين للأرض·· حيث الرحم الحقيقي الذي يندفق بنيابيع الخضرة والخصوبة؟
النباتُ
كي يصير عفيا ومثمرا
قبل نسب الماء والأسمدة
يتطلب حبَّا حقيقيا
للأرض؟
وتكتشف أن المنادي أيضا امرأة تسكن ذاكرة الشاعر·· أو امرأة عليك أن تخترعها اتساقا مع كلمات بول إيلوار:
"إذا لم تجد الوردة
اخترع الوردة"
واختراع الوردة يتطلب أن تكون مهندسا كيميائيا حتى لا تطغى معادلة الأشواك عل معادلة الأريج المخبوء في الحمرة المكتنزة المثيرة المحركة لـ/فيزياء الذاكرة·
يا (ضي) العين
أهواك/
وأحب الشعر
من أيكما يتفجر لوني،
مني أيكما تبدو الأشياء
بلا لون؟
"قصيدة حيرة"
هنا الخيار مندغم متداخل: الوردة الأنثى/ أم الوردة الشعر؟
ومن تطيق الأخرى··؟
أم يكون الحل في البعد عن الوردة الأنثى بارتكاب حماقة طرح السؤال عن:
"امرأة تتسلى
تغتاب رجالا مروا كالريح
بساحتها الأسفلتية
زاعمة
أني الأبقى في بستان صباها
يا امرأة حمقى
هل باق
من كان بعينيك "الأبقى"
"قصيدة حماقة"
هذا سؤال يجسد خيبة العاشق·· فقد غرزت الوردة أشواكها في دم الشاعر··؟!
أو··
"تغتالني "هند"
إذ تثقب ذاكرتي كومضة
تشعل الحنين"
"من قصيدة: نافذة ثانية"
أو··
"هل جربت أن تتحفظ
·· عبر الغائب من عمرك
بحنين لم تخدشه امرأة فاجرة؟!
"من قصيدة: نافذة ثالثة"
الحنين إذن وتر تروبادوري·· وتر رحال متوغل في تصاعدية كريشندو النوستالجيا الحارقة·· فكيف يتم الفصل بين فراق المرأة الوردة/ وفراق الأرض/ الرحم؟
هل كان علي أن أحب المرأة الوحيدة
التي منحتني الحياة؟
·····
لذلك هي تعيسة جدا
كيف تقطن وحدك بيتا
أحببت فيه امرأة حتى الموت
وعلى فراشها··
قاومت أخرى أصبتك حتى الموت
ماذا يمكن أن ينتابك في الرابعة صباحا؟!
"من قصيدة: نافذة ثالثة"
كيف يفك محمد عليم الاشتباك بين التروبادور والمتادور؟
هذا هو السؤال··!
لا الوردة وردة·· ولا الأرض التي تراءت له في الحلم هي ذات الأرض·· ولا نكهة الحلم هي نفس النكهة التي ترسبت في خلاياه ورؤيته؟
التروبادور/ يتوضأ بـ/مقام الصبا فيسيل الشجن نوافير وموسيقى، والماتادور له مقام الدم النازف والثور الكوني عدواني وطاووس يستعير عضلات رامبو ويروج لـ/نظرية الفك المفترس؟
والبرية أصبحت كبسولة الكترونية·· وكهنوت الالكترونيات بشر من ذرات الزئبق وشذرات السليكون ودمى من صلصال التكنولوجيا السابح في مدارات العولمة··!
كيف ينجو محمد عليم من جحيم هذه الكبسولة·· وثلاثية الحرية/ اليوتوبيا/ واشتباك الكينونة مع الآخر في الشفافية والحساسية؟
الرصيف أوسع من الكبسولة الالكترونية!
والانحياز لخلق الله المتسربلين بالصعلكة واليتم، المجذوبين لـ/صلصال النص يشكل الثلاثية إيقاعات ودوائر متجددة·
وعلى محمد عليم أن "يبدع" عبر الزمن المرن أو الزمن الطيع (والمصطلح للمفكر الأمريكي ألفن توفلر - في كتابه الموجة الثالثة)·· فردوسه الخاص ليخترع الوردة من جديد·· ويواصل نصه التربادوري منحوتا ممتدا من بياض صلصال النص·· الى هديل النوستالجيا ووردة الرصيف·