رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء26 محرم 1 صفر 1420هـ 12 - 18 مايو 1999
العدد 1376

ضوء

النصّ ...مرآتنا

 

ركان الصفدي

(1)

القارئ يعيد خلق النص·· مقولة الحداثيين، وهي صحيحة، فكل منا ينظر الى خارج ذاته من خلال ذاته، ولذلك تتعدد القراءات والرؤى والأحكام·· ولو عرضنا نصا على عشرة أشخاص لسمعنا عشرة آراء، ورأينا عشر زوايا من جسد النص، فكل منهم يبحث عن الزاوية التي تتصادى مع تكوينه الثقافي والفكري والنفسي والفني، فمن العبث أن يعتقد إنسان أنه وصل الى نهاية المطاف مع أي نص· وليس هذا فحسب فإن الإنسان نفسه ينظر الى هذا النص نظرة مرتهنة لشروط وظروف معينة، كثيرا ما تتغير حينما تتغير الشروط والظروف· هل هذا يعني أن الحكم النقدي عملية نسبية تصل أحيانا الى حد العبثية؟ أم أن هذا تسويغ للمدرسة "الانطباعية" في النقد التي قادها لوميتر وأناتولي فرانس وقبلهما بيف، وهي المدرسة التي ترى النقد مغامرة عقلية ونزهة فكرية في أرجاء العمل الأدبي، مما يوحي بارتباط أحكامها بالعوامل الذاتية للقارئ الناقد؟ ربما لا تستطيع مدرسة نقدية - مهما حاولت أن تكون موضوعية - أن تمنع تسرب الذات الى أدواتها وعناصرها وأحكامها، وإلا لما اختلف البنيّويون حول النص الواحد·

(2)

الاختيارات الشعرية شكل من أشكال القراءة الذاتية للنص، وهي دليل على أن الإنسان يستجمع نفسه الموزعة في الآخرين، فحين تختار بيتا من الشعر فكأنما تعزز بيتا شعريا قلته، أو بيتا تتمنى أن تقوله، أو على الأقل تريد أن تقدّم ما يخدم فكرة تؤمن بها، أو هدفا ترمي إليه، ولو عدنا الى الاختيارات الشعرية القديمة لوجدنا أنها تتمايز فيما بينها، فالضبيّ ينحاز الى الشعر الوصفي والقصائد الكاملة، والأصمعي للقصائد القصيرة والطريفة، وابن المعتز لشعر الحضارة والفرح، وابن قتيبة للمختارات الإنسانية، وأبو تمام للذاتية والتفرد الاجتماعي والنفسي، والبحتري لبيت القصيد والمفارقات اللطيفة، والثعالبي في "اليتيمة" للطرائف والحذلقات البيانية··

(3)

حين اختار أدونيس ما اختار وسمّاه "ديوان الشعر العربي" وقعنا تحت سطوته زمنا، ولا نزال، حتى كدنا لا نرى شعرنا القديم إلا بعينيه··· اختيارات أدونيس ذكية الى درجة تجعلك تعيد اكتشاف ما تعرفه، ولكن··· تحجب عنك الكثير مما يجب أن تعرفه·

لقد كنت أعجب من اختياره لبعض الأبيات الشعرية دون سواها في بعض القصائد، فمثلا أسقط من قصيدة أبي صخر الهذلي أجمل بيتين في رأي الكثيرين وهما: "تكاد يدي تندى···، وإني لتعروني لذكراك هزة·· مع أنهما (حداثيان) بلغتهما الشعرية وخيالهما الجديد الطازج، وعالمهما النفسي الغني بالحياة والمشاعر المركبة· وقل مثل ذلك في اختياراته لأبي تمام (إمامه الفني) ولابن خفاجة وسواهما··· وبالطبع ماكنا هنا لنفرض على أدونيس ذائقتنا واختيارنا، ولكن لندلل على أن الذاتية تظل دائما المحرك الأول لكل عمل أو إبداع، كما لا نريد أن نلم التراث بقضّه وقضيضه كما أراد أن يفعل الجواهري في "الجمهرة"·

(4)

كلما قرأت ديوان المتنبي خرجت منه بمختارات كثيرة، وأظنني اكتفيت حتى ألتقي إنسانا قرأ المتنبي فيلقي على مسمعي بيتا شعريا له مشيرا الى جماله ومناسبته لحالة ما، فأنتبه إليه وقد كنت مررت به مرورا عابرا··· وهكذا بت أومن أن الأشياء الجميلة يجب أن تُقرأ دائما وباستمرار، ففي كل مرة يشع فيها جمال جديد·

(5)

كل "نص" بؤرة إشعاع وعلينا أن نبرمج وعينا لالتقاط ذبذباته ومجالاته التي قد تكون·· لا متناهية· النص الذي يعطيك دلالة واحدة يقتل قارئه كما يقتل نفسه·

(6)

النص··· مرآتنا!

طباعة  

أفق
 
اخبار ثقافية
 
في احتفال حاشد أقامته لهذه المناسبة
رابطة الأدباء كرّمت أحمد السقاف أديباً كبيراً وإنساناً نبيلاً

 
شعراء من العصر الجاهلي
السُّليك بن السُلكة

 
إصدارات
 
"الملتقى الثقافي" ناقش نصوص محمد عليم
تحقيق الأبعاد الشعرية عبر اختراق وعي القارىء

 
ينجذب لليومي بشقوقه الوسيعة وبواره المريع
 
قصائد
 
رؤى تكمن وراء اللغة أشياء صغيرة.. تجدي
 
وخزة
 
نافذة
 
أجراس