رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4 - 10 صفر 1420هـ 19 - 25 مايو 1999
العدد 1377

العلاقات العربية ـ التركية ..إلى أين؟*

·         السياسة الخارجية لتركيا تغيرت آثارها الكلية بالتغييرات في النظام الدولي

·         منذ أواسط العشرينات تركيا منهمكة بعمق في حملة شاملة للعلمنة والتغريب

·       تحرير الاقتصاد في الثمانينات ساعد في زيادة تطوير مشاريع مشتركة برؤوس أموال أوروبية  ويابانية وعربية في الشرق الأوسط

·         السياسة الخارجية التركية نحو العرب رسمت بتجاهل لطيف للقضايا العربية  العربية

·         بحلول الخمسينات كان التكيف السياسي التركي متجها نحو أوروبي بتجاهل كلي لجيرانها

·         حاولت تركيا اتباع سياسة توازن متعقل في النزاع العربي - الإسرائيلي في أوائل الستينات

·         قضية المياه قد تؤدي إلى عمل متناسق من النخبة السياسية العراقية والسورية تجاه تركيا

·         تركيا أقامت علاقات وثيقة مع إسرائيل لمواجهة ما يسمى بالإرهاب المرعي من دول مجاورة

 

إرسين كالايسي أوغلو**

تأثرت السياسة التركية الخارجية بعمق بمفاهيم النخبة السياسية التركية عن جيرانها منذ بداية النظام الجمهوري في تركيا، والذي جاء نتاج حرب تحرير وطني شنت على جبهات مختلفة ضد أعداء أشداء في الداخل والخارج على حد سواء· وعندما تم التوقيع على معاهدة لوزان في 24 يوليو 1923 أصبحت تركيا جارة لإيطاليا (عبر جزر الدوديكانيز) ولفرنسا (عبر الانتداب الفرنسي على سوريا) ولبريطانيا (عن طريف الانتداب البريطاني علي العراق) في الجنوب، والاتحاد السوفييتي في الشرق، وفي الشمال عن طريق الإهمال (By Default)· وشعر مصطفى كمال أتاتورك والنخبة السياسية الجمهورية أنهم مضطرون لإقامة علاقات مع جيران تركيا على أسس مستقرة تمكن نظامهم الفتي من العيش تحت مثل هذا الضغط· ولم تساعد الصفات الأساسية لسياسة تركيا الخارجية نحو جيرانها على تفادي توليد نزاع وحرب مع جيرانها فحسب، بل بدا كذلك أنها أظهرت استقرارا بارزا مع الزمن·

وارتبطت أسس السياسة الخارجية التركية كذلك بالمبدأ التشريعي لحرب التحرير الوطني 1922-1919، والذي ظل يعمل أيضا كفذلكة أساسية ركزت الجمهورية التركية أسسها عليها· وينبع هذا المبدأ الأساسي من افتراض أن هنالك وطنا قوميا للأتراك حدوده أكيدة غير قابلة للتفاوض وثابتة غير قابلة للتغيير· وكان الميثاق القومي لعام 1919 وهو أحد آخر أعمال البرلمان العثماني قد رسم صورة لوطن قومي تركي مرتكز على إحصاءات السكان في ذلك الوقت وعلى الحقائق السياسية لما بعد الحرب العالمية الأولى كذلك· وهذه المناطق التي كان يعيش فيها مسلمون سنيون حنفيون يتكلمون التركية بأعداد كبيرة في عام 1919، اعتبرت بأنها تخص الوطن القومي التركي، وقد تطابقت مع شبه جزيرة الأناضول والمنطقة الواقعة شرقي نهر مريتزا في تراقيا (Thrace)· وأراضي الدولة التركية التي أسستها حرب التحرير الوطني وشرعتها معاهدة لوزان تطابقت الى حد كبير مع بنود الميثاق القومي لعام 1919· وهكذا فالهم الرئيسي للحكومات التركية من عام 1923 فصاعدا كان رفاه سكان تراقيا الشرقية والأناضول· ولذلك فإن التكيف العام للدولة التركية كان تأسيس علاقات مع الجيران والحلفاء والخصوم على اعتبار أن للدولة التركية حقا قانونيا وشرعيا بتقرير المصير الوطني على أراضيها كما صيغت في معاهدة لوزان والمعاهدات الأخرى ذات الصلة· وكانت تركيا نتيجة ذلك ميالة الى اتباع سياسة خارجية تدعم الوضع القائم مع جيرانها وحلفائها وخصومها·

وقد تغيرت الآثار الكلية لمثل هذه السياسة الخارجية لعلاقات تركيا مع جيرانها بالتغييرات في النظام الدولي· وقد حدثت تغييرات كثيرة في تركيا وحولها منذ عام 1923، وتأثرت سياسة تركيا الخارجية بهذه التطورات· وأثر في سياسة تركيا الخارجية كذلك إنجاز الأنظمة السياسية والاقتصادية الداخلية في تركيا وفي جيرانها· وفي النهاية أثرت بعمق مفاهيم التهديد للنخبة السياسية في تركيا من قبل الدول المجاورة، في أسلوب إن لم يكن في جوهر سياسة تركيا الخارجية نحو المناطق المجاورة، وما يجعل تركيا مختلفة عن بلد مثل الأردن أو لبنان أو سوريا هو أنها واقعة كذلك علي مفترق طرق يجعلها مكشوفة كثيرا على التطورات في أكثر ثلاث مناطق متفجرة في العالم هي البلقان والقوقاز والشرق الأوسط· وجعل احترام الوضع القائم في عقول النخبة السياسية المجاورة عند إدارة التغيير السياسي والاقتصادي والبيئي مهمة صنع وإدارة سياسة خارجية مهمة شاقة للنخبة السياسية التركية في أوقات مثل التسعينيات يمر فيها العالم عبر تغييرات سريعة· وقد غدت هذه المهمة شاقة باطراد· والتركيز في هذه الورقة هو علي تكيف السياسة التركية الخارجية في عهد ما بعد الحرب الباردة في التسعينيات إزاء الشرق الأوسط· لقد حمل الشرق الأوسط لما بعد الحرب الباردة فرصا وتحديات جديدة للسياسة الخارجية التركية· وساهمت عملية سلام الشرق الأوسط وحرب الخليج في قابلية تفجر العلاقات بين بلدان الشرق الأوسط العربية وتركيا· لقد تناثر بعيدا مفهوم خطر الحرب الباردة في الوقت الذي ظهرت فيه اهتمامات جديدة لصانعي السياسة الخارجية التركية· ويمثل الشرق الأوسط في التسعينيات لعبة جديدة في السياسات الدولية جابهت تركيا بهموم أمنية جديدة· وهذه الهموم وأثرها في السياسة الخارجية التركية هي ما أود أن أتناوله بالتحليل في هذه الورقة·

أولا: السياسة الخارجية التركية والوطن العربي

لا تشترك تركيا والبلدان العربية في المنطقة نفسها وبالدين وحده وببعض الحدود المشتركة فحسب، بل لها كذلك تاريخ طويل نسبيا من العلاقات الثقافية والاقتصادية والسياسية· وهذا ليس المكان، كما أنه لا يتوفر لدينا الوقت للدخول في أي تفصيل لهذه العلاقات، ومع ذلك فإنها لحقيقة واقعة أن الأفكار والمبادئ القومية أثرت بعمق، وأحبطت العلاقات العربية التركية منذ الحرب العالمية الأولى· وكانت موجة القومية العربية المتزايدة في الجنوب والتزايد المصاحب في المشاعر القومية بين الأتراك في الأجزاء الشمالية من الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن العشرين قد بلغت الذروة خلال الحرب العالمية الأولى· وطوّر العرب النظام الخاص بدولهم تحت السيطرة الفرنسية والبريطانية· وبنى الأتراك دولتهم على بقايا الامبراطورية العثمانية· وكانت الجمهورية التركية تواجه الاستعمارين الفرنسي والبريطاني على حدودها الجنوبية بين عامي 1923 و1945· ومع انهيار نظامي الاستعمار الفرنسي والبريطاني في أعقاب الحرب العالمية الثانية بدأت تركيا وجيرانها العرب، سوريا والعراق بالتحديد، تكوين علاقات عربية - تركية من دون وساطة، إلا أن هذه العلاقات تأثرت بعمق كذلك بانتشار الحرب الباردة·

وحملت العلاقات المتدهورة بين تركيا والاتحاد السوفييتي تركيا على السعي لروابط أوثق مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في الفترة المباشرة لما بعد الحرب العالمية الثانية· وأصبحت تركيا في الأربعينيات والخمسينيات عضوا في المجلس الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي· وتكيفت سياستها الخارجية لتتناسب مع الأهداف العامة لحلف الأطلسي ولحلفائها الغربيين· وفي الوقت نفسه أصبحت سوريا والعراق وبلدان عربية أخرى منهمكة في كفاحها من أجل الاستقلال عن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني· ومثّل حلف الأطلسي صورة "المستعمر الشرير" في أذهان النخبة الوطنية في البلدان العربية· وأصبحت هذه الصورة مع الزمن شعورا شعبيا ببروز النزاع مع إسرائيل وازدياده عمقا عندما وقفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لدعم إسرائيل في مواجهاتها مع العالم العربي· وتحرك معظم الأقطار العربية في النهاية أقرب الى القطب الآخر في نظام الحرب الباردة ذات القطبين· وظهرت مواجهة غيابية بالوكالة بين تركيا وجيرانها العرب·

حملة شاملة للعلمنة والتغريب

وكانت تركيا في الوقت نفسه منهمكة بعمق في حملة شاملة للعلمنة والتغريب منذ أواسط العشرينيات· لقد كانت تتطلع دائما نحو أوروبا الغربية وتأمل في التنافس والتغلب وحتى دمج نفسها مع أوروبا الغربية· وكانت "أوروبا الغربية" تمثل بالنسبة الى النخبة التركية "الحداثة والديمقراطية"، واختفت بحلول الخمسينيات كل الارتباطات مع البريطاني الامبريالي الغازي للامبراطورية العثمانية وكل الذكريات المتصلة بحرب التحرير الوطني· وكان التكيف السياسي التركي متجها نحو أوروبا بتجاهل كلي لجيران تركيا· ونمت تبعا لذلك صورتان متناقضتان ومختلفتان كليا لـ"أوروبا" في تركيا وفي البلدان العربية في الخمسينيات· وما اعتبره العرب قوة استعمارية مستغلة وغازية اعتبره الأتراك نموذجا للتحديث والعلمنة والديمقراطية - وبشكل مشابه كان ينظر في العالم العربي الى الاتحاد السوفييتي الذي اعتبرته تركيا خطرا كبيرا، مصدرا عظيما للعون الاقتصادي والعسكري، وحتى "مخلصا" سياسيا من أيدي الخطر الغربي الاستعماري أو حليفه الإسرائيلي· وتأثر بعمق جوهر ومسار السياسات الوطنية لتركيا وللبلدان العربية بتطورات الحرب الباردة ليقيم توجهين مختلفين متضاربين جدا لتركيا والعالم العربي نحو الدولتين العظيمتين في عهد الحرب الباردة·

عدم اهتمام بالشرق الأوسط

وكانت علاقات تركيا مع الشرق الأوسط حتى أواسط الستينيات علاقة عدم اهتمام وتجاهل وعدم اكتراث· وكذلك اعتبر العرب تركيا جزءا من تحالف غربي امبريالي وتجنبوا إعطاءها أية أهمية مستقلة· وحملت أحداث الستينيات الهائجة تغييرات مفاجئة ومهمة في سياسة تركيا الخارجية نحو الشرق الأوسط· ووجهت أزمة الصواريخ الكوبية والرسالة التي بعث بها الرئيس الأمريكي جونسون الى رئيس الوزراء التركي عصمت اينونو خلال الأزمة القبرصية في عام 1964 والقضايا التي ظهرت عن طريق الأعداد المتزايدة من العمال الأتراك المغتربين في أوروبا الغربية، لطمة كبرى لصور مصداقية الولايات المتحدة وأوروبا الغربية أو حلف الأطلسي بالنسبة الى الدفاع عن تركيا في أعين النخبة السياسية التركية· وأدرك صانعو السياسة الخارجية التركية أن قيام علاقات وثيقة مع أعضاء حلف شمال الأطلسي، مهما سبب ذلك من ضرر لكل الدول الأخرى في العالم· أدى الى عزلة تركيا وجعلها منكشفة للضغط من حلفائها الأطلسيين· وقررت تركيا من أواسط الستينيات فصاعدا إعادة النظر في دورها في العالم وتطوير علاقات متنوعة مع أكبر عدد ممكن من الدول في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وأفريقيا وآسيا وأوقيانيا وفي الأمريكيتين·

سياسة توازن في النزاع العربي الإسرائيلي

وبشكل مماثل، بدأت تركيا مراجعة سياستها نحو إسرائيل والدول العربية إزاء المسألة الفلسطينية· وبدأت تركيا تطوير علاقات أوثق مع منظمة التحرير الفلسطينية وبلدان الشرق الأوسط العربية· وفي فترة ما بعد عام 1960 حاولت تركيا اتباع سياسة توازن متعقل في النزاع العربي- الإسرائيلي، وحاولت موازنة علاقاتها مع إسرائيل والبلدان العربية· وسمحت تركيا لمنظمة التحرير الفلسطينية بأن يكون لها ممثل في أنقرة· وخفضت في الوقت نفسه تمثيلها في تل أبيب، وأقامت في النهاية قنصلية تركية عامة في القدس الشرقية أصبحت الآن معتمدة لدى السلطة الفلسطينية·

وبدأت تركيا في الوقت نفسه بالاقتراب من بلدان الشرق الأوسط العربية· لقد بدأت بتطوير علاقات اقتصادية ثنائية واتصالات سياسية مع البلدان العربية بحلول أواخر الستينيات· وفي أعقاب أزمة النفط عام 1973 وأزمة قبرص عام 1974 وما تبع ذلك من اتصالات أمريكية في الشرق الأوسط، برزت بلدان النفط العربية الغنية، وبخاصة ليبيا والعراق والعربية السعودية وإمارات الخليج كأسواق جديدة للشركات التركية الجديدة الطالعة· وبدأت شركات بناء مختلفة مشاريع درت أموالا كثيرة· وعندما اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية في عام 1980 بدأت تركيا العمل كطريق رئيسي الى أوروبا بين إيران والعراق· وظهر النقل البري، وبخاصة عن طريق سيارات الشحن بشكل رئيسي، من النشاط المتنامي بسرعة في تركيا من التجارة مع الطرفين المتحاربين كليهما· ولا تزال تركيا تباهي بأن لديها أكبر أسطول من سيارات الشحن في أوروبا· وساعد تحرير الاقتصاد في الثمانينيات الشركات التركية في زيادة تطوير مشاريع مشتركة برؤوس أموال أوروبية ويابانية وعربية في الشرق الأوسط·

وبدأ رؤساء الوزراء ورؤساء الدولة الأتراك ونظراؤهم العرب بتبادل الزيارات في عواصمهم مصطحبين وفودا كبيرة من رجال الأعمال في الثمانينيات· وتحسنت معرفة كل منهم بالآخر· وبدأت نخبهم السياسية والاقتصادية بالتفاعل فيما بينها بشكل أكثر انتظاما· وعلى الرغم من أن أيا من الطرفين لم يغير أهداف سياسته الخارجية بالنسبة الى الطرف الآخر، فقد بدأ كل منهما يكّون صورة أكثر واقعية لاقتصادات وسياسات ومجتمعات الجانب الآخر· وفي الوقت نفسه تعززت العلاقات الثنائية والاقتصادية والسياسية وأصبح العراق وإيران في الثمانينيات شريكين تجاريين رئيسيين لتركيا بعد ألمانيا مباشرة· إلا أن حرب الخليج حملت معها نهاية غير متوقعة لهذا التطور· وفي الوقت نفسه بدأت علاقات تركيا الاقتصادية بالتحول نحو الأسواق الجديدة الطالعة في أسواق كومنولث الدول المستقلة، الذي تصادف قيامه مع نهاية حرب الخليج· ومع ذلك فلا تزال السياسة الخارجية التركية تشجع العلاقات السياسية - الاقتصادية الثنائية مع البلدان العربية·

عدم التدخل في الشؤون الداخلية

واستوجبت المقاربة التركية المتغيرة نحو الشرق الأوسط في الستينيات أن تأخذ تركيا بعض الاحتياطات في علاقاتها مع البلدان العربية وزود الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأتراك بنصائح بعدم التدخل في السياسات الداخلية للبلدان التي يعملون فيها في الشرق الأوسط· وامتنعت تركيا عن محاولة التأثير في الشؤون الداخلية في البلدان العربية وابتعدت عن الصراعات الداخلية من أجل السلطة داخل أي قطر عربي· وغالبا ما سببت روابط سياسية وثيقة مع النخب السياسية العربية انتقادات في تركيا· ويتوقع من أولئك الذين يقومون بأعمال مع أي بلد عربي توريد دولارات الى تركيا في مقابل نشاطاتهم الاقتصادية من دون أي ارتباط بأية خيوط سياسية أو عقائدية·

واتخذت السياسة الخارجية التركية كذلك طريق عمل يتفادى التورط في السياسات الداخلية العربية - العربية· وحاولت تركيا الحفاظ على علاقات سلمية ومستقرة وأخوية مع كل بلد عربي على حدة· ولذلك فإن تركيا تتفادى بانتظام القضايا والمشاكل والنزاعات وغيرها، مما يظهر بين البلدان العربية، والحروب في اليمن ولبنان، والعلاقات بين اللاجئين الفلسطينيين والبلاد العربية المضيفة، والاحتكاكات بين مصر واليمن أو مصر والسودان وغيرها، هي أحداث حاولت تركيا عدم القيام بأي دور ناشط فيها· والعلاقات العربية - العربية هي غالبا ما تكون شديدة التفجر والتعقيد بالنسبة الى تركيا حتى تساعد في إيجاد تسوية لقضاياها المعنية· يضاف الى ذلك أنه لا دليل هناك بأن من المتوقع أن تلعب تركيا أي دور من هذا النوع· ولذلك فإن السياسة الخارجية التركية نحو الأقطار العربية رسمت بمثل هذا التجاهل اللطيف للقضايا العربية - العربية·

وحاولت تركيا أيضا اتباع طريق عمل نحو العالم العربي تقلل فيه الى الحد الأدنى خطر تكتل دول عربية ضد تركيا حول أية قضية معينة· وإذا أدى أي مشروع سياسة خارجية أو إيماءة لتركيا الى رد منسق ومتناغم من البلدان العربية فستواجه تركيا تحديا قويا قد يكون من الصعب إبعاده· ولذلك حاولت تركيا شق طريق سياسة خارجية لا يطلق تحالفا عربيا يتشكل ضدها حول أية سلسلة من القضايا· وانطلاق مثل هذا التطور يعتبر كذلك مسيئا لعمل العلاقات الاقتصادية والسياسية الثنائية العربية - التركية·

فصل الروابط

وأخيرا حاولت تركيا فصل روابطها الغربية عن اتصالاتها مع البلدان العربية، والتوجه التركي نحو الغرب ليس بجديد ولا بغريب على العهد الجمهوري· والامبراطورية العثمانية كانت غربية التوجه كذلك منذ انطلاقتها· وتركيزها الرئيسي على ممتلكاتها البلقانية وغزواتها في وسط أوروبا وإيطاليا في الفترة بين القرن الرابع عشر ونهاية القرن السابع عشر غالبا ما يشار إليه كتوجه أوروبي· لقد كان العثمانيون معنيين بعمق في الشؤون الأوروبية· وكانوا دائما يقارنون أنفسهم بخصومهم الأوروبيين· ويبدو وكأن ذلك التوجه قوي جدا بحيث لا يستخف به في تركيا· يضاف الى ذلك أن تركيا طورت علاقات اقتصادية ومالية مكثفة ومربحة جدا مع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا في الاتحاد الأوروبي· ووقعت تركيا كذلك وبدأت معاهدة وحدة جمركية مع الاتحاد الأوروبي اعتبارا من يناير 1996· ويُعتقد أن إيجاد تأثير لهذه المصالح الاقتصادية والمالية لتركيا إزاء الارتباطات الشرق أوسطية يعرض للخطر المصالح الاقتصادية والمالية التركية· ويحتمل أن تكون التواءات سياسية مشابهة مخلة بمثل هذا الوضع على المدى الطويل· ولذلك تتبع تركيا مجموعة منفصلة من العلاقات مع أوروبا ومع الشرق الأوسط· وتهدف تركيا الى تطوير روابط اقتصادية ومالية قوية وعملية مع الشرق الأوسط في وقت تعمق فيه علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الاتحاد الأوروبي، علي الرغم من أن هذا الأمر لم يكن ممكنا حتى الآن· وكانت المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط هي المبادئ المنظمة، إلا أن تركيا لم تكن تطبق دائما علاقاتها الخارجية على أساس هذه الخطوط بالتحديد· وقد رسّبت تطورات التسعينيات مجموعة من التغييرات في العلاقات الخارجية التركية· وقد حدث معظم ذلك في السنوات الأخيرة نتيجة قرارات خاصة بموضوعات معينة دعت إليها الحاجة واتخذت ارتجالا· وهناك حاجة الي إمعان النظر بدقة في الضغوط والتوترات الناجمة عن أحداث التسعينيات على السياسة الخارجية التركية·

ثانيا: السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط تحت الضغط: حرب الخليج وآثارها

أدت نهاية الحرب الباردة بين عامي 1991-1989 الى فترة من النشاط والنشوة لم تعش طويلا والى نهاية أسيء فهمها للنزاعات الرئيسة في العالم· وافترض الخصوم الرئيسيون في عصر الحرب الباردة أنهم سيكونون أقل تعرضا للتهديد من قبل أية قوة رئيسية أخرى في المستقبل، وهكذا يمكنهم خفض نفقات الدفاع بسرعة فائقة· وبدا الأمر لوقت ما وكأن روسيا في فوضى كاملة وأن البلدان الرئيسية في حلف الأطلسي فقدت اهتمامها بالعمل العسكري· وبدا حلف الأطلسي وكأنه فقد الأهداف التي تشكل من أجلها، كما بدا أن مفهوم الدفاع لدى التحالف الغربي بات في حالة ارتباك· وبدا أن النظام العراقي قد حسب أن الوقت قد حان لحل مشاكله الداخلية الوشيكة وأخذ يتطلع الى موقع زعامة كل العرب في الوقت نفسه· وفي الحقيقة أنه في ذلك الوقت كانت الحاجة تدعو هناك للتخلص من الحشد الهائل للسلاح والأعداد الكبيرة من الشبان المجندين في الجيش العراقي خلال الحرب مع إيران· وبدا أن الوظائف لم تكن من الوفرة بحيث تكفي لتوظيف مجندي تلك الحرب في العراق· وبعض الامتعاض الداخلي الذي يؤدي في النهاية الى قلاقل قد يكون تسبب في خيارات مزعجة للزعامة العراقية· وبدا أن الكويت يوفر هدفا مريحا الى حد كاف للجيش العراقي، ومثل هذه الحرب الجديدة ستحث أيضا الشعب العراقي على الوقوف وراء الزعامة العراقية· ويكون الجيش لا يزال منشغلا بمشكلة "قومية" بدلا من أن ينغمس في قضايا اقتصادية يومية·

النظام العراقي يوحي بنهاية حلف الأطلسي

وبدا واضحا بما فيه الكفاية مع الموقع التركي أن زعامة النظام العراقي قد قيّمت تطورات أوائل التسعينيات وكأنها نهاية حلف شمال الأطلسي· وحيا الرئيس العراقي في اجتماعه مع يلدرين اكبولوت رئيس الوزراء التركي بقوله "إن حلف شمال الأطلسي لم يعد عاملا ولن يأتي لمساعدتكم، وإذا أخفقتم في السلوك كما نطلب منكم في قضايا مهمة بالنسبة إلينا من سيأتي لمساعدتكم؟"· وبدا الرئيس العراقي وكأنه وصل الى نتيجة أن حلف شمال الأطلسي لم يعد حلفا عسكريا قويا يمكن الاعتماد عليه، لقد فقد حلف شمال الأطلسي إرادته وتوجهه نحو خوض قتال إذا ما اشتبك العراق مع تركيا· يضاف الى ذلك أن العراق كان يعتبر خارج اهتمام مخططي حلف شمال الأطلسي وقادته·

وحفز مثل هذا الانطباع مؤسستي الدفاع والأمن التركيتين على إعادة تقييم الصورة الجديدة التي أخذت بالظهور بحلول 1990· وقد توصلتا الى أن تركيا أخذت تواجه تهديدا أقل قوة (مقارنة بالاتحاد السوفييتي)، ولكن أكثر انتشارا لوحدة أراضيها، ويأتيها في معظمه من الجنوب· ومع انتهاء الحرب الباردة انخفض التهديد القائم من دولة عظمى من الشمال والشرق، ولكن تهديدا أقل كثافة من الجنوب ومن الغرب (اليونان) حل محله· وفي فترة ما بعد الحرب الباردة تضمنت مفاهيم التهديد لدى النخبة السياسية التركية على أنها بشكل رئيسي تهديد غير نووي من سوريا والعراق في الجنوب ومن اليونان في الغرب· وتسبب منطقة القوقاز أيضا قلقا أمنيا ولكن من طبيعة مختلفة جدا· ويبدو أن أرمينيا هي البلد الانقلابي الوحيد في المنطقة الذي يمكن أن يسبب فوضى، إلا أنها لا تملك سوى وسائل قليلة نسبيا لخلق أية مشاكل جدية لتركيا، يضاف الى ذلك أن أرمينيا ستخسر الكثير من مجابهة مع تركيا·

لقد كانت هذه الصورة الأمنية الجديدة هي التي حفزت تركيا على الوقوف الى جانب الولايات المتحدة عند ابتداء أزمة الخليج في عام 1990· وحثت تركيا حلفاءها الأطلسيين على التعامل بسرعة وبشكل لا لبس فيه ولا إبهام مع النظام العراقي لتثبيت الوضع القائم قبل الحرب· وتطور، في الحقيقة، تجاوب حلفائها بالنسبة الى أزمة الخليج مع الخطوط التي سبق أن اقترحتها تركيا، إلا أن تطورات ما بعد حرب الخليج أخفقت في تخفيف مصادر القلق الأمني الجديدة لتركيا، بل قد تكون زادتها تفاقما· يضاف الى ذلك أن صراع السلطة في الجنوب وفي الشمال خلق أرضا خصبة لعدم الاستقرار في العراق، وأدى استخدام النظام القوة لإخضاع الأكراد الى هجرة جماعات كبيرة من الأكراد من العراق الى تركيا· وطلبت تركيا التي لم تكن لديها الموارد للتعامل مع مثل هذه الهجرة الجماعية المساعدة من تحالف حرب الخليج لحل مشكلة اللاجئين الأكراد في تركيا· وفرضت عملية توفير الاطمئنان إقامة منطقة يمنع فيها تحليق سلاح الجو العراقي فوق المناطق التي يسكنها الأكراد وتشكيل فريق مراقبة متعدد الجنسيات الى الشمال من خط العرض 37·

توقف التجارة بين تركيا والعراق

وفي الوقت نفسه توقفت التجارة بين تركيا والعراق بحلول أواخر 1990 بسبب العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، وقد أثر هذا التوقف مباشرة في جنوب شرق تركيا· وفقد أولئك الذين كانوا يعتاشون من التجارة مع العراق في فورة الثمانينيات أعمالهم ووظائفهم بأعداد كبيرة· وارتفع معدل البطالة في جنوب شرق تركيا الى ما يتراوح بين 30 و40 بالمئة من القوة العاملة· وفي تلك المنطقة التي يشكل الأكراد الكثافة السكانية فيها حل ركود وانكماش مفاجئ في الاقتصاد محل فترة من الازدهار وارتفاع التوقعات بتقدم اقتصادي· وقد كان ألكسيس دو توكفيل هو أول من افترض أن مثل هذه الظاهرة ستكون سببا رئيسيا لثورة اجتماعية· ولذلك أصبحت الأحوال بحلول نهاية 1991 ناضجة لانتفاضة اجتماعية في جنوب شرق تركيا·

وتصادف أن ظهر بحلول عام 1992 فراغ سلطة في شمال العراق خلق أرضا خصبة لقيام قوى سياسية جديدة ولصراع للسيطرة على تلك المنطقة· وفي هذه البيئة تغلغل حزب العمال الكردستاني (وهو في الأصل منظمة ماركسية - لينينة أنشئت في عام 1978 في تركيا) في شمال العراق وشارك في الصراع على السلطة· وبدأ حزب العمال الكردستاني مهاجمة قوى الدفاع والأمن التركية، وكذلك مهاجمة مستوطنات مدنية في تركيا منذ 1984، إلا أن عملياته هذه لم تكن تلقى سوى وقع محدود حتى حرب الخليج· ووجد هذا الحزب في أعقاب تلك الحرب أحوالا محسنة بتجنيد شرائح كبيرة من الجماهير الكردية المصابة بفقر مدقع وتوسيع عملياته في شمال العراق وجنوب شرق تركيا· وعندها بدأت تركيا تهتم بازدياد في تطورات شمال العراق·

كانت تركيا في الواقع قد سوّت نزاعاتها مع عصبة الأمم في أواسط العشرينيات حول مطالب متعلقة بحدودها مع العراق· وليست لتركيا مطالب جديدة حدودية من شمال العراق· وما يحفز العمل التركي في المنطقة هو مكافحة هجمات حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي التركية· وكانت تحركات القوات التركية داخل شمال العراق تحمل نصب أعينها هذا الهدف· ومن المعترف به أيضا أن الاشتباكات الحربية الطويلة في شمال العراق يحتمل أن يكون لها رد فعل عكسي لتركيا· ومع هذا فإن مبدأ "عدم التدخل في السياسات الداخلية لأي بلد عربي" قد جرى اختراقه في حالة العراق منذ عام 1991· ويبدو أن من غير المحتمل أن تتجاهل تركيا التطورات الجارية في تلك المنطقة ما لم يتم تطبيع كامل للعلاقات الخارجية العراقية وعودة الجيش العراقي الى السيطرة على الأجزاء الشمالية من أراضيه· ولا يبدو أن التطورات الأخيرة تحمل إشارات مشجعة، ذلك أن العراق والولايات المتحدة عادت سيوفهما الى التصارع منذ ديسمبر 1998· ومع ذلك فإن إعادة تثبيت الثقة بالعراق كدولة غير محاربة في المنطقة في أعين صانعي السياسة الخارجية التركية أمر غير سهل التحقيق·

نزاعات حول الأرض

وليست لتركيا نزاعات حول الأرض مع العراق، إلا أن هنالك قلقا حصريا بأمن حدودها وبالتمرد الكردي المسلح بقيادة حزب العمال الكردستاني· وعلي الرغم من أن الجدل نفسه يمكن قوله بالنسبة الى الحدود السورية من المنظور التركي فإن وجهة النظر السورية مختلفة كليا· فالنخبة السياسية السورية لم تقبل أبدا أية حدود لا تتماشى مع تعريفها بـ "سوريا الكبرى" كحدود شرعية· وتمتد حدود سوريا الكبرى من الطرف الشرقي لجبال طوروس في الشمال الى صحراء سيناء في الجنوب· يضاف الى ذلك أنه يبدو وكأن السوريين لا يزالون يعتقدون بأن هاتاي (سنجق الاسكندرون وانطاكية) لا تزال تشكل قضية· وعلى الرغم من أن هاتاي قد أصبح قانونيا جزءا من تركيا منذ 1939 فإن الحكومة السورية قدمت مطالب في أوقات متفرقة تقول إن سكان هاتاي أجبروا على اختيار تركيا في الاستفتاء الذي أجرته سلطة الانتداب الفرنسي· ونتيجة ذلك فهي تعتبر أن الاستفتاء بصدد هاتاي عمل غير شرعي من قبل السلطة المنتدبة، إلا أن النخبة السياسية التركية لا ترى أي أساس قانوني يرتكز عليه هذا الادعاء، ولذلك فإن تركيا لا تعتبر هذا الأمر قضية حتى الآن·

مشكلة المياه

وتعرضت علاقات تركيا الخارجية مع جيرانها العرب لضغط متزايد بمشاريع الزراعة وتوليد الطاقة التركية الهادفة الى جني ثمار بناء سدود على نهري الفرات ودجلة· ويجري العمل بمشروع جنوب الأناضول (S.A.P) بهدف توليد كهرباء من محطات توليد بالطاقة المائية وري السهول المرتفعة في حران وأوروفة وديار بكر· ويتوقع حصول زيادة رئيسية في الإنتاج الزراعي لتركيا بحلول عام 2015 إذا استمر المشروع واكتمل كما هو مخطط له· وتسبب مياه نهري الفرات ودجلة حساسيات واحتكاكا بين تركيا وسوريا والعراق· وعلى الرغم من أن المشاكل التقنية حول كمية المياه التي ستتدفق جنوبا من تركيا قد لا تكون تسويتها من الصعوبة بمكان، فإنه يبدو أن هنالك عنصر ثقة مكثفا ليس حله بمثل هذه السهولة· ويبدو وكأن النخبة السياسية السورية لا تثق بنظيرتها التركية· وتحمل النخبة السياسية التركية شكوكا مشابهة لنظيرتها السورية· ويبدو وكأن النخبة السياسية السورية تعتقد أن ما تعد به السلطات التركية (وهو دفق حوالي 500م3 من المياه في الثانية من الفرات من تركيا الى سوريا طوال السنة) إما مستحيل التحقيق في المستقبل أو أن السلطات التركية ستحتفظ بمياه أكثر لغايات الري مما ترغب في الوعد به· وتصبح القضية أكثر حراجة بالنسبة الى العراق، إذ إنه يقع على مجرى النهر بعد سوريا ولا يمكن للعراقيين استخدام أكثر من ذلك الجزء من المياه الذي يسمح لك من الأتراك والسوريين بتدفقه عبر مجرى النهر· وعلى هذا فإن العراقيين أشد حساسية حول هذه القضية· وقضايا المياه في الشرق الأوسط يجري التفاوض بشأنها في الوقت الراهن كجزء من تسوية سلام شاملة في الشرق الأوسط· وتساهم تركيا في هذه المفاوضات وقد تصبح لذلك جزءا من أية تسوية يتم التوصل إليها حول قضية المياه·

عمل مشترك

ويبدو مع ذلك أن قضية المياه تحث على عمل متناسق من النخبة السياسية العراقية والسورية تجاه تركيا· وهذا ينقض مبدأ عدم "التسبب في تكتل بلدان عربية ضد تركيا" الذي كان يحاول صناع السياسة الخارجية التركية اتباعه في الماضي· وفي الحقيقة، يبدو أن النخب السياسية السورية والعراقية تحاول جاهدة تنظيم تكتل مناوئ لتركيا من الدول العربية يتخذ أعمالا تأديبية ضد تلك الشركات والبلدان التي تقدم معرفة وقروضا وتقانة الى مشروع جنوب الأناضول· وإذا كتب النجاح لتأسيس مثل هذا التكتل فسيؤدي الى إخفاق جزئي في السياسة الخارجية التركية إزاء الشرق الأوسط· ومع ذلك فمن غير المحتمل كثيرا إمكان وقف برنامج جنوب الأناضول· قد يتم الإبطاء فيه ولكن الزخم السياسي المحلي في تركيا من القوة بحيث لا يمكن لأية حكومة اتخاذ قرار بوقف مشروع جنوب الأناضول، وبخاصة بعد تلك الاستثمارات الكثيرة التي حصلت في المنطقة· وإمكان مجابهة تركية حول هذه القضية مع سوريا والعراق سيكون مضرا بالبلدان الثلاثة كلها، إذا لم يكن بالإمكان التفاوض على تسوية منصفة لقضية المياه في الشرق الأوسط في عملية سلام الشرق الأوسط· ويبدو وكأن التحركات الأخيرة لسوريا والعراق موجهة نحو الوصول الى شروط يعتبرانها مناسبة في عملية سلام الشرق الأوسط·

وتستقبل تركيا بترحاب اتفاقات سلام عربية - إسرائيلية وتسوية شاملة في الشرق الأوسط وتركيا ليست مهتمة فقط بقضية المياه، بل كذلك بشكل أعم باستخدام الإرهاب من قبل دول انقلابية لتغيير الوضع القائم بما يتناسب والصورة التي تضعها للمنطقة أو لبلدها· وتستهدف منظمات إرهابية مدعومة من دول مجاورة تركيا، كما تستهدف إسرائيل· ولذلك يجد هذان البلدان الكثير من الأرض المشتركة في مكافحة الإرهاب· والتقارب الأخير بين إسرائيل وتركيا من المحتمل أن يظل قائما طالما أن الإرهاب يستخدم كأداة في السياسة الخارجية من قبل بلدان الشرق الأوسط ضد جيرانها·

تعاون تركي إسرائيلي

اتفقت المؤسستان الدفاعيتان التركية والإسرائيلية علي توقيع معاهدات للتعاون· وتوفر تركيا بموجب هذه المعاهدات تسهيلات للطائرات الحربية الإسرائيلية، كما توفر إسرائيل تسهيلات للطائرات الحربية التركية· وهذا يستهدف الرد على التحرك اليوناني وليس تكوين تحالف جديد في الشرق الأوسط يزيد من المضايقات أمام الأقطار العربية·

وتأمل تركيا أيضا تشكيل مشاريع مشتركة في مشروعات دفاعية مع إسرائيل لا تضع شروطا أمام صفقات أسلحة ونقل تقانة وخبرات تشعر مؤسسة الدفاع التركية بعمق أنها بحاجة الى الحصول عليها في بيئة ترى أنها أكثر عدائية بازدياد لتركيا·

وأخيرا، فإن المشاريع الاقتصادية بين شركات البلدين أخذت تبدو أنها مفيدة، فتركيا شريك جيد للعمل في أسواق آسيا الوسطى والقوقاز، كما أن إسرائيل بالمماثل شريك ممتاز لوصول الشركات التركية الى منطقة التجارة الحرة الأطلسية (NAFTA

ويجب أن لا يشكل أي من هذه الأسباب الرئيسية الثلاثة أي قلق للأقطار العربية، كما أنها غير ذات صلة بالأقطار العربية· ومع ذلك، فإن تركيا تقيم أيضا معلومات حول نشاطات إرهابية في إيران والعراق وسوريا· وعلي الرغم من عدم وجود أي دليل ملموس على ذلك، فإن الصحافة التركية تلمح على ما يبدو بأن السلطات التركية تتلقي معلومات قيمة من نظيرتها الإسرائيلية حول منظمات إرهابية تعمل في تركيا من قواعد في الشرق الأوسط·

وإذا كان بالإمكان الوصول الى تسوية منصفة وعادلة للنزاعات الرئيسية في المنطقة، فعندها تصبح حماية الوضع القائم موقفا دوليا يكسب الدعم من كل الدول الرئيسية في المنطقة وعندها فقط يمكننا توقع الحصول على آلية منسوخة عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في الشرق الأوسط، إلا أنه ليس من السهل إقامة مثل هذه الخطوة·

وما اقترحه هنا هو أمر معادل للقبول بأن الوحدة العربية (العروبة) ونسخها المختلفة هي شأن من الماضي· يضاف الى ذلك أنها توحي أيضا بأن صورة جديدة لمجتمع "صالح" طبعت في أذهان نخب البلدان العربية· وهذه الصورة الجديدة للمجتمع "الصالح" ترتكز على افتراض رفاهية رعاياها، وكذلك رفاهيتها هي، إنما تخدم بشكل أفضل من دون تبني شعارات سياسية خارجية انقلابية أو وحدوية· وهذا قد يكون معادلا للقبول بأن السياسات المحلية والإنجاز الحكومي في مناطق مثل الاقتصاد والصحة والتعليم والإسكان وغيرها أكثر أهمية من حشد الموارد البشرية وغير البشرية للدولة من أجل حملة حربية للحصول على قطعة من الأرض "فقدت" في أعمال البتر التي سببتها حروب عالمية في الماضي· ومن الواضح، أن هذه عملية تستدعي حكومة متجاوبة وتمثيلية في النهاية· ومن المرجح أنه من دون إقامة شكل حقيقي من حكومة تمثيلية مرتكزة على موافقة غالبية السكان الراشدين في البلدان العربية، سيكون من الصعب إقامة سياسات خارجية غير انقلابية· ووجد معظم الحكومات العربية في القرن العشرين من الأسهل لها حشد سكانها لخوض حرب حول الأراضي بدلا من بناء حكوماتها على القبول الشعبي وتجنيد سكانها لمحاربة الفقر والأمية والمرض والفساد السياسي في الداخل·

وتتطلب أية تسوية دائمة للقضايا الشائكة في الشرق الأوسط تغييرا جذريا في بؤرة تركيز النخب السياسية من العلاقات الدولية الى تعريف "المجتمع الصالح" الذي يشدد على الاهتمامات المحلية، وبتحديد أكثر على رفاه المواطنين· ومثل هذا التغيير قد يحمل أكلافا هائلة لمعظم الحكام الحاليين في الدول العربية· وهكذا فإنه لا يمكن بناء تسوية سلمية إلا حول فكرة "توازن الإرهاب" الذي يجعل نفقات الحرب أمرا لا يمكن للمعتدي أن يتحمله· ويبدو أن لعبة حرب باردة جديدة آخذة في الشرق الأوسط، وسباقات التسلح الجديدة ستكون حتى أكثر كلفة من السابق وقد تستمر الى أن تفقد الأنظمة الاستبدادية كل شرعية في أعين شعبها· وقد استغرق الأمر خمسا وأربعين سنة للاتحاد السوفييتي للتخلص من مثل هذه اللعبة· وسنكتشف كم من الوقت سيمر في الشرق الأوسط قبل أن يكون لنا شيء شبيه بحكومات تمثيلية قائمة مكان الحكومات الاستبدادية أو أنظمة الحزب الواحد·

خاتمة

لقد ارتكزت السياسة الخارجية التركية إزاء الشرق الأوسط على بعض المبادئ الراسخة التي تطورت على مر السنين· وحملت تطورات التسعينيات معها تحديات جديدة تفرض انحرافات عن بعض هذه المبادئ· وأصبحت تركيا متداخلة في تطورات شمال العراق في أعقاب حرب الخليج التي خربت مبدأها في السياسة الخارجية القاضي بـ "عدم التدخل في السياسات الداخلية للدول العربية"· وثانيا وعلى الرغم من حقيقة أن تركيا تتبع سياسة خارجية تتفادى إقامة تحالف دول عربية يعمل ضدها في أية قضية، فإن قضية المياه ولدت مثل هذا المسلك من بعض الدول العربية· وأقامت تركيا أخيرا علاقات أوثق مع إسرائيل بعد "اتفاقات أوسلو" للتعامل بشكل أفضل مع تهديد مشترك هو ما يسمى الإرهاب المرعي من دول مجاورة· ولذلك فإن التوازن الدقيق الذي كانت تتبعه تركيا بين إسرائيل والدول العربية قد أصبح الآن مائلا بعض الشيء نحو إسرائيل· وستستمر تركيا بعلاقات أخوية مع السلطة الفلسطينية وستدعم القضية الفلسطينية، إلا أن سياسات أمنية ودفاعية وثيقة التنسيق أخذت تركيا باتباعها مع إسرائيل للتغلب بشكل أفضل على الإرهاب·

وأخذت السياسة الخارجية التركية إزاء الشرق الأوسط تتكيف مع الأحوال المتغيرة في الشرق الأوسط مع ظهور مصادر جديدة للتهديد وراء حدودها الجنوبية· والجوهر الكلي للسياسة الخارجية التركية سيظل هو نفسه، إلا أن تركيا ستصبح ناشطة أكثر لدرء التهديد عن وحدة أراضيها كلما ظهر من دول مجاورة، ولسوء الحظ فإنه يبدو أن ليس هنالك سوى القليل مما يحمل على الاعتقاد بأنه سيجري التخلي عن الإرهاب كأداة سياسة خارجية تستعملها بعض دول الشرق الأوسط· وليس هنالك أيضا سوى القليل في الدلالة بأن السياسات الخارجية الانقلابية الوحدوية لمعظم الدول العربية ستتنحى ليحل محلها احترام للوضع القائم عندما توقع كل الدول العربية اتفاقات سلام مع إسرائيل·

وكما أشارت حرب الخليج بوضوح، فإن الاستبداد لا يمكن له أن يعيش من دون أعداء خارجيين، وأن هذا الاتجاه غالبا ما يخلق خطر الحرب· ولا مبرر هناك للاعتقاد بأن الحالة الراهنة للسياسات المحلية للأنظمة الاستبدادية علي وشك التحول نحو إقامة حكومات تمثيلية في الشرق الأوسط· ولذلك فإن السبيل الوحيد لتفادي حرب في الشرق الأوسط لا يزال يبدو أنه تأسيس جيش ضخم يرتب استخدامه كلفة عدوان لا يمكن تحملها على المعتدي· ويبدو وكأن الشرق الأوسط سيستمر في ممارسة حروبه الباردة الإقليمية المبنية حول موازين الإرهاب في المستقبل· وأخذت تركيا تركز نفسها الآن في وضع للتعامل مع أحوال حرب باردة جديدة آخذة في الانكشاف على حدودها الجنوبية مع بعض الأنظمة الاستبدادية المجاورة· والحروب الباردة إدارتها مكلفة· وكما أظهرت التجربة الأحدث مع الحرب الباردة للفترة 1990-1945 فإن مثل هذه الحروب أكثر كلفة وضررا للأنظمة الاستبدادية· وستكون لنا فرصة مراقبة ما إذا سيكون لحروب الشرق الأوسط الإقليمية الباردة ديناميكيات مختلفة في القرن الحادي والعشرين أم لا·

*مجلة المستقبل العربي العدد 1999/4/2

**أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوغاز "البوسفور" - تركيا

طباعة