· الصوت المبدع الذي يساند قضايا النضال والحرية والعروبة ما زال يدوي في سماء الشعر
كتب علي عبدالفتاح:
أقامت رابطة الأدباء بالكويت احتفالية كبيرة للشاعر الكبير أحمد السقاف تحت عنوان: عمرا من الحب والعطاء، التف فيها لأدباء والشعراء والمثقفون والجمهور المحب لهذا الشاعر الذي ظل مثالا كبيرا لمواقف الالتزام ورمزا للحب والثراء الروحي والإخلاص للوطن والأمة العربية·
صوت العروبة
أحببت أحمد السقاف حينما كنت اقرأ قصائده في كتبي المدرسية وانتابني إحساس بالزهو والفخر بأمتي العربية فلم تكن قصائده إلا بحرا هادرا وشلالات تجتاح الذات وتوقظها من غفوتها· وقد ظل دائما السقاف شمسا لا تغيب في سماء الشعر العربي وحينما شاهدته في الكويت واقتربت منه شعرت بالرهبة من هذا العملاق الذي يزلزل هدأة النفس بأشعاره ويقود ثورات كبيرة ويصرخ بالعروبة والقومية وأصبح هو صوت الحرية وصوت الإنسان الحر وضمير الشعوب العربية ووجدانها الأصيل·
ورأيت السقاف كوكبا مضيئا بين نجوم الأدب في الكويت من خلال إسهاماته في النهضة الثقافية والإبداعية فأركت حقا أنه رائد ومبدع وصوت يساند قضايا الحق والنضال والعروبة·
وحينما تقرأ قصائد السقاف تلمح في هذه القصائد بطولات الفارس الذي أقسم أن يحرر بلاده العربية من الطغيان والفساد وتشعر بكبرياء الصحراء وعشق الأرض وشموخ النخيل في الوديان وثورة الشعوب ضد القهر والاستغلال· ومرة أخرى حين تقرأ قصائد السقاف تتنسم عبير القصيدة الأصيلة وتعجب بروعة البناء الشعري وفصاحة العبارة وجزالة الألفاظ وثراء المعاني· إنه شاعر تتذكر معه المتنبي وعنترة وأبا تمام فهاهو سيف العروبة تضيء جوانبه خلال قصائده وها هي معارك الحرية والنضال تدوي صيحاته وتكاد تنصت الى صهيل الجهاد في اقتحام معاقل الطغاة والانحياز الى الإنسان العربي وقيمه ومثالياته وتاريخه الطويل·
مدرسة الحرية والنضال
هذا شاعر نتعلم منه معنى النضال والموت من أجل المبادئ والقيم العليا· السقاف مدرسة في الحب والحرية والنضال· مدرسة أصبح تلاميذها الآن من أعلام التحدي والرفض والثورة· مدرسة ما زالت راياتها تخفق في سماء الإبداع الأدبي·
يمتزج في شعر السقاف الحماسة العربية المنطلقة في بطولات نادرة وفريدة تقتحم الظلمات لتضيء بحد السيوف وأسنة الحراب جبهات المعارك· ويغني السقاف لنهضة الإنسان وتجاوزه الخضوع والتراجع والتردي· قصائد السقاف تشيد لنا مدينة أبدا لا تعرف الهزيمة برغم الهزائم ولا تتأثر بالنزيف برغم الجراح ولا تشعر باليأس برغم الإحباط· مدينة للعشق والثورة والتمرد·
قصائد السقاف توجه رسالة لإثارة الوعي·· قصائده رصاصات تفجر أوكار الذل والعار والخديعة· ثورة تأجج للخلاص من ظلمات القهر واستبعاد المستعمر· هذا ليس شاعر نسيج وحده وإنما برق أضاء في النفوس وشهاب يخترق أفق الإبداع العربي·
واقرأ ماذا يقول حين يحرض الإنسان العربي على النضال:
الجرح جرحك قم للثأر منتقما
والأرض أرضك فاسحق رأس من ظلما
لا تحفلن بأسطول يدل به
طاغ يجر الى تابوته قدما
القصيدة لدى السقاف سلاح نافذ في قلب الظلام يرد الغادر ويحمي الفارس النبيل ويسانده في جبهات الحرية وتصبح القصيدة هي الفعل القادر على تغيير واقع الأمر وتحويل الفكر من نسقه العادي الى طرائق في الإبداع والتنوير ولا يمكنك إلا أن تتأثر وتتحفز للانفعال الكبير حين تسري في داخلك الموسيقى الهادرة لقصائد السقاف·
وأحمد السقاف أحد دعاة القومية التي بذل لها من دمه وحياته ما بذل من الجهد والكفاح فإن إيمانه بوحدة الأمة العربية لا شك فيه إطلاقا وإذا كانت العراق قد قامت بغزو الكويت في يوم الثاني من أغسطس 1990 فهذا لا يعبر عن انهيار العروبة بل إنه ناتج عن قرار من نظام وحكم فردي وحاكم دكتاتوري· ولذلك يظل السقاف معبرا عن موقفه هذا قائلا:
أتحدى بغي الطغاة بوعي
تتباهى به النجوم وتعقد
لا أبالي إذا تنكر قوم
أو توارى عن العروبة مرتد
ولا توجد أرض عربية لم ينشد لها السقاف قصائد الحب والولاء والانتماء فإن أرضه تمتد من المحيط الى الخليج وصوته يسري مدويا في كل المواني ويتجاوز الحدود ويجتاز الحصون والسدود· وتمزقه من أجل وطن عربي واحد يظل عذابه ونبع آلامه من أجل الأوطان الأخرى· فلا فواصل ولا أقاليم ولا عصبيات تتنازع حبه والتزامه بقضايا أمته ونهضتها وتقدمها وحريتها·
شاعر الأوطان
هذا شاعر لا يعيش لوطن واحد بل لكل الأوطان ولا يكتب عن الكويت أو ذاته وإنما عن هذا العالم العربي الذي يحلم به أن يبعث من غفوته ويستعيد تراثه ومجده الكبير ويتسيد عروش البطولة والعظمة والسلطان·
ولذلك ينادي الشباب أن يتزودوا بالعلم ويساهموا في حضارة أوطانهم ويقول:
أصبح العلم يا شباب سباقا
تتبارى فيه النفوس الكبار
مركبات الفضاء تختال في الكون
وبالعلم يستباح المدار
شمر المبدعون عن ساعد الجد
وللجد غرسه والثمار
والتغني بسالف المجد وهم
إن جهلتم زمانكم وانتحار
ليس يجدي التراث إن حارب العقل
وإن ضاع في الحوار الحوار
نحن موتى إذا عكفنا على الخلف
وما يفعل العدو جبار
هدف الحاقدين أن تعصف الريح
وإن يملأ السماء الغبار
فاجعلوا العلم يا شباب منارا
لن تضلوا وفي الطريق منار
ومن الوعي أن تكونوا عيونا
ملؤها يقظة ونور ونار
أواه يا كويت
ويغني السقاف للكويت في يوم الثامن من مارس 1991 أثناء الغزو فتلمح شجن العاشق ودمعاته المنسكبة وحبيبته في الأسر تمد يدها عبر الموج العاتي والشاعر يحاول أن يصل إليها بكافة الطرق· فتأتي الغنائية ممتزجة بالحزن والحسرة والألم العميق ويقول:
أواه يا كويت
أواه يا كويت يا خلاصة الطيوب
يا زهرة جميلة تمتلك القلوب
يا بسمة في كل بيت
أواه يا كويت··
* * *
أواه يا كويت
أواه يا ضحية الجشع
يا غادة جميلة حطمها الطمع
أواه من غدر لئيم في الظلام
والنسا في بيوتهم نيام
أواه يا كويت
* * *
ليلة التكريم
وكانت ليلة تكريم السقاف تذكرني بما قاله الكاتب الكبير جورج برنارد شو بعد أن أصبح كاتبا كبيرا ومشهورا في جميع أنحاء العالم أسرعوا إليه وقالوا له:
- اليوم تكريمك لأنك نلت جائزة نوبل في الآداب··
ابتسم الكاتب الكبير وضحك فقد كان دائما يسخر من مجتمعه وقال في أسي:
- هذا طوق النجاة يأتيني وأنا جالسا على الشاطئ استدفء بشمس الشتاء··
وحقا يأتي هذا التكريم متأخرا؟ ولكن هل كان السقاف في موقف برنارد شو؟
لقد كنت أراقب السقاف في تلك الليلة·· ليلة التكريم كان يتعثر في مويجات دموعه ولمحت كل الأصدقاء يقتربون منه بالعناق والقبلات ودمعات السقاف تترقرق في العيون الحادة تلك العيون التي ينطلق منها ضياء الشعر والتحريض والحماسة الوطنية فإذا بها هذه العيون لطفل باك من فرحته لا يتصور أنه حقا يمتلك إمارة الشعر القومي المقاوم والشعر الوطني الثوري·
وتذكرت أيضا ليلة تكريم أمير الشعراء أحمد شوقي ومبايعته لإمارة الشعر فقد وقف حافظ إبراهيم وقال:
أمير القوافي قد أتيت مبايعا
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
اقتربت من السقاف أتأمل هذا الصرح الإبداعي الكبير وأنا أهمس لذاتي·· حقا أنت أمير الشعراء وأمير القوافي ومبدع البيان· لقد وهبت لهذا العالم بهجة الشموس حين حاقت بهم الظلمات وأشعلت لهم الشموع حين انطفأت المصابيح وظللت رغم محن العروبة والقومية تتغنى بالعروبة والقومية·
وكما قال الشاعر خليل مطران في تكريم حافظ إبراهيم:
كأنك والأحقاب أمواج زاخر
تبسطن فيما امتد بعدك من مدى
تغيرت الأسماء والعصر لم يزل
كما كنت في الإعصار فردا موحدا
وكنت منفعلا أود أن أنصت لصوته عندما قال:
يا صاحبي إفضالكم فوق جهدي
حار في شكره فؤادي وودي
إن هذا التكريم يا أنجم الحفل
لباق فيما أكن وأبدي
كيف أزجي إليه شكري وقد
صرت رهين القديم والمستجد
نفح ما قيل قد تخطى شذا المسك
وازرى بنشر ورد ورند
لكم الفضل يا صاحبي فقد كنتم
الى جانبي وما كنت وحدي
قسما لو بعدت عنكم لأمسى
خاطر الشعر واهنا غير مجد
وحين عانقت السقاف سمعت في ردهات قلبه غنائيات عاشق وأصوات بلابل تصدح في سماء الشرق·· لم يكن هذا قلبه وإنما روضة أزهار تتبعها أسراب حمام وجموع العصافير الهاربة من ليل الآسر فتذكرت هذا النص الذي قاله مطران في تكريم الأديب انطون الجميل:
الروض روضك يا هزار فغرد
وصغ الفرائد في الأريب المفرد
فإذا القوافي وهي منك بموعد
كحبائب وافت وما من موعد
الصوت الشجي
وعاد صوت السقاف الشجي يغرد في فضاء الصدق للأصدقاء والوفود التي جاءت هذه الليلة لتؤكد للشاعر المحلق أنه ما زال يسكن شجر الروح وترفرف حوله نسمات القلوب العاشقة له· فيقول الشاعر الكبير:
أنتم الوحي في القريض وأنتم
حين ينضي اليراع كفي وزندي
وعلى الحرف قد تشابكت الأيدي
لنرقى به الى خير قصد
واليراع الآبي في صنعة الحرف
فرند يفوق أي فرند
غير أن اليراع يغرق في الوحل
متى سار خلف طغيان فرد
أنه شعلة وظلمة ليل
وسلاح به نضل ونهدي
وبعد أن أهدى كلمات الشكر العميق للأصدقاء والضيوف والوفود التي جاءت تعلن حبها وعشقها للسقاف وتعبر عن انتمائها وولائها لشاعريته وعبقريته الوطنية يعترف السقاف بأن هناك نفثة في الصدر توجعه ولا مفر من التعبير عنها فيقول:
واسمعوا نفثة يهدهدها الصدر
رمتني عند المنام بسهد
نحن جزء من الجزيرة لكن
نحن في فوهة الأذى والتحدي
قد بلينا بشر جار حسود
طبعه طبع ظالم مستبد
نسى الفضل والجميل ووافنا
بغدر لدى الظلام وحقد
كلكم تعرفون ما حل بالدار
فماذا يفيدنا أي سرد
فاجعلوا وحدة الخليج ملاذا
واحفظوها بنصف مليون جندي
ولم ينس السقاف قضية بلاده ولم يغفل قضية القدس وموقف الأمة العربية وعودة المجد الإسلامي الكبير· إن السقاف ليس مجرد شاعر عريق بل ضمير الأمة ووجدانها الأصيل الفياض بالحب والخير والسلام·
فيدعو أمته الى التضامن والوقوف في وجه أعداء الوطن ويغني للأحرار والحرية والثوار في كل أرض وفي كل مكان ويأمل أن تظل الإرادة العربية قوية والعزائم فتية والهمم عالية والقيم دربنا الى طريق المجد ونواكب الغرب ونقف في شموخنا التاريخي نضيف الى حضارتنا وأمجادنا·
وكان ختام ليلة التكريم هذه القصيدة التي ألقاها السقاف بعنوان: يا صحابي·