وحدة عربية.. إلكترونية!
ركان الصفدي
"1"
أحسّ أنني أسهر في "الكَفْر"·· قلت لأصدقائي في "القيصرية" إحدى قرى الدلتا بمصر، وأوضحت لهم أن "الكفر" قرية جميلة في جنوبي سورية كنت دائم التردّد عليها لأن لي فيها أصدقاء خلّصاً، وهنا وهناك، الحديث واحد: الشعر، السياسة، الحياة، الفرح·· لم أكن أجامل فقد كان إحساساً حقيقياً، إذ كنت أتحدث مع أصدقائي هؤلاء، الذين لم أعرفهم إلاّ منذ أيام وبعضهم منذ ساعات ، كما لو كنت أعرفهم منذ زمن طويل، بل كأنّ الحدود زالت تماما بين اللحظة والذاكرة·· كانوا يعرفون القليل جدا عن الأدب في سورية· كما كنت أعرف القليل عن الأدب في مصر "على الرغم من الميزة الإعلامية لهذا الأدب" ولكن في نهاية السهرة كنت في قلب الحياة الأدبية المصرية، وكانوا في قلب الحياة الأدبية السورية·
إذا كان حوارا بسيطا كهذا، وكانت مجموعة صغيرة كهذه استطاعا أن يردما هوّة كبيرة كهذه·· فكيف بالمهرجانات الثقافية واللقاءات والأمسيات؟! بل كيف يكون الوضع لو أن أجهزة الاتصال والتواصل مقروءة أو مسموعة أو مرئية تضع في اهتمامها تخطي تلك الحدود التي جعلت من وطننا العربي شبكة كلمات متقاطعة؟!
"2"
قليل من المثقفين العرب استطاع الانتشار خارج بلده، مستفيدا من ظروف مختلفة ولحسابات متنوعة، لأنّ المثقف العربي عليه أولاً أن يحمي رأسه من الارتطام بالجدران التي تضعها حواليه بيئته الضيقة وهيئاتها الرسمية وغير الرسمية، أما إذا نفذ من الحدود فإن عليه أن يواجه أكثر من عشرين حائطا مختلفاً في الارتفاع والانخفاض·
العداؤون الوثّابون وحدهم يستطيعون تجاوز هذه الحواجز، وهم كثر، وإلاّ لما تكررت أسماؤهم في كل مهرجان، من مهرجان الشعر إلى مهرجان النثر إلى مهرجان القطن·· لأنّ الدعوات توجّه غالبا بحسب المعرفة الشخصية أو بحسب ترشيح الهيئات الثقافية·· وفي ذلك الطامة الكبرى·
"3"
في أوائل التسعينيات فكرّنا بمشروع "كتاب شعري عربي" يصدر دورياً ويشارك فيه شعراء من كل الأقطار العربية، أي على نمط الجامعة العربية، على أن توزع المساحة بالتساوي على الشعراء - كما توزع المقاعد في الجامعة العربية - بحيث تقل التكلفة المادية وتحقق العدالة والتنوع· واتصلنا بعدد من الشعراء الشباب السوريين واللبنانيين والأردنيين والعراقيين والفلسطينيين، وهممنا بالاتصال بشعراء عرب آخرين، وتحمس للمشروع معظم من سمع به، حتى إن شعراء كباراً مثل شوقي بغدادي وعلي كنعان وممدوح عدوان أبدوا استعدادهم للمشاركة فيه··· لم يتحقق هذا المشروع لأسباب مختلفة، منها عدم الاتفاق على المعايير، فقد أصبح كل شاعر كأي حاكم عربي لا يحب المزاحمة، ويضع شروطاً لمشاركته في هذه "القمة"، ويضع عراقيل أمام مشاركة هذا الشاعر أو ذاك، فأخفقت قمتنا كما تخفق قمم الجامعة العربية!
لا شك أن المجلات - أو بعضاً منها - توفّر اجتماع عدد من الأسماء الثقافية العربية جنباً إلى جنب، غير أن قارئ المجلة ينظر إليها كما ينظر إلى اجتماعات الحكام العرب العابرة التي "تبحث العلاقات الثنائية وسبل تعزيز أواصر الصداقة والأخوة" من دون أن تحدد استراتيجية للعمل المشترك، في حين أن كتاباً شعرياً مشتركاً يظل مشروعاً استراتيجياً يتحقق فيه حوار حقيقي··· فهل تعقد "قمتنا" الشعرية ذات يوم؟!
(4)
الحدود الثقافية مفصّلة على مقاس الحدود السياسية، تتأثر بها في كل شيء، فإذا أغلقت الحدود السياسية أغلقت الحدود الثقافية··· وبعض المثقفين العرب مثل بعض الدبلوماسيين العرب يحمل جواز سفر دبلوماسياً - ثقافياً، يهرّب به ثقافته المستهلكة والهشة في حين أن المثقفين الحقيقيين يقبعون في ظلالهم وعتماتهم·
(5)
قلما تجد باحثاً عربياً يبحث في أدب عربي خارج دائرته القطرية، فالمصري لا يبحث إلا في أدب محفوظ، والسوري لا يدرس إلا حنا مينه، واللبناني يعكف على أدبه والكويتي لا يرى أبعد من "السالمي"، أما الباحثون واسعو الأفق مثل د· علي الراعي، د· صلاح فضل، إسماعيل فهد إسماعيل·· فهم يحلّقون خارج السرب، والحظ وحده أنقذهم من طلقات الصيادين·
"6"
في عصر الإنترنت حيث عصف الإلكترون بكل المراكز الحدودية وتأشيراتها وجماركها وراياتها وشعاراتها وصورها أصبح من الضروري أن نفكّر بطريقة جديدة·· ربما بوحدة عربية·· إلكترونية·
العرب سيدخلون عصر الإنترنت ولكن·· لأهداف مخابراتية وجنسية وترويحية·
"7"
التجزئة الثقافية·· عارنا!