رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4 - 10 صفر 1420هـ 19 - 25 مايو 1999
العدد 1377

الاحتجاجات الصينية على قصف السفارة في بلغراد:
هل يركب زعماء بكين وحشاً قد ينقلب عليهم؟

يخاطر الزعماء الصينيون من خلال هذه الحملة الموسعة لوصم الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بأنهما معتديان على يوغوسلافيا، ومن خلال مساندة تظاهرات رماة الحجارة أمام السفارة الأمريكية في بكين بإطلاق قوى قد تقض مضاجعهم مرة ثانية·

ولم يتضح بعد المدى الذي بلغته السلطات الصينية في التأثير في هذه التظاهرات أو في النزول عندها ردا على قصف السفارة الصينية في بلغراد·

لكن كانت هناك نتيجة واضحة للسياسات الصينية برزت في الشعارات التي رددها المتظاهرون أمام السفارة الأمريكية، إنه إحياء الشعور القومي المعادي للولايات المتحدة الذي قد يؤدي الى اتجاهات خطرة وغير مضمونة النتائج بالنسبة الى نظام إصلاحي يقوده الرئيس جيانغ زيمين· فإذا تعززت المشاعر الثائرة تكون آثارها عميقة في السياسات الصينية الداخلية والخارجية وربما تغذي القوى المحافظة في الحزب الشيوعي·

في التظاهرات ردد المحتجون النشيد الوطني الصيني وغنوا لمجد الصين وهتفوا ضد "الامبريالية الأمريكية" ويبدو أن هذه المواقف راسخة دوما في النفسية الصينية جنبا الى جنب مع التأثر بالثقافة الأمريكية الذي بدا قويا السنة الماضية عندما أشاد قسم كبير من الطلاب المتظاهرين الآن بالرئيس بيل كلينتون باعتباره بطلا·

وإذا تركت المشاعر القومية تتفاقم فهي قد تأخذ اتجاهات خطيرة وغير مأمونة ربما تنقلب على الرئيس الصيني ورئيس الوزراء جو رونغجي وسياساتهما الرامية الى إرساء علاقات وثيقة مع الغرب وإجراء مزيد من إصلاحات السوق·

وفي هذا، قال المؤرخ الصيني جياو غونبين من جامعة شنغهاي إن "النزعة القومية الصينية شديدة العاطفة انفجارية الطابع وقد تؤدي في حال انفلاتها الى جميع أنواع العواقب غير المنتظرة"· وقال جياو إن موجة الغضب الأخيرة ربما كانت ضحلة وعابرة باعتبارها ردا على حادث استثنائي· لكنه توقع في حال استمرارها أن تؤدي الى دفع الصين نحو الانقلاب على محاولة العودة الى الماضي وفرض ضغط كبير على الرئيس ورئيس الوزراء·

فالوضع الحالي قد يقوي نفوذ المتشددين الذين يفرضون توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة أو تقديم تنازلات للأجانب لبلوغ الأسواق الداخلية الصينية· أما القوة النسبية لشخصيات مثل لي بينغ الذي يرأس البرلمان الآن فقد تشتد الآن في حين تعلو كلمة القادة العسكريين الذين يرغبون برد أقوى على قصف "الناتو" ليوغوسلافيا·

نادرا ما كانت الوطنية الصينية البارزة هذا الأسبوع تلقي مساندة القادة الحاليين الذين شكا كثير من المتظاهرين إنهم لم يكونوا فعالين في اتخاذ أي إجراء مؤثر ضد ما يعتبرونه جرائم يرتكبها "الناتو"· فقد ارتفعت بعض الهتافات أمام السفارة الأمريكية عند رفع أحد المتظاهرين صورة الزعيم الراحل ماومسي تونغ المسؤول عن معاناة كبيرة إبان الثورة الثقافية الذي حطم الزعماء كثيرا من تراثه منذ وفاته عام 1976· عشرات المتظاهرين من الطلاب والموظفين هتفوا "عاش ماو" في ترديد لشعار نادرا ما سمعه الناس في سنوات الإصلاح الاقتصادي العشرين· لكن قلة منهم ترغب في الواقع في العودة الى سنوات القمع أيام ماو·

وقد أوضح المدرس تانغ جينلي لماذا هتف المتظاهرون للزعيم الراحل فقال: "لو كان ماو حيا لوقف في وجه الأمريكيين ولاتخذ إجراءات أقوى بحقهم· لكن زعماءنا اتخذوا اللين سياسة وهم مسرورون بتلقي اعتذار من الناتو والاكتفاء به، أما ماو فكان مستعدا للوقوف وحده دفاعا عن كرامة الصين"·

بالنسبة الى الزعماء الحاليين، كان مفترضا أن تنقضي السنة الحالية من دون أية تظاهرات لأنها تنطوي حساسية لكون الشهر الحالي يسبق بقليل الذكرى العاشرة لسحق التظاهرات الديمقراطية في ساحة تيانانمين في ربيع 1989· وكان مفترضا أن تواصل الصين المستقرة توسيع صلاتها مع الغرب وتقدمها باتجاه اقتصاد السوق الحديث·

بدلا من ذلك، شهد الشهر الماضي تظاهرة لنحو 10 آلاف عضو في حركة روحية مشوا فجأة بمحاذاة منطقة جونغنانهاي وهي المجمع المعزول للقيادة الصينية في بكين في حين بقيت الشرطة ترقبه بلا تدخل·

وبعد صدمة الهجوم على السفارة في بلغراد، ساند القادة الصينيون التظاهرات الحاشدة حول السفارتين الأمريكية والبريطانية· ونظرا الى الغضب من دوافع الناتو الذي غذته الدعاية في الصين، ربما شعر هؤلاء القادة بأن لا خيار آخر لديهم غير ترك الشعب يعبر عن مشاعره، لكنهم لم يشعروا بارتياح وهم يرصدون مسيرات الطلاب تحتشد ليلة السبت الماضي وتخرج على السيطرة في حين أخذ المتظاهرون يرمون السفارة الأمريكية بالحجارة ويسخرون من شرطة مكافحة الشغب·

وفي خطبة نادرة مباشرة أذاعها التلفزيون ذلك المساء، أعطى نائب الرئيس هو جينتاو موافقة على التظاهرات قائلا بكلمات يثق في أن المدافعين عن الديمقراطية يأخذونها بالاعتبار إن "الحكومة الصينية تؤيد وتحمي استنادا الى القانون جميع نشاطات الاحتجاج الشرعية"، لكنه حذر بطريقة جافة من الأعمال المتطرفة مثل إحراق القنصلية الأمريكية في شينغدو ليلة السبت· فقال: "نعتقد أن الجموع الغفيرة التي تتقدم بدافع المصالح الوطنية وهي تأخذ بالاعتبار الوضع العام، تقوم بنشاطاتها طبقا للنظام والقانون"·

يعتقد بعض الصينيين أن الحكومة أججت مشاعر الرأي العام عمدا بشأن حملة "الناتو" على يوغوسلافيا لتحويل الانتباه عن المصاعب الداخلية مع اقتراب الرابع من يونيو الذكرى العاشرة لقمع التظاهرات المطالبة بالديمقراطية عام 1989· واعتبر عضو في حركة ديمقراطية أن الحكومة تركب المخاطر بذلك· فحتى عندما أحكمت شرطة مكافحة الشغب السيطرة على حشود المتظاهرين، واصلت الحكومة تغذية الغضب الشعبي، في حين أكدت صحافتها وخبراؤها أن غارة بلغراد كانت مقصودة· ففي افتتاحية قاسية نشرتها صحيفة "الشعب" الناطقة باسم الحزب الشيوعي، تحدث الكاتب عن "نوايا إجرامية للمعتدين" وراء قصف السفارة مؤكدا أن "الناتو" يدين بالدم لبكين·

هذا الكلام لم يكن يختلف كثيرا عن الشعارات القوية العاطفية التي أطلقها المتظاهرون مثل "اقصفوا البيت الأبيض" و"الدم بالدم"، لكنه يصدر من الزعامة السياسية نفسها التي راهنت على وضعية جيدة من خلال "الشراكة الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة·

(نيويورك تايمز)

طباعة  

الخلافة في سوريا: هل ينجح بشار الأسد في تخطي العوائق إلى السلطة؟!
 
أمريكا: الازدهار الاقتصادي مذهل لكن توقفه ينذر بأزمة عالمية