تعيش الولايات المتحدة الآن فورة حماسة: إنه "التوسع الأمريكي الرائع" على حد تعبير ميشال كامديسو المدير العام لصندوق النقد الدولي وهو يتحدث عن اقتصاد ليس فيه أية علاقة تباطؤ·
فللمرة الأولى في تاريخه، في الثالث من مايو الجاري، تخطى مؤشر وول ستريت مستوى الـ 11 ألف نقطة بعد ما خرق السقف التاريخي لمستوى العشرة آلاف نقطة في 16 مارس· وقبل أيام من ذلك بلغ نمو الناتج الداخلي الخام في الولايات المتحدة في الربع السنوي الأول 4,5 في المئة وهذا إنجاز لم يكن يتوقعه الاقتصاديون·
في هذا الصدد قال رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) آلان غرينسبان إن اقتصادنا عبر اضطرابات بمقاومة عظيمة· ولما كانت الولايات المتحدة تشهد أعظم ازدهار في تاريخها، للسنة التاسعة على التوالي، كان يحق لها أن تعلن نفسها القوة القائدة في العالم·
هذه الزعامة لا تمارسها الولايات المتحدة في البلقان وحده حيث تستطيع أن تمول بسهولة الحرب بواسطة فائض ميزانية عظيم، إنما تمارسها أيضا في داخل المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي حيث تبدو أمريكا بمثابة التلميذ النموذج أمام المجتمع الدولي·
هل ينطوي هذا الأداء على معجزة؟ هكذا تساءل المراقبون وفي نقاش حام أذاعته شبكة "بي· بي· اس" التلفزيونية الأمريكية في الفترة الأخيرة لم يخف اثنان من الاقتصاديين البارزين دهشتهما· فقد قال الأول وهو بوكروغمان الأستاذ في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في بوسطن: "كثير من الأشياء التي كنت اعتقد أنها مستحيلة تتحقق الآن· وما كنت أعتقد في أي يوم أن يشهد الاقتصاد مثل معدل البطالة الحالي المنخفض من دون أن نشهد ضغطا على زيادة الأجور، وهذا لا يصدق"·
نمو دائم بلا تضخم، واستعمال كامل لقوى العمل ومعدلات فائدة منخفضة: هذه هي المكونات الثلاثة لنجاح يعتبر في غالب الأحيان بشيرا لـ"حقبة جديدة" اقتصادية تضمن ارتفاعا مستمرا لمستوى الحياة لأكبر عدد من الناس·
لقد قوبلت فكرة هذه "الحقبة الجديدة" بمعارضة لاسيما من مسؤولي البنك المركزي الأمريكي· لكن الجميع يعترف الآن بأننا نشهد حدثا استثنائيا في التاريخ، إنه مثل اختراع الكهرباء أو الثورة التكنولوجية المقبلة بتعميم استعمال الكومبيوتر الذي أفضى الى تحول عميق في المجتمع الأمريكي· فهذا الحدث سمح بخلق ملايين الوظائف في الخدمات، وزاد الإنتاجية بقوة ونشط الاستهلاك المنزلي· وتمثل الاستثمارات في التكنولوجيا الحديثة الآن 30 في المئة من الاستثمارات الكلية مقابل ثمانية في المئة في فرنسا (استنادا الى إحصاءات صندوق الضرائب والودائع)·
وهذا الاقتصاد الأمريكي المذهل لا يفيد غير الرابحين· فهناك شرائح كاملة من السكان لا تعرف طريقها الى الاندماج في سوق عمل تغلب عليها التنافسية باضطراد·· فإذا كان المرء دون الثامنة عشرة وأسود اللون فهو يكون معرضا للبقاء خارج هذا الازدهار· وهناك نحو مليون ونصف مليون شاب في السجون، بينما يعيش شاب من كل خمسة ما دون الثامنة عشرة في الفقر، استنادا الى مقالة أخيرة نشرتها صحيفة "واشنطن بوست"·· ولا شك أن معدل البطالة وصل في الولايات المتحدة الآن الى 4,2 في المئة (وهو الأدنى منذ 29 سنة) لكن هناك خلف الأداء الاقتصادي الأمريكي حقائق اجتماعية قاسية في ما يخص العمل·
والوجه الخفي الآخر للازدهار الأمريكي يتمثل في أنه غير قادر على البقاء بالقدر الذي يتصوره أنصار "الحقبة الجديدة"· وفي هذا الصدد، تبرز أمامنا علامات القلق الأولى لدى المراقبين· ويقول كروغمان: "أرى أن وضعنا الحالي يشابه وضع اليابان· فهل نحن ضعفاء؟ ربما كان ذلك!! ويجيب عليه ستيف روتش وهو اقتصادي في مؤسسة "مورغان ستانلي": لا، هناك فرق كبير بيننا وبين اليابان، فالاقتصاد الأمريكي لم يتوقف منذ عشر سنوات عن إعادة هيكلة نفسه بفعل متطلبات السوق فأثبت تمتعه بأكبر قدر من المرونة في نظامنا"·
فهل تكون الولايات المتحدة مهددة بسيناريو بالطريقة اليابانية؟ إذا كانت القضية كذلك، يجب أن نتوقع انكماشا لـ"الفقاعة المالية" الأمريكية تغذيه التوقعات المفرطة في التفاؤل في وول ستريت· وفي هذا الشأن، نتذكر الحماسة التي غلبت على بورصة طوكيو طوال الثمانينيات·· فقد أسفرت نهاية الأوهام عن انفجار "الفقاعة المالية" اليابانية في عام 1991 في حدث أغرق اليابان في أسوأ مرحلة ركود عرفتها ولم تخرج منها حتى الآن·
إن مصير أمريكا، وأوروبا أيضا، يتوقف على مصير الحرب في كوسوفو، إن لم يكن أكثر منه على مصير وول ستريت، وفي هذا الشأن، توقع صندوق النقد الدولي "أن تصحيحا قويا في البورصة، نظرا الى المستوى المرتفع لأسعار الأسهم بالنسبة الى النتائج المالية الحقيقية والمنتظرة للشركات، سيؤدي (أي التصحيح) الى كبح الطلب بقوة" في الولايات المتحدة· والواقع أن الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة يقارب 65 في المئة من الناتج الداخلي الخام ويمثل بناء على ذلك أكبر محرك اقتصادي في هذا البلد·
وينطوي الانهيار المحتمل في البورصة الأمريكية علي مخاوف بالنسبة الى الأمريكيين، آخذا بالاعتبار أن النمو الاقتصادي العالمي تجره بقوة القاطرة الأمريكية وفي حال حدوث انكفاء مفاجئ في الطلب الداخلي الأمريكي ينبغي توقع اختلالات قوية في الاقتصاد العالمي· وفي هذا الصدد، أكد باتريك آرتو من "صندوق الضرائب والودائع" أن الأزمة المالية المقبلة ستكون أشد (من الأزمتين الآسيوية والروسية) لأنها ستكون أزمة الدولار ومجموع النظام النقدي العالمي"·
الاقتصاد الأمريكي سريع العطب·· فلما كان قائما على جبال من القروض الخارجية وعلى فيض من الديون (حسب تعبير باسكال بلانكيه الاقتصادي في مصرف "باريبا" الفرنسي) يكون الازدهار الأمريكي مهددا بالانهيار، فيكفيه أن يمتنع الدائنون من الخارج عن تغذيته بالأموال بصورة عمياء وفق السيناريو الذي عرفته تايلاند وأندونيسيا وكوريا الجنوبية، وعندئذ لا يمكن استبعاد انهيار الدولار الذي يؤذي الصناعة الأوروبية بقوة·
أيا تكن النتائج، تعتبر الكرة الآن في الملعب الأوروبي، وهذا ما يؤكده تقرير لصندوق النقد الدولي يقول إنه "إذا تباطأ الاقتصاد الأمريكي بقدر كبير، وهذا ما يبدو محتملا ومرغوبا فيه، يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي المنطقة الوحيدة في العالم القادرة على أن تضع في داخلها حدودا لعواقب بيئة خارجية قاسية وأن تساعد بقية دول العالم في تجنب تفاقم الأزمة"·
(لوموند)