· كانت "الذات" بأشكال مختلفة راية الشعراء انهزاماً أو تمرداً
· الصوفية الرمزية والرومانسية سمة مشتركة لدى الجميع
كتب المحرر الثقافي:
أقامت رابطة الأدباء الأربعاء الماضي أمسية شعرية لستة شعراء هم سعد الدهش وإبراهيم الخالدي وسعد فرحان وعلي الصافي وأحمد النبهان ونجمة إدريس، وقدّمت الأمسية الشاعرة جنة القريني، وكان الحضور جيداً·
سعد الدهش·· مجللاً بالخيبة
كان أول الشعراء سعد الدهش الذي ألقى أربع قصائد تفعيلة بلا عنوان، دارت جميعها حول موضوع الذات المغتربة المهزومة المجللّة بالحزن والخيبة، فهو يتحدث عن ذات ضائعة لا تعرف لها مصيرا تتعلق بالوهم في انكسار مرير:
أيها الغصن الصغيرْ
في مهبّ الريح تسري
لست تدري ما المصيرْ
سوف تغدو ذكرياتْ
لم لا تحمل ماضيك وتمضي
والخطى تعبر ليل الكلماتْ
جاثماً تنفخ في الوهم حياةْ
هكذا يغدو "الغصن" معادلا موضوعيا للضعف أمام جبروت الزمن والواقع الذي حوّل الشاعر إلى فارس عار إلاّ من هزائمه وتيهه ومازوشيته التي تجعله يتلذذ بانسحاقه فهو كما يقول: لا اسم لي/ لا أمس لي/ وغدي عذاب·· وهو متشائم إلى حدّ أن الغراب هو الطائر الوحيد الذي يحط على غصنه· بل إنّ الشاعر يغلق في وجهه جميع الأبواب والنوافذ حتى الحبيبة التي كان ينبغي أن يُسند إليها قلبه المضرّج بالحزن، كانت شكلاً آخر من الانكسار: "قدري أنتِ وماكنتِ اختياري/ وبعينيك انكساري··
والملاحظ أنّ الشاعر كان مستعبدا لغنائيته التي جعلته يُفرط في استخدام القافية إلى حدّ جعل الكثير من مقاطع شعره أشبه بالسجع، إذ لم تكن القافية تكثيفا للحالة الشعرية في القصيدة، وإنما كانت إيقاعا خارجيا لا أكثر، كما أنّ ذلك أوقعه في قوافٍ ضعيفة ليس فيها من الشعرية إلاّ ظلال باهتة:" حيث يهتز مصيري مثل خصر الراقصات"، "حقيقة الوضع المهين"، أضف إلى ذلك عثرات عروضية هنا وهناك أربكت انسياب القصائد· غير أن الشاعر يتألق في بعض المقاطع، كما في حديثه عن المرأة الضريرة التي:
تنام·· تستفيقْ
تقول في هم وضيقْ
كم كانت الدنيا صغيرهْ
أحلامها سود كليل الضائعين
تذوب في الدروبْ
حكاية من الذنوبْ
إبراهيم الخالدي يناجي مسيح الشعر
ثم ألقى الشاعر إبراهيم الخالدي ثلاث قصائد، ففي قصيدة "احتمالات المعنى" يتكىء على بيت للمتنبي ثم يستحلبه عالما شعريا يضج بالقلق والرحيل والغربة، تتخلله صور شعرية طازجة مثل "قبرات المائدة، كستناء البرد،··" والقصيدة بصورة عامة تعبّر عن امتحان عصيب للوعي "الذي تتناثر مفرداته الكتابية والمعرفية" في صحراء القحط الاجتماعي وتنزع إلى ماء الاستقرار والطمأنينة:
"الخيل والليل"
نهر سيعرف باب أغنيتي
لينثرني الأحبة فيّ
"والبيداء تعرفني"
أما قصيدة "القصاص" فهي تهجس بالتجريب، حين يوقّع الخالدي، على غرار الشعراء الرومانسيين في مطالع هذا القرن، مقاطع شعرية فيها من الغنائية، والرؤية الشيء الكثير، موظفا الحوار للقضاء على رتابة القصيدة ولبعث الحياة فيها عبر شخصنتها، القصيدة تتقدّم مسرعة عبر الإيقاع والجمل القصيرة التي أضفت عليها الرشاقة والحيوية لنسج رؤية واحدة تقوم على اليباب الذي يسائل الخضرة، والذاكرة التي تنبثق باتجاه وطن بلا ملامح، والبشر الذين أضاعوا على هوامش "الدراهم اللامعة" ذاكرة الأرض، إنها تلوّح بخطر ما وراء السور حيث الرصاص والنخل والقصاص وإصرار الشاعر على التزام قوافيه أوقعه في بعض الخلل، كالجمع بين روي الشين المفتوحة والشين المقترنة بالهاء الساكنة "الوحشهْ ــ الأعشى"·
أما قصيدة "العراب" التي أهداها إلى سليمان الفليح فهي أجمل قصائده وأغناها تجربة، وقد نوّع الشاعر فيها بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، كما كانت انتقالاته من وزن إلى آخر موفقة إلى حد كبير، كما أنه استخدم "الإطار" على النمط الأدونيسي·
يتسم العالم الشعري لقصيدة "العراب" بالحسّ الاسترجاعي التذكري، حين يستعيد الشاعر طفولته بطريقة جميلة وعفوية وبراءة، إنه يبدأ من "الدرس الأول" في المدرسة "مع حمد قلم··" الذي هو بداية رحلته مع الحرف الذي سيفتح له عالم الشعر الفسيح وعالم العذاب والقلق أيضا::
"مع·· حمد··قلمْ"
ونمسك في البدء حرفاً صغيراً
ندحرج أطرافه في الصباح
ونصطف في نسق ساذج
ونحيّي العلمْ
كما أن الشاعر يتكىء على مرجعيات مختلفة: تاريخية تراثية، دينية، صوفية، ها هو ذا يناجي مسيح الشعر الذي حمل حزنه إلى الأعالي ليوزعه على الشعراء، وإذا عدنا إلى الإهداء وجدنا أنه يضفي هذه القداسة الأدبية على المهدى إليه الذي يتحول إلى "قطب" لمريديه، وعند ذلك تنحو اللغة منحى صوفيا· "غيابك: بابك·· رؤاك: مراياك" تختزن طاقة كبيرة من الرمز المعزّزة بالتنغيم الصوتي·
وفي ختام القصيدة العمودي الشكل، ليثير في عالم القصيدة جوا من المهابة والحس التاريخي، يعلن رؤيته الشعرية التي هي بيت القصيد وفق المفهوم الكلاسيكي، قائلا:
للصعاليك جرح بلا ملّه
جاهليّ بكفر وإسلامِ
وهكذا يقدّم الخالدي قصيدة متكاملة ترفرف فيها راية الإنسانية التي تستمد عناصرها من إرث قديم وضّاء·
سعد فرحان·· صوفية عرفانية
أما الشاعر سعد فرحان فألقى قصيدة عمودية قصيرة بعنوان "تحريض" ترفل في الصور الفنية التي تسبغ على موضوع الحب صوفية رمزية شفعت بلغة شعرية رفيعة المستوى "أواخر عشبي" أوائل ماكِ" تدلّ على تمكن الشاعر من أدواته الفنية· وتكتمل الرؤية في قصيدة "طقوس" المقسمة إلى ثمانية مقاطع هي أشبه بـ "المواقف" الصوفية العرفانية· في المقطع الأول يشع الحرف رمزا للوجود، وفي الثاني يومض "الغياب" الذي هو احتجاب "الأنا" عن الـ "هم" ، وفي الثالث يتحول الغياب إلى صمت بليغ، هو أشبه بصمت "الحجاب" أمام العقول البشرية غير العرفانية· وفي الرابع يؤسطر علاقة الرجل بالمرأة، الرجل الغيمة - المرأة الطبيعة، وحين يتحد انهماره بإيناعها يتحولان إلى نجمتين للحضور· وفي المقطع الخامس تصبح المرأة - الحقيقة مغامرة اللغة وهواء الوجود الإنساني· وفي السادس تصبح المرأة رمزاً للصحو الذي هو الوجود الحقيقي الوحيد - الجمال· وفي السابع نقف على معاناة الذات، وهي على الرغم من واقعية عناصرها (الحزن - الجوع) إلا أنها لا تبتعد عن المعادلة الصوفية التي تتحكم بالقصيدة، وهكذا لا نستطيع أن نفهم هذه المعاناة إلا عبر مفهوم التبريح والمكابدة عند المتصوفة· وفي المقطع الثامن الأخير:
"بدّدت قلباً في الكلامْ
آثرت - مذ ذاك - لريحي صهوة سيفاً،
مرامْ·"
إحساس بلا جدوى القول أمام الفعل، وقد يوحي ذلك بالتعارض مع عالم القصيدة الصوفي، وهو كذلك، غير أن الشاعر بهذه الخاتمة يخرج القصيدة من الصوفية العرفانية التي لا تميّز بين الفعل والقول فهما عنصرا الكشف والرؤيا، إلى الصوفية بمفهومها الإنساني الأشمل الذي يعني استبطان الأشياء والموجودات للوصول إلى الوجود الكلي، أي بعبارة أوضح، إنها الصوفية الرمزية التي شاعت في قصائد الحداثة، ولاسيما عند بودلير ومالارميه، كما أنها ليست الصوفية السريالية التي لا تأبه بفعل الكلمة المنطوقة·
علي الصافي··· "أنا" متمردة
والشاعر الرابع في هذه الأمسية كان علي الصافي الذي ألقى قصيدة عمودية أيضاً طغت عليها التقريرية، يقول فيها:
أنا الغريب البعيد النازح الأبدي والأرض راحلة والصاحب السفرُ·
وقد وقعت القصيدة بعثرات عروضية ولغوية عديدة·
أما قصيدة "حديثك سكّر" وهي على التفعيلة، فهي تتمحور حول "المرأة" التي ينتظرها الشاعر غارقاً في أحلام يقظته التي تشي بالتباس الحب اجتماعياً، حتى إنه يرفع راية المازوشية علانية:
لأن الهزيمة عشق
أحب وأخسر
لأن الخطيئة
عري الكلام البهيّ المطل على غفلة من هواك
أحب الحضور المبعثر···
وتنساب القصيدة بلغة "نزارية" عذبة، يغيب فيها الصوت الآخر لتصبح بوحاً ذاتياً ينزع إلى التمّرد اللامباشر·
وقرأ الشاعر قصيدة من ديوانه المطبوع بعنوان "شتاء أخير لنا"، وهي تنطلق من الذات لتنداح في الكون، مشحونة بروح متنبئية ظاهرة:
لي الأفق
والقدم البرق
على الغيم سرّحتها
الشاعر يضخم أناه من موقف تمرّدي طامح إلى الآفاق، بل ربما اختزن في هذا التورّم المتخيّل إحساساً عميقاً بالغبن والظلم، ولذلك لاتني هذه الأنا تتفجر هنا وهناك في أرجاء القصيدة: "ألف باب مفاتيحها: أنا" ،" البدء مني أنا"، "فلا صوت سواي"، غير أنه في امتداده في الآخرين ينحاز إلى "الأطفال الجميلين الفقراء"··· الشاعر مضرّج بالحزن مغترب:
"من لحزني حين يغيب الناس
في البلاد التي رمت للبحر أصابعها
حتى لا تشير إليّ"
إنه ينتظر أن تصبّ "في دمنا··· نار أصابعنا··· فليل كهذا مداه طويل"·
بقي أن نقول إن القصيدة مثقلة بعالم محبوك شعرياً تتداعى فيه الأفكار والصور وتتنوع الأصوات، ولكن من العجيب أن الشاعر التزم القافية ولم يلتزم الوزن!
أحمد النبهان··· جارح كطعنة الوردة
الشاعر أحمد النبهان ألقى قصائد قصيرة احتفى فيها بإيقاعاته وألفاظه الجزلة، واهتم اهتماماً خاصاً بالتلوين الصوتي كالجناس مثلاً في "وضاح اليمن"·
يا مولاي احرق هذا القصر
رجل مثل صلاةٍ قصر
يسكن كل امرأة تسكن في قصر
والنبهان يعي امتزاج الإيقاع بالحالة الشعرية، فلذلك نلاحظ أن التنغيم لا يأتي للتطريب وإنما لشحن الموقف الشعري بطاقة موسيقية تفجّره عاطفياً وفكرياً أيضاً·
وفي قصيدة "همت تقبله" يكثف لغتة الشعرية ويصفها لتصل إلى حالة الإيقاع المعبّر الذي يفيض على سامعه حالات متتالية متوالدة متدوّرة، فالنبهان لا يفلت سامعه إلا بعد أن يسكب في أذنه وعقله عالمه الشعري المدوّي·
الشاعر عاطفي إلى حد العنف والصخب، ولذلك تأتي مفرداته مجلجلة حادة وهي مستمدة من البيئة الصحراوية، غير أنها موظفة توظيفاً ناجحاً في التعبير عن حالة غير مرتهنة بمكان أو زمان، هكذا تتردد ألفاظ مثل: يقتله - تجرح - فخ قنيصة - إلخ· كما يقيم علاقات متوالدة تضيئها المفارقات المعبرة:
سيدة تخاتله
بذوب الكحل في أجفانها جمراً يبلله
فيفلت من حديثهما صبي
كان يشب في يديه صبية··· همت تقبله
شعر النبهان كان صاخباً ضاجاً جارحاً كطعنة الوردة·
نجمة إدريس··· رومانسية شفيفة
واختتمت الأمسية بالشاعرة الدكتورة نجمة إدريس التي ألقت ثلاث قصائد متوسطة الطول، وفي "غوايات البوح" رسمت صوراً شفيفة للشعر الذي لا يقيده قانون ولا يخضع للمسلمات، إنه المتمرد أبداً، والفضاح، المتوهج، إنه يغير نواميس الكون والفارّ أبداً·
أما قصيدة "المساء" فتغرق في رومانسية لذيذة وديعة تبلل ألفاظها بالعذوبة، وترصع صورها بالبريق، وإيقاعها بسقسقة القوافي:
وكيفما تخطر في بحيرة المساءْ
- يا أرجَ المساءِ –
طائراً مبللاً بماءْ
يطير نحو أغصني
الغمام واليمامْ
وينقر الأعناب من أصابعي
وينقر الحنين والغناءْ
هكذا ترسم إدريس عالماً دفيناً محبباً إلى النفس بألفاظ هامسة وصور حليمة طازجة ويانعة مفعمة بالعاطفة الرقيقة··· إن عالمها الشعري هو العالم البعيد عنا القريب من أرواحنا، فهو كأنه أطياف حلم نقيل إليه دونما إرهاق، وإن كان يبدو مألوفاً ومكرراً، غير أن الإنسان يشتاق إلى الماء بين الحين والحين فلا يمل منه، لذلك استطاعت الشاعرة أن تقودنا بسلاسة إلى جنتها العلوية·
وفي قصيدة "رعدة" تأخذنا إلى أجواء سكونية مغسولة بالليل والمصابيح، إلى عالم هلامي كأنما تسكنه النفوس لا الأجساد، عالم مرسوم بالصور لا بالأفكار، إنه خوف ورعدة نفسية من الغامض، التلوث، الزيف·
نستطيع القول إن الأمسية كانت حارة بشعرائها وحضورها، ذات زخم كبير بدّد سكون ذلك الليل الذي أرعشه ستة شعراء دفعة واحدة·