وبعبارة أصرح فإن هناك شوقا فرنسيّا الى المغرب والجزائر - وتونس إذا أمكن·
كما أن هناك شوقا إيطاليا الى ليبيا·
ثم إن هناك شوقا أسبانيا يرش مشاعره على رمال الشاطئ الشمالي لأفريقيا حيث وجد فرصة·
ومن الضروري للولايات المتحدة أن تترك لحلفائها مجالا·
وأظن أن "معمر القذافي" كان يريد شاطئا عربيا يرسو عليه، لكنه لم يجد، ولقد تصور أنه يستطيع أن يلجأ الى غابات الجنوب في أفريقيا بديلا عن شواطئ الشمال، لكن الهجرة الى الجنوب لم تنجح لأنها ضد التاريخ - بصرف النظر عن قرب الجغرافيا·
وهكذا فإن "القذافي" حتى وإن لم يقصد - وحتى إن لم يشعر - عاد الى الشواطئ التي تتدافع أمواجها نحوه - وبالطبع ليس مهما أن يعرف الناس مصادر الحركة إذا كان فعلها محسوسا - وذلك هو الحال في حركة الزلازل مثلا!)·
·····
كنا ما زلنا في صالون جناحه في قصر القبة، وانتقل "القذافي" الى ما تم الاتفاق عليه في شأن أزمة "لوكربي"·
ولاحظت، وكان ينبغي أن ألاحظ، أنه عندما وصل "معمر القذافي" في حديثه الى هذا الموضوع - فإن ميله على عكازه ناحيتي زاد، وفي الوقت نفسه فإن صوته انخفض الى درجة الهمس·
ولم أعلق وإنما أصخت السمع أدقق في تفاصيل ما يقول·
·····
(وعندما تصل هذه السطور الى قرائها فإن ما قاله "القذافي" عن النتائج التي توصل إليها المهتمون بحل أزمة "لوكربي"، وخصوصا الثلاثة المعتمدين من جانبه: "نلسون مانديلا" - و"عبدالله بن عبدالعزيز" - و"كوفي عنان" - لم يعد سرا على أحد·
" سوف يجري - وقد جرى فعلا - تسليم الليبيين المتهمين من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا - بنسف طائرة شركة "بأن أمريكان" فوق قرية لوكربي الاسكتلندية فجر يوم 21 ديسمبر 1988 الى محاكمة دولية في لاهاي·
" وسوف تجري المحاكمة طبقا للقانون الاسكتلندي، وهو قانون الدولة التي انفجرت الطائرة وسقطت على أرضها·
" ولقد تأكد له وكتابيا أن التحقيق مقصور على الرجلين من دون أن يحاول أحد بسبق الإصرار اتخاذها جسرا الى ما وراءهما أو من فوقهما·
" ولقد أخذ كل الضمانات اللازمة لعدالة التحقيق والمحاكمة، وكذلك عن شروط تنفيذ العقوبة إذا ما حدث وأدين الرجلان·
" وهو واثق من براءتهما لأنه يعرف الحقيقة· كذلك فإن ما سمعه من المحامين الذين اطلعوا على ملفات التحقيق السابقة - ضعيف في الدليل وفي السند ولا يمكن لمحكمة من أي نوع أن تأخذ بشيء منه·
" "والأهم أنه فور تسليم الرجلين في "لاهاي" تعلق العقوبات على ليبيا - وقد علقت فعلا - وهذا يعني عمليا رفع العقوبات نهائيا، لأنه إذا أرادت الولايات المتحدة لسبب ما إعادة فرضها فلن تجد في مجلس الأمن أصواتا (تسعة أصوات لازمة للنصاب) تؤيد إعادة فرضها (كذلك جاء في إيضاحات دولية قدمت الى الحكومة الليبية)·
·····
وحين كان لقاؤنا في قصر القبة ذلك المساء (13 مارس 1999) فقد كانت هناك - ما تزال - نقطتان يتراوح تفكيره حولهما بين الشك واليقين:
النقطة الأولى: أنه كان يريد أن تجري المحاكمة طبق القانون الاسكتلندي نعم - ولكن بواسطة قضاة من هولندا·
ولكن الذي حدث أن المقترحات النهائية التي قدمت إليه في الثانية الأخيرة أخذت برأي أنه القانون الاسكتلندي وقضاة من اسكتلندا - مع الموافقة على أن تكون المحاكمة في هولندا···
وبدا قلقا من أنه لم يحصل - وحتى الثانية الأخيرة - على قضاة من هولندا·
ولكنه طمأن نفسه: "بأنه ربما كان ذلك خيرا لأن قضاة هولنديين قد يرغبون في تأكيد حيادهم ونزاهتهم عن طريق التشدد بأكثر مما يقتضيه القانون حتى لا يتهموا بالممالاة"·
والنقطة الثانية: أنه كان يريد في حالة صدور حكم بالإدانة - والسجن - أن يكون قضاء العقوبة في اسكتلندا نعم - ولكن تحت حماية وضمانة الأمم المتحدة·
وكانت الفكرة التي طرحت نفسها عليه أن تشتري ليبيا بيتا في مكان ما من اسكتلندا وأن يتحول هذا البيت الى سجن، وأن ترفع فوقه على نحو ما إشارة تومئ الى تبعيته للمنظمة الدولية، وبالطبع فإنه من المستحسن أن تكون الإشارة علما أزرق اللون من أعلام الأمم المتحدة!
·····
وطال الحديث، وطال، وتشعب الى كل اتجاه وموقع·
وكانت عقارب الساعة تزحف الى ما بعد منتصف الليل·
وقلت له: "طال حديثنا، فهل أستأذن منك ثم نستأنف مرة أخرى؟"·
وسألني إذا كنت أذهب معه الى الفيوم غدا، فقد أنهى ما لديه في القاهرة وموعده الباقي مع جماهير تنتظره هناك·
واستأذنته أن يذهب الى الذين ينتظرونه ولا ينتظرون غيره· وليكن موعدنا لاستئناف حديثنا الطويل في موعد نتفق عليه فيما بعد·
وقال: "عندنا·· لا بد أن تجيء الى ليبيا"·
(3)
وعندما خرجت من قصر القبة عائدا الى بيتي كانت القاهرة ما زالت ساهرة ومزدحمة حتى في هذا الوقت قرب الواحدة صباحا·
وكانت ذاكرتي مثل القاهرة ساهرة يقظى ومزدحمة بالمواقف والمشاهد من ماضي معرفتي بـ"معمر القذافي" وعلاقتي به من سنة 1969 وحتى أكتوبر 1973، حين كان آخر لقاء بيننا تلك الأيام، ثم طرأ بعد أسابيع منه ما جعلني أقرر أن أبتعد تماما عن الساحات التي يتحرك أو يتواجد فيها صديق قديم، لقيته أول مرة في ظروف مشهودة!
كانت أول مرة ألقاه فيها بعد ساعات من قيام الثورة في ليبيا (ثورة الفاتح العظيم كما يسميها الإعلام المصري هذه الأيام!)·
كانت أنباء الثورة في ليبيا قد أعلنت للعالم الخارجي من إذاعات طرابلس وبنغازي ضحى يوم أول سبتمبر 1969·
وكان الإعلان مصحوبا بالبيان الأول للثورة على مكتبي حوالي الساعة العاشرة صباحا، واتصلت بـ"جمال عبدالناصر" لكنه كان قد دخل الى قاعة اجتماع طارئ لدول المواجهة (كما كانت تسمى في ذلك الوقت، وكانت تضم مصر وسوريا والعراق والأردن) - وكان المطلوب من هذه الدول تنسيق العمل العسكري على الجبهة الشرقية استعدادا للمعركة المقبلة مع إسرائيل·
وبعد دقائق اتصل بي "جمال عبدالناصر" لأن الاجتماع الذي وصلته أنباء الثورة في ليبيا انشغل بالحدث الطارئ الذي فرض نفسه فوق جدول الأعمال المعد سلفا، خصوصا أن المجتمعين كانوا في أجواء تساؤل يتحرق الي معرفة اتجاه الثورة في ليبيا: وهل بعثي (أي أقرب الى حزب البعث بصرف النظر عن انقسامه الى فريقين بين بغداد ودمشق)·
وحاول المجتمعون في إطار دول المواجهة لدقائق معدودة أن يواصلوا مناقشاتهم على أساس جدول أعمالهم، ولكن المحاولة كانت عبثية لأن إلحاح الحدث الليبي فرض نفسه قبل جدول الأعمال· وهكذا قرر المؤتمر أن ينفض نصف ساعة ثم يعود الى استئناف جلسته·
وسألني "جمال عبدالناصر" عندما اتصل بي عما أستطيع استقراءه من بيان إعلان الثورة في طرابلس، وكان سؤاله يحمل نبرة من طلب التدقيق شاغلها ومغزاها في النهاية: "أَهُمْ (يقصد القائمين بالثورة في ليبيا) أقرب الى القاهرة، أم أقرب الى البعث، وأي بعث منهما؟"·
وقلت إن استقرائي للبيان أنهم أقرب الى القاهرة، ذلك أنه بصرف النظر عن العبارات الإنشائية في النص فإن ترتيب شعار الحرية والاشتراكية والوحدة جاء متفقا مع الترتيب الذي يستعمل في القاهرة، ومخالفا للترتيب الذي يستعمله حزب البعث والذي ترد فيه الوحدة قبل الاشتراكية وقبل الحرية·
وكان رأي "جمال عبدالناصر" أنني ربما أتعسف في دلالة ترتيب الكلمات، "لأن الذي يقوم بما قام به هؤلاء الضباط في ليبيا لن يتوقف طويلا أمام مواضع الشعارات· وحتى إذا جاءت الشعارات المعلنة في طرابلس متوافقة مع الترتيب الذي تستعمله القاهرة فمن الاحتمال أن تكون تلك محض مصادفة"·
وقلت: "ربما - ولكنني أشعر في نبرة البيان العامة بما يعزز استنتاجي"·
وكان اعتقادي أن "جمال عبدالناصر" يميل الى استنتاجي سواء لأنه رأى مثلما رأيت، أو لأن ذلك كان مناه، فقد كانت قوى الأمة المقاتلة ذلك الوقت وسط معارك حرب الاستنزاف المستمرة على الجبهة المصرية - في حاجة الى دعم معنوي من الحركة القومية العامة في الوطن العربي·
·····
وعاد "جمال عبدالناصر" الى اجتماع دول المواجهة (وقد تحول الى اجتماع مغلق)، وعدت الى متابعة تطورات ما يجري في ليبيا، ولم يكن هناك من مصدر غير إذاعة طرابلس وما تعلنه ومعظمه إنشائي حماسي، ثم وكالات الأنباء العالمية وما تنقله وقد كان ضئيلا يعاد تكراره، وكان كل ما يصدر عن الإذاعات وما تحمله الوكالات أقل بكثير من مستوى الحدث وهو خطير في موازين الشرق الأوسط·
- ثورة في ليبيا وهي موطن كنز نفطي كبير، وأهم ميزاته أنه نفط من النوع الخفيف تتدفق منابعه مباشرة نحو البحر الأبيض·
- وثورة في ليبيا وهي شاطئ بامتداد البحر الأبيض - ثلاثة آلاف كيلو متر تشمل منطقة القلب على شاطئه الجنوبي ومركزها خليج "سرت"·
- وثورة في ليبيا وهناك قواعد بريطانية (في "العظم")، وهناك قواعد أمريكية في طرابلس "هويلس"، وهذه القواعد جزء متصل بخطط وعمليات الأسطول الأمريكي السادس في البحر الأبيض·
وكانت الأسئلة الملحة مع مرور الساعات: كيف نجحت الثورة؟ - وإلى أي مدى يتعرض لها الغرب؟ - وكيف يتصرف القائمون بها إزاء ما يتهددهم من خطر؟ - وهل هم متنبهون الى حجم هذا الخطر؟
وعشرات الأسئلة الأخرى!
·····
في الساعة الثالثة والربع عاد "جمال عبدالناصر" الى الاتصال بي يقول إن ضابطا ممثلا لقيادة الثورة في ليبيا قصد القنصلية المصرية في بنغازي وأبلغ رسالة مفادها أن قيادة الثورة في ليبيا تريد إقامة اتصال سريع مع القاهرة، والهدف منه بحث التطورات المحتملة· وتقديرهم أن الثورة نجحت وتسيطر على كل أنحاء ليبيا، لكن هناك قواعد بريطانية وأمريكية والمخاطر قائمة·
وقال لي "جمال عبدالناصر" إن هناك الآن اتصالات جارية بقصد الاتفاق: إما على مجيء وفد من الثوار الى القاهرة، أو على ذهاب وفد مصري الى ليبيا يقابل ممثلا أو ممثلين لقيادة الثورة لبحث الاحتمالات·
·····
وفي الساعة الخامسة والربع بعد الظهر عاد "جمال عبدالناصر" الى الاتصال بي وأتاني صوته على التليفون ضاحكا قبل أن يقول كلمة واحدة، وتساءلت، وكان قوله: - "يظهر أنك سوف تقضي ليلتك في بنغازي - لأنهم طلبوا حضورك"؟
وقلت مستغربا: "من هم؟"
قال: "قيادة الثورة هناك، اتفقوا على أفضلية أن يسافر وفد من هنا إليهم، فليس بينهم من يستطيع أن يترك "البلد" في هذه الظروف"·
وأضاف "جمال عبدالناصر": "إنهم طلبوك بالاسم، وهم يعرفون صلتك بي، كما أنهم يقرأون مقالاتك أو يسمعونها من الإذاعات، ورأيي أن تذهب·
إننا سوف نبعث بمندوب ينسق مسائل الأمن معهم، ولكني رحبت بطلبهم لك ورأيي أن تذهب وتعود بسرعة وتعطيني تقييما سياسيا"·
وقلت متحمسا: "إنه بصرف النظر عن أي شيء فأنا أريد أن أذهب - مادامت هناك فرصة - كصحفي بالدرجة الأولى" - وتساءلت "هل أستطيع أن آخذ مصورا من الأهرام معي؟"·
وقال "جمال عبدالناصر" الذي كان يتبرم أحيانا من "هوس" صحفي يجده لا يفارقني في كل الأوقات: "خذ من تشاء"· وكان رفيقي من الأهرام صديقي وكبير مصوريه في ذلك الوقت: "محمد يوسف"·
·····
في الساعة السابعة والنصف مساء وجدت نفسي على متن طائرة حربية مصرية، تقلع من مطار "ألماظة" في اتجاه الحدود الليبية··· وتقاطعها عند "طبرق" رسالة من قاعدة "العظم" البريطانية تسألها عن هويتها وعن اتجاهها وعن حمولتها - وترد الطائرة المصرية على الأسئلة بطريقة عامة تريد كسب دقائق تبدأ بعدها الهبوط في مطار "طبرق"·
وفي الساعة الحادية عشرة والنصف وجدت نفسي في القنصلية المصرية في بنغازي وقيل لي إن رئيس مجلس قيادة الثورة مقبل الى لقائي فيها·
وبعد قرابة نصف الساعة أقبل جمع من الضباط الشبان، أربعة أو خمسة، وتقدم أحدهم نحوي قائلا: "لا أصدق أنك هنا"·
ثم قدم نفسه "معمر القذافي" (نطقها "الجذافي")·
وكان سؤاله الأول: "كيف حال الرئيس جمال؟ طمئنا عليه"·
وقلت له: "إن الرئيس جمال هو الذي يريد أن يطمئن عليكم···"
وقال: "اقترح بعض الإخوان أن نتصل به قبل قيام الثورة لكني آثرت أن لا نفعل· كنا سوف نحرجه بمجرد إخطاره· وكنا إذا لا سمح الله فشلنا فيما اعتزمناه - سوف نلقي عليه المسؤولية·
ولذلك فضلنا أن نفعل ما هيأنا أنفسنا له ونفاجئه بالنجاح إذا تحقق"·
·····
وحتى الساعة السادسة صباحا كنت ما أزال أستمع إليه، وأسأله ويجيب، وأحاوره ويناقش·
ثم قلت في النهاية: "إنني الآن عائد بالطائرة الى القاهرة"·
وكان في رأسي كثير مما أريد أن أحكيه لـ"جمال عبدالناصر"·
وكان في عدسة صديقي "محمد يوسف" ألبوم كامل من صور قائد الثورة الليبية ورفاقه·
وعدت الى القاهرة قبل الظهر، وكانت هناك رسالة من "جمال عبدالناصر" بأن أتوجه إليه في بيته مباشرة·
ودخلت عليه وكانت الأسئلة تطل من عينيه قبل أن تجري على لسانه، وقلت له:
- "عندك مشكلة"·
وسألني إذا كنت وجدت لديهم ميولا حزبية أو عقائدية من أي لون؟ - وقلت له: "على العكس··· مشكلتك أنهم رجالك"·
وأحسست أنه استراح بأعصابه ولم يسترح بفكره، وسألني: "أين المشكلة إذن؟"
وقلت: "لأنك الآن أمام شباب بريء الى درجة محرجة، وشباب رومانسي الى درجة خطرة"·
وكان في شوق الى التفاصيل·
*عن مجلة الكتب وجهات نظر - العدد الرابع
_______
للعودة