رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 11- 17 صفر 1420هـ 26 مايو - 1 يونيو 1999
العدد 1378

ضوء

"زفّة" باراك!

 

ركان الصفدي

(1)

 

هنيئاً للعرب جميعاً بفوز مرشحـ (هم) باراك، وكيف لا والمحطات العربية ووسائل الإعلام الناطقة بالضاد والعين والفاء تذرف دموع الفرح لفوز "حمامة إسرائيل" برامج خاصة، لقاءات، حوارات، تحليلات، بث مباشر وغير مباشر، استطلاعات، تعليقات··· لا غرابة في ذلك فإن مصيرنا أصبح في "إسرائيل"، والخراف الخانعة لم يعد لها أمل في الحياة وإنما بموت هنيئ لا يثير تقزّز الرأي العام العالمي·

هنيئاً لنا نحن المشدودين إلى الحلبة فاغري الأفواه، الواضعين أكفهم على قلوبهم فقد انتصر··· معسكر السلام· وشكراً لنا، فقد نفضنا ذاكرتنا وأفرغناها من كل الحقد والدم والحزن والأمل والإرادة، أفرغناها من التاريخ والجغرافيا، من العلوم والفنون والآداب، من السيرة والفولكلور، من الأغاني والأناشيد، من طابور الصباح والكتب المدرسية، من كل ما نسج وجودنا عبر الزمن، ووقفنا نحدّق في لحظة تاريخية مصيرية يتحدد على أثرها وجودنا ومصيرنا·

شكراً لهم، فقد أنستنا الفرحة دوي القنابل وأزيز الرصاص وصهيل الدم على خارطة أوجاعنا العربية، ومحت أرقاماً محرجة لنا: 1948، 1956، 1967، 1973، 1982، 2000·

 

(2)

 

لن نفسد بهجتنا بالتذكّر، لأننا نتشبث بالذاكرة والماضي إلا فيما يتعلق بإسرائيل، لأننا لن نحرجها بقدر ما نحرج أنفسنا··· فماذا ينفع أن نستذكر ماضي هذا الرجل الخارج من أقبية الموساد، وقد عبّأ جيوبه بأسرارنا وملأ كأسه من دمنا؟ وماذا يجدي إذا عرفنا أن "رجلنا" هذا هو قاتل "كمال ناصر" و"كمال عدواني و"أبي يوسف النجار" في عملية "فردان" ببيروت، وقاتل "أبي جهاد" في تونس؟ "السلام" يجبّ ما قبله!

فارفعوا الأنخاب ولكن بعد أن تطفئوا·· الذاكرة·

 

(3)

 

الفرق بين "العمل" و"التكتل" هو أن الأخير يريد أن يجرعنا السم بالعلقم أما الأول فيريد أن يسقينا السمّ في علبة "البيبسي"، وأن الأخير يرفع شعار "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل" أما الأول فشعاره "حدودك يا إسرائيل من المحيط إلى الخليج"، وأن الأخير يريد تركيعنا بدباباته وصواريخه والأول يريد مصّ دمنا بشركاته ورجال أعماله·

الفرق بيننا وبينهم هو أنهم يركبون دراجة صغيرة بعجلتين، أما نحن فنركب حافلة كبيرة باثنتين وعشرين عجلة، كل واحدة تختلف عن الأخرى، كما يقول محمد الماغوط·

 

(4)

 

أليس عجيباً أن يحتفظ اليهود بحائط مبكاهم؟! علام يبكون؟! على التضامن العربي في غرفة العناية المشددة، على جثة الوحدة العربية، على رايات التحرير التي تحولت إلى ربطات عنق للدبلوماسيين العرب، على الشعارات الكبيرة التي أصبحت أغنية مكرورة رديئة كأغاني الفيديو كليب··· أم هي دموع التماسيح، بل دموع الفرح؟!

 

(5)

 

هكذا بعد أن حبس العرب أنفاسهم، وتوقف قادتهم عن الاختلاف فيما بينهم، وحكوماتهم عن خطط التنمية، ومجالسهم عن ممارسة الديمقراطية، وسجونهم عن استقبال المعتقلين، وأحزانهم وهيئاتهم عن بياناتهم الشاجبة أو الداعمة، ومؤتمراتهم عن الوقوف بحزم إلى جانب كوسوفو، ومشايخهم عن حرق الكتب وكتّابها، وإذاعاتهم وتلفزيوناتهم عن بث المباريات الرياضية و"ما يطلبه المشاهدون والمستمعون" وآخر  أخبار الفنانين والفنانات والطباخين والطباخات والملتحين والملتحيات (أعني المحجبات)·· في انتظار نتيجة الانتخابات، وقد فرجت أخيراً بفوز باراك·

 

(6)

 

لم أرد أن أغرّد خارج السرب، وأن أكون شاذاً بين قومي الطبيعيين، ولكن مشهد عملية المقاومة اللبنانية وهي تحتل موقعاً للعملاء، وتجر عربة مدرعة إسرائيلية بمنتهى الثقة والجدارة والجلالة، جعلتني مضطرم الذاكرة، ومشبوب الوعي، ومشدوداً إلى وطن يسكنه الشهداء وترويه دماؤهم التي تسيل بجسارة وقداسة عبر الحدود الصامتة لتغرق كل أكاذيبنا ودجلنا الدبلوماسي، ومشاريعنا وخططنا المطبوخة في مطابخ كيسنجر وأولبرايت··· وطن لا يسكنه إلا من عفّر يديه بترابه، وجبله بعرقه ودمه·· وطن لا يسكنه تجار الأسلحة والمخدرات وأفلام الجنس·· وطن أكبر من شعار وأصغر من قلب·

طباعة  

أفق
 
قراءة في تحولات شكل القصيدة العربية
ماذا بعد "قصيدة النثر".. وما ملامح قصيدة المستقبل؟!

 
رحيل "شيخ القصاصين" فهد الدويري
 
إصدارات
 
إذا كان الغموض هدفا.. فلنكتب إذن بحروف سرية
حنا حزبون.. هل يضحك على القراء أم على معدي الصفحات الثقافية؟

 
ثنائية الرجل الثلجي
 
اخبار ثقافية
 
نافذة
 
أجراس