· كانت التغييرات التي لمحتها لأول وهلة أن السنين تركت آثارها خطوطاً عميقة على صفحة وجهه، تعكس توترات الأيام وشدائد التجربة، وكانت عيناه الآن أكثر حذراً في النظر إلى ما حولهما، وكانت لهجة حديثة ناطقة بنوع من الغربة·· وربما أن الأيام علمته أن مكامن الخطر ليست دائماً حيث يتوقعها
· بين ثلاثين سنة قضاها معمر القذافي في الحكم، فإن عشراً منها انقضت في علاقات حب وهجر بينه وبين مصر، وعشراً ثانية منها جرت طوافاً بمواقع القلق على اتساع المعمورة من حركة "أبونضال" إلى حركة الجيش السري الأيرلندي، ثم ضاعت عشر سنوات ثالثة في هموم "لوكربي"
· كانت خشيته أن يصل التصعيد في العقاب إلى الحالة العراقية· ومع أنه - أي القذافي يرى أن الحالة العراقية مختلفة عن الحالة الليبية، فإن القوة - في وسائل الإعلام قبل أدوات السلاح - تستطيع إعادة ترتيب الأشكال والصور بحيث تتماثل الحالة الليبية مع الحالة العراقية
· لم أفاجأ حين قال لي جيسكار ديستان: نحن نعرف أن المفاوضين لشراء طائرات "الميراج" مصريون، وأن جوازاتهم مستعارة، وأن الطائرات ليست مطلوبة لليبيا وإنما لكم وفرنسا تتفهم الظروف لكننا نطلب الحذر
· "المثقفون العرب، أو من يظنون أنفسهم كذلك، اهتموا كثيرا بما قيل عن الطريق الثالث الذي يتبعه بلير (رئيس وزراء بريطانيا) ويكثر من الحديث عنه·· الطريق الثالث هو نفسه نظرية الكتاب الأخضر·· النظرية العالمية الثالثة
(1)
قابلت العقيد "معمر القذافي" مساء يوم الاثنين 13 مارس 1999 في الجناح الذي نزل فيه ضيفا رسميا على الدولة المصرية بقصر القبة·
وأهمية تحديد التاريخ هنا أن هذا اللقاء جاء بعد انقطاع - ولا أقول قطيعة - امتد بما زاد على ربع القرن··· خمس وعشرين سنة!
وعندما لمحني تحت السلم الرخامي الكبير للقصر متجها نحو المصعد الى الدور الأول حيث يقيم صاح من بعيد مرحبا، ثم تسارعت خطاه تسبق العكاز الذي يسند ساقه، وأقبل معانقا وبحرارة شاعت فيها تلقائية العاطفة ممتزجة بالحيرة والدهشة قائلا:
"يا رجل هل هذا معقول، أنت أول شخص قابلته في العالم من خارج ليبيا نفس المساء الذي قمنا فيه بالثورة (أول سبتمبر 1969)· وكنت أعتبرك أقرب الأصدقاء إلينا، ثم تذهب وتقطع حبال الود بهذا الشكل وكأن لم تكن بيننا في يوم من الأيام رابطة؟!"·
وقلت للعقيد - بصوت خفيض - ونحن وسط حشد من الناس (خليط من مرافقيه وحراسه والعاملين في القصر): "سوف نتكلم في ذلك تفصيلا حين نجلس معا"·
وطلب أن أصعد الى جناحه ويلحق بي على الفور بعد أن تلتقط له صورة مع وفد من الطلبة الليبيين، انتهى لتوه من حوار معه (في صالون الانتظار الرئيسي في قصر القبة)، ودخلت الى المصعد - ثم الى جناحه، وجلست في انتظاره (ثلاث دقائق)·
وفي هذه الدقائق الثلاث كانت قصص الأيام والتواريخ تجري مشاهد حية في ذاكرتي·
نعم، صحيح أنني قابلته لأول مرة مساء يوم أول سبتمبر 1969·
نعم، وصحيح أيضا أنني قابلته بعد ذلك لآخر مرة ظهر يوم 26 أكتوبر 1973·
نعم، وبين هذين التاريخين (1973-1969) - التقينا مرات كثيرة يصعب حصرها·
نعم، وهذا اللقاء - يجيء - الآن مساء يوم 13 مارس 1999·
أي أنه بالفعل غياب خمس وعشرين سنة - وفوقها أكثر من خمسة شهور!
ولم تطل تأملات السنوات والأيام كثيرا، فلم يلبث صوت "القذافي" (أو الأخ العقيد "قائد ثورة الفاتح العظيم" كما يسميه الإعلام المصري هذه الأيام!) - أن وصل الى سمعي قادما من الردهة، ثم داخلا الى حيث كنت أجلس·
ومرة أخرى تكرر المشهد: ترحيب وعناق وعتاب!
······
وكما تكرر المشهد، تكرر السؤال مع إضافة جديدة:
"كيف يا رجل، خمس وعشرون سنة دعوناك خلالها عشرات المرات، وانتظرناك، وأنت لا تجيء· قل لي ما هو عذرك، ما هو تفسيرك، ما هو ردك؟"·
ورجوته أن يتمهل علّي أجيب - وقلت له:
"إنها حكاية طويلة، والمسائل فيها متشابكة، والكلام فيها يستغرق وقتا بينما شاغلي الآن أن أسأل عن مستجدات اللحظة الأخيرة·· عما وصلتم إليه في أزمة لوكربي؟"·
وقال "القذافي" أنه لن يرد على أسئلة "اللحظة الأخيرة" إلا إذا عرف سر الغيبة السابقة عليها لأنها مشكلة حيرته ولم يجد لها مبررا برغم كل ما حاول"·
ولم يبق مفر من عودة الى ما جرى وكان!
·····
ورحت أزيح عن حسباني ولساني كل الرتب من "الرئيس" الى "العقيد"، وكل الألقاب والأوصاف وبينها ما خلعه الإعلام المصري على "معمر القذافي" في رحلته الأخيرة (قائد ثورة الفاتح العظيم) - ثم أستعيد الصورة التي كنت أعرفه بها في أيام خلت باعتباره "الأخ معمر"·
وقلت له "إنني بداية أريد أن أؤكد أنها لم تكن قطيعة ولا مقاطعة، وإنما كانت نوعا من إيثار الابتعاد أوصلتني إليه دواع وجدتها لأزمة من وجهة نظري على الأقل"!
وقاطعني: "أية دواع يا رجل؟"·
ورجوته أن "ينتظر علي أشرح موقفي ويتحمل صراحتي ما دام يصر"!
··· وبدأت فطلبت منه أن يتذكر آخر مرة التقينا فيها من قبل - وكانت ظهر 26 أكتوبر 1973···
يومها جاء الى مكتبي في الأهرام مستفزا وثائرا، وكان قادما الى عندي من مكتب القائد العام المشير "أحمد إسماعيل علي" (وزير الحربية والقائد العام للقوات)، كان "القذافي" قد ركب الطائرة الى القاهرة يريد أن يعرف أوضاع الجبهة العسكرية في سيناء ويطلع بنفسه على خطوط القتال التي توقف عندها إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973·
واتصل "القذافي" بالرئيس "السادات" يقول إنه وصل الى القاهرة ويريد أن يذهب الى غرفة العمليات ويرى الموقف العسكري على الخريطة· ورحب به الرئيس "السادات" - لكنه اتصل على الفور بالقائد العام يلقي إليه أوامره فيما يخص طلب "القذافي"·
وكانت الأوامر الى "أحمد إسماعيل" أن يعطي "القذافي" فكرة عن المواقع دون أن يسمح له بدخول غرفة العمليات "لأنه لا شيء فيها الآن يراه"!
وتوجه "القذافي" الى مقر القائد العام، وبعد نقاش قصير أحس بما وصف بـ"الإهانة"، وفي الوقت نفسه أحس لدى القائد العام بما كان بالفعل شعورا بـ"الحرج"!
وباختصار فقد أحس "القذافي" بأنه كان مسموحا له أن يسمع بعض "الكلام" - ولكنه كان ممنوعا من أن يرى خرائط غرفة العمليات!
وخرج من القيادة العامة الى مكتبي - مستفزا وثائرا كما أسلفت، وسمعته حتى اكتفى وكان هدفي تهدئة خواطره وانتهاز فرصة - دون علمه - اتصل فيها بالرئيس "السادات" عله يتدارك المشكلة·
وتعللت في لحظة من اللحظات بعمل يستدعي وجودي في صالة تحرير الأهرام· وذهبت الى غرفة مجاورة اتصل بالرئيس "السادات" أحدثه برأيي "وأسأله عن السبب الذي يمنع معمر القذافي إذا شاء من دخول غرفة العمليات حتى ولو لم يكن فيها شيء"؟!
كان رأيي أن "معمر" له الحق كصديق موثوق به·· وله الحق كرفيق مهتم·· وله الحق كجار مباشر استخدمت أرضه بغير عوائق عمقا استراتيجيا للجهد العسكري المصري·
وأكثر من ذلك فقد ذكرت الرئيس "السادات" بأن "معمر" شريك في المعركة، ففي عام 1973 وحده دفعت ليبيا تكاليف أسلحة لمصر وصلت قيمتها الى ألف مليون دولار (كان ضمنها القوارب المطاطية التي استخدمتها قوات الموجة الأولى في عبور قناة السويس، وكان شراؤها من إيطاليا)·
ولكن الرئيس "السادات" بدا لي مصرا على موقفه "لأن معمر سوف يحكي لطوب الأرض عما يرى في غرفة العمليات، ثم لأنه···" (أوصاف أخرى لا داعي لها الآن)·
وعدت الى مكتبي حيث كان معمر القذافي" ينتظرني، وكانت محاولتي الآن إقناعه أن يذهب للقاء الرئيس "السادات" ويتحدث إليه مباشرة دون وضع المشير "أحمد إسماعيل" في "مرامي نيران" متقاطعة ودون وساطة أو تدخل من أحد، ثم يتوصلا معا الى صيغة تفاهم بينهما "الآن" و"مستقبلا" لأن ذلك ضروري لكفاءة وسلاسة إدارة العمل القومي في المرحلة الحساسة المقبلة·
وأفاض "معمر القذافي" في شكاواه وشجونه طوفانا متدفقا وحكى كيف "أن الرئيس "السادات" يصد دائما ويعرض، بل وأحيانا ما يتجاوز ويقسو ناسيا أن "معمر القذافي" قومي عربي مؤمن بدور مصر المحوري في العالم العربي، وليس موظفا في خدمة الحكومة المصرية مسؤولا أمام بيروقراطية الحكم فيها"·
وحاولت أن أهدئ خواطره قدر ما أستطيع عارفا في صميم قلبي أنه محق في الكثير مما يشكو منه، لكنه ليس بريئا بالكامل مما يضايق أنور السادات من تصرفاته"·
······
وذكرت "معمر القذافي" ببعض ذلك ثم أضفت ونحن جلوس الآن بعد ربع قرن في قصر القبة: "إنه في ذلك الوقت - ولعله لم ينس - كانت مشاكلي كبيرة مع الرئيس "السادات" بسبب الطريقة التي تفاوض بها مع "هنري كيسنجر" (يوم 7 نوفمبر 1973) وبسبب النتائج التي توصل إليها بفك الارتباط الأول، ثم بلغت خلافاتي معه (الرئيس "السادات") ذروتها حتى طلب الى أن أكف عن كتابة ما أكتب "لأنه يحدث بلبلة في أفكار الناس"· والذي حدث أنني لم "أكف" معتقدا أننا أمام موقف يتطلب من كل رجل أن يقف وأن يجعل صوته مسموعا مهما كان أو يكون· والنتيجة أن الرئيس "السادات" أصدر أمرا بتعييني مستشارا له، واعتذرت عن تنفيذ أمره وتركت الأهرام الى بيتي أرتب نفسي لعمل آخر·
ويوم 3 فبراير 1974 غادرت مبنى الأهرام لآخر مرة بأسى ولكن بلا أسف·
وفي اللحظة نفسها كنت على قناعة تامة بأنه ضمن أشياء كثيرة أخرى يتحتم علي تجميد علاقة الصداقة بيني وبينه هو: "معمر القذافي"!
كان "معمر القذافي" جالسا أمامي على الأريكة الكبيرة في صدر صالون جناح الضيافة بقصر القبة، وكان يسمعني وهو يميل الى ناحيتي مستندا الى عكازه·
وقاطعني وهو يعود برأسه فجأة الى الوراء سائلا "عن السبب الذي يدعوني في هذا كله الى الابتعاد (حسب وصفي!) - مع أنه يراه بالطريقة التي جرى بها قطيعة حار في أمرها ولم يعثر على تفسير مقنع لها"·؟
وقلت: "إنه بإلحاحه على فهم موقفي لا يترك لي مجالا إلا أن أصارحه بكل ما خطر لي - وقتها - حتى وإن ضايقه"·
واستطردت :إنني في اللحظة التي غادرت فيها مبنى الأهرام قررت أن ألزم نفسي بأنه "لم تعد لي صلة بالقرار السياسي المصري من قريب أو بعيد"· لي موقف إزاء القضايا التي يتعرض لها هذا القرار بالطبع، لكن الموقف من القضايا شيء والمعايشة والقرب من مواقع القرار شيء آخر·
موقفي من القضايا متصل برأيي وحقي أن أبديه·
وأما المعايشة والقرب من موقع القرار السياسي فأمر مختلف يتعلق برؤى آخرين لهم رأيهم، وعليهم المسؤولية بحقائق الأمور وبمقتضى الدستور"·
وقلت لـ"القذافي": "إنني بحكم ظروف سبقت اقتربت من علاقته بالرئيس "جمال عبدالناصر"، ثم من علاقته بالرئيس "أنور السادات"، ولم يكن ذلك بحق إبداء الرأي - كصحفي - وإنما كان بمصادفة صداقة مع قمة الدولة·
وفي زمن الرئيس "جمال عبدالناصر" فإن علاقتي بالسياسة المصرية كانت مفتوحة· ثم إنها ظلت كذلك في زمن الرئيس "أنور السادات" حتى انتهت حرب أكتوبر، لكنها ما لبثت أن ساءت ثم وصلت الى طريق مسدود بسبب أسلوب التفاوض مع "كيسنجر"، وبسبب اتفاق فك الارتباط الأول مع إسرائيل·
وعندما كنت قريبا من صنع القرار أيام الرئيس "السادات" فقد حاولت قدر ما أستطيع أن أكون - كما كنت أيام "عبدالناصر" - "صلة بينك وبينه"· وبالمعيار نفسه "فإنه في الوقت الذي ابتعد فيه عن دائرة القرار السياسي كان يجب أن أبتعد عنك أنت الآخر وإلا تشابكت خطوط لا يصح أن تتشابك وتعقدت أمور لا أريد لها أن تتعقد"·وقلت: "زيادة على ذلك فإنني أحسست أن الرئيس "السادات" (أو بعض المحيطين به) - يحاولون تلوين علاقتك بي، وعلاقتي بك، بأن يحسبوني عليك أو يحسبونك علي، وهو شيء لم أكن أريده، فأنت رجل له بمسؤولية بلده سياسته، ولي بمسؤولية رأيي موقفي، وقد تلتقي الاجتهادات أحيانا وقد تختلف، لكن حدود الأطراف لا بد أن تكون واضحة·
لا تنس أن "أنور السادات" كان رئيس الجمهورية، وبصرف النظر عن خلافي معه فهو رئيس الدولة التي انتمي إليها· وأنت أيضا رئيس دولة، ولكنها دولة ثانية ولا أقول أخرى· وكلاكما يستطيع أن يواجه زميله بقوة ما لديه من وسائل، وهذا الصدام بين الوسائل لا يخصني بل أريد البعد عنه، لأن ما لدي "اجتهادات" مواطن، وليس "وسائل دولة"·
قلت: "بمعنى مباشر أنت والرئيس "السادات" أصبحتما طرفين في خلاف سياسي تحول الى عراك شخصي، ثم وصل الى أن يكون حاجزا نفسيا·· وذلك أحزنني، لكنه في النهاية أمر يخصكما ويخص رؤاكما لما يجمع بينكما أو يفرق، وليس لي فيه شأن بعد حزني بسببه ولكني لا أريد الدخول فيه، وكان الحل الوحيد المانع والقاطع أن ابتعد وأن يكون الابتعاد كاملا"·
····
برغم ذلك - قلت لـ "معمر القذافي" ونحن جلوس في صالون قصر القبة - فإن الرئيس "السادات" بذل جهدا كبيرا ليعطي انطابعا للكافة بأنني واقف في معسكرك، لدرجة أن كثيرين من الناس في مصر ظنوا أنني أقيم لاجئا في ليبيا لأنه لا يعقل من منظورهم أن أقف موقف المعارضة الصريحة على هذا النحو لسياسات الرئيس "أنور السادات" من دون سلطان أحتمي به، وأن أظل في مصر تحت طائلة قوانينها بلا ملجأ أهرب إليه"·
قلت له: "كان بعض الناس يسألون أفراد أسرتي وأصدقائي الأقربين "عما إذا كنت ما أزال في ليبيا" - ولم أكن قد وضعت فيها قدما منذ سنة 1970·
ووصلت أنا نفسي الى حد أنني كنت أضيق بكل قائل لي "حمدا لله على السلامة" وأسأله بحدة مرات: "حمدا لله على السلامة من أين؟ إنني هنا لم أترك مصر على الإطلاق - أسافر أحيانا لبعض عملي أياما أو أسابيع ثم أعود إليها قابلا مقاديري فيها (وحين أراد الرئيس "السادات" وضعي في السجن·· وجدني في متناول قبضته وأخذني بوليسه الى سجن طرة مع مئات غيري ضمن اعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة) - وكان معظم السائلين يرد كريما "حمدا لله على السلامة في كل الأحوال"· وأطرق "معمر القذافي" برأسه قليلا ثم عاد يستند الى عكازه ويعود برأسه الى الوراء ويقول: "طيب··· عذرك عن الانقطاع طول فترة السادات فهمته، أراك مخطئا ولكني أقدر حقك فيما ارتأيت··· بعد السادات لم تعد لديك أسباب···"·
قلت: "بعد السادات وجدت سببا آخر"· وقاطعني بسرعة: "الرئيس حسني (يقصد حسني مبارك) لم يمنعك!"
قلت: "لم يمنعني بالتأكيد، وإنما منعت نفسي"·
ورفع حاجبيه كأنهما علامتا تعجب!
وقلت: "إنني عندما خرجت من السجن آخر سنة 1981 وجدت الطرق بين القاهرة وعواصم عربية غيرها - مزدحمة بمواكب ذاهبة راجعة·
وبصراحة أكثر فإن ليبيا أصبحت مقصدا لطلاب حاجات مشروعة وغير مشروعة حتى أصبح التواجد في ليبيا مجلبة للظنون صحيحة أو باطلة!"·
ثم قلت: "هل تتصور أنني تلقيت خطابات من ليبيين عاديين يشكرون لي أنني لست ضمن زوار بلدهم في هذه الأوضاع"!
- إلى هذا الحد،
وقاطعني "القذافي" معترضا، وقلت: "خطر لي أنه عندما يتواجد الناس في المكان نفسه فالظنون تفترض أنه القصد نفسه"·
وكان "معمر القذافي" يهز رأسه نفيا وربما استنكارا·
وأضفت: "وهناك سبب ثالث للابتعاد"· وسألني، وقلت ما أريد قوله (وأعتذر عن الدخول في التفاصيل الآن!)·
ورد علي: "تصدق شائعات مغرضة ودعايات سوء لها دوافعها ضد ليبيا وأنت أول من ينبغي له أن يعرف أنها مؤامرات الاستعمار والسائرين في ركابه"· وقلت محتجا: "إنك صممت من البداية أن تجعلني أتحدث، وكان هدفي عندما جئت أن أسمعك··· وما دمنا قد وصلنا الى الشائعات والدعايات، والاستعمار ومؤامراته ضد ليبيا، فقد حان دورك الآن في الكلام·"
(2)
جاءت صينية شاي يحملها شاب لا تبدو ملامحه عربية، وتصادف ذلك مع مرور سيدة تحمل ملاءات ومناشف الى غرفة نومه تعدها فيما يظهر قبل أن يأوى الى فراشه، وهي الأخرى لا تبدو لها ملامح عربية· وبشكل ما بدت لي الملامح مألوفة، وسألته: "كلاهما يوجوسلاف فيما أظن؟
ورد "القذافي": "مسلمون من البوسنة"!
واستند بصدره على عكازه يتناول فنجان شاي من الصينية التي وضعت أمامنا على المائدة، وسألني وهو يعود بظهره ليستند الى ظهر مقعده:
- "من أين تريدني أن أبدأ؟"
وقلت: "كان آخر ما وقفنا عنده هو حكاية المؤامرات ضد ليبيا، وإذن نبدأ من آخر نقطة وصلتم إليها في أزمة لوكربي"·
قال بنبرة يظهر عليها أثر جرح: "لوكربي·· لوكربي··· كأنه لم يعد أمام الخلق مشكلة غير لوكربي؟ ما هي لوكربي هذه؟!"·
ثم مضى يقول: "إنه سوف يؤجل الحديث في "لوكربي" الى ما بعد، وأما الآن فهو يريدني أن أعرف ماذا يحدث في ليبيا لأن ما يجري هناك تجربة إنسانية عظيمة بكل المقاييس"·
ورحت أسمعه دون اعتراض·
قال: "إن ليبيا ليست جمهورية، وهو ليس رئيسها، وقد كرر هذا للعالم كله ولكن كثيرين لا يفهمون وربما لأنهم لا يريدون أن يفهموا·
ليبيا جماهيرية، أي أن الجمهور بنفسه يحكم بديمقراطية مباشرة تمارسها اللجان الشعبية المنبثقة من المؤتمرات العامة، وليس بين الجماهير وصنع القرار مجالس وسيطة تصدر القوانين، وإنما هو الشعب بنفسه يحكم نفسه·
الشعب الليبي كله في السلطة، كله يصنع السياسة في كافة المجالات·
وأفاض في الحديث موجة طالت ربع ساعة - ثم توقف وسألني:
"ألا يساوي ذلك أن تهتم به - أن تكتب عنه؟"
·····
وقلت: "إن لدي حيرة إزاء هذا النوع من الديمقراطية المباشرة· ذلك أننا في زمن يختلف عن زمان "أثينا" عندما ظهرت فكرة الديمقراطية· أيام "أثينا" كان الذين يمارسون الديمقراطية مباشرة وفي الاجتماعات المفتوحة مئات على أكثر تقدير· النساء والعبيد لم يكن لديهم الحق في المشاركة· وإذن يجتمع في "الساحة" مائتا رجل أو ثلاثمائة - أكثر أو أقل ربما - ولكنهم دائرة محصورة، ورأيهم نافذ على مدينة واحدة، والقضايا المطروحة بسيطة يسهل الكلام فيها بعموم، والعالم الخارجي مدن مجاورة أو قريبة·
الآن صورة مختلفة· شعوب وأمم بالملايين وعشرات الملايين ومئاتها في أقاليم طويلة عريضة كثيرة، واجتماع هؤلاء في ساحة وسط "الأكروبول" مستحيل ماديا· والرأي بحر متلاطم في أقاليم ممتدة بعد أقاليم، والقضايا معقدة متشابكة، والعالم الخارجي حاضر عند خط الأفق ووراء البحر والمحيط· الآن يصعب علي أن أرى كيف يعمل نمط الديمقراطية المباشرة في الجماهيرية· نحن الآن دول ولسنا مدنا، والسلطة الشعبية - إذا كان لا بد أن تكون مؤثرة وفاعلة - تحتاج تمثيلا يعبر عنها ويجسدها، والنظام لا بد أن يتخذ لنفسه حكمة القانون كفالة تحكم فوق الأوطان طولها وعرضها، اتساعها وامتدادها، تشابك وتعدد قضاياها وعلاقات أهلها، والى جانب ذلك فإن العلاقات مع الخارج صراعات تتعدد وسائلها من قوة الحق الى قوة الردع·
ويصعب علي هنا أن أتصور كيف يعمل هذا النوع الذي تحدثني عنه من الديمقراطية الجماهيرية المباشرة؟"
قال: "إذن تأتي بنفسك لترى"·
وسألني "معمر القذافي": "هل قرأت الكتاب الأخضر؟"·
وقلت: "قرأته"·
وقال: "كثيرون في هذا العالم لا يريدون قراءته حتى لا يكتشفوا أن العرب لديهم نظرية عالمية يستطيعون تقديمها لمستقبل التطور الإنساني"·
ومضى "معمر القذافي" يشرح الخطوط الرئيسية في الكتاب الأخضر الذي يعتبره الوثيقة الفكرية لثورته·
ومرة ثانية لم أقاطع حتى أكمل، ثم سألني كما فعل مرة من قبل: "ألا يساوي هذا كله أن تهتم به وأن تكتب عنه؟"
ثم استدرك:
"المثقفون العرب، أو من يظنون أنفسهم كذلك، اهتموا كثيرا بما قيل عن الطريق الثالث الذي يتبعه "بلير" (يقصد "توني بلير" رئيس وزراء بريطانيا) ويكثر من الحديث عنه···
الطريق الثالث هو نفسه نظرية الكتاب الأخضر·· النظرية العالمية الثالثة"·
ووجدتني مضطرا الى إبداء ملاحظة قلت فيها "إنه يصعب علي الربط بين نظريته وبين الطريق الثالث، فهذا الطريق الثالث الذي كثر الحديث عنه منذ ظهر كتاب "أنتوني جيدنز" (الأستاذ بكلية لندن للعلوم الاقتصادية) - ليس طريقا مستقلا ثالثا، وإنما هو حتى بنص عنوان مؤلفه على غلاف كتابه "الطريق الثالث" - يشير في سطر فرعي الى أن المجلد "محاولة لإصلاح الليبرالية الديمقراطية"· وفي حقيقة الأمر - أو كذلك ظني - فإن الطريق الثالث ليس نظرية جديدة وإنما هو سياسة حل وسط يريد أن يعطي وجها إنسانيا للرأسمالية الجديدة، وقد هرعت الى هذا الطريق الثالث أحزاب يسارية أو اشتراكية أو تقدمية وصلت الى الحكم في بلادها (مثل حزب العمال البريطاني) واكتشفت أن اللحظة الراهنة "رأسمالية"، ولما كانت تريد أن تجد وسيلة للتوفيق بين وهج المبادئ وبين سطوة الحقائق - فإنها عثرت في مقولة "الطريق الثالث" على غطاء نظري وفكري يمنحها مرونة أكثر في الحركة بين المبادئ والحقائق!
وهكذا فإنني أستطيع أن "أتابع" ما يقوله عن نظرية "الكتاب الأخضر"، ولكني أجد نفسي عاجزا عن "المتابعة" إذا جرت المقارنة بالشبه بينه وبين فكرة "الطريق الثالث!"·
ودار بيننا نقاش حول هذه المسألة، ثم كان اقتراحه مرة أخرى: "إنه لا بد أن أذهب الى ليبيا لكي أرى بنفسي "الكتاب الأخضر" حيا وفاعلا"·
وتصورت أن مجرى الحديث أصبح مهيئا لأزمة "لوكربي"·
ولم يعترض، ولكنه اختار أن يكون مدخله الى الحديث عن "لوكربي" هو مخطط التآمر المستمر ضد ليبيا وشعبها وثورتها، وضمن الحرب المتواصلة على القومية العربية فكرة وتجربة ومستقبلا·
وفجأة توقف يسألني:
- هل صحيح أن أنور السادات بطل قومي في مصر الآن؟"
وأبديت دهشتي من السؤال وموضعه في سياق الحديث، وقال:
- "الرئيس حسني قال لي: لا تنتقد أنور السادات في كلامك لأن ذلك يؤدي الى نفور الشعب منك لأنه يعتبره بطلا قوميا"·
وقلت:
- "إذا سألتني رأيي فقد أتفق مع "الرئيس حسني" في نصيحته لك بأن لا تنتقد الرئيس السادات - أما أن يكون الرئيس السادات بطلا قوميا فهذه قضية خلافية، والأفضل تركها للتاريخ يحكم·
من وجهة نظري فإن الرئيس السادات رجل اجتهد وأخطأ، لكن له فضل الاجتهاد، وأول اجتهاده - وهو أول فضله - قرار القتال في أكتوبر 1973·
ربما أن خطأ الاجتهاد في رأيي يجيء في الإدارة السياسية وسط القتال وبعده - لكن رأيي هنا تقدير سياسي - وأما البطولة فهي حكم تاريخي مؤجل الى زمان آخر تمتحن فيه المقدمات والنتائج والأهداف والأدوات والظروف والأجواء، وتمتحن بغير هوى وغرض وبعيدا عن التحزب ضد ومع مما هو جار في حياتنا هذه الأيام!
······
أما عن نفور الشعب المصري من نقدك لأنور السادات فدعني أذكرك برأي طرحته أمامك في زمن بعيد·
أثناء اشتداد خلافك مع أنور السادات (الى حد الاشتباك مرات) عرضت عليك: "إنني متأكد من حبك لمصر، ولكني لست متأكدا من فهمك لها"·
عرضت عليك يومها "أن مصر ليست واثقة كل الثقة بعد من عروبتها، وربما أنها الوطن العربي الوحيد الذي يملك منطقا كاملا له عوامله (بالحق أو بالوهم) يغريه باختلافه عن بقية شعوب الأمة·
" "العامل الأول هو الجغرافيا المصرية بوادي النيل - النهر وضفافه - حيث تتركز الحياة في حصار حزام من الرمال يحوط كل شيء: الناس والنهر والوادي، وذلك يخلق مجتمعا مكتفيا بذاته وليس بالضرورة منكفئا على ذاته·
" العامل الثاني هو الحضارة الفرعونية القديمة، وهنا فإن مصر تخلط أحيانا بين "الميراث" و"التراث"·
"الميراث" تركة خلفها وراءه تاريخ مضى·
في حين أن "التراث" ثقافة وضعها على الأرض تاريخ حي·
" والعامل الثالث هو ضرورة وقوة الدولة المركزية التي تدير مسؤولية التعامل مع الجوار وراء الصحاري المحيطة بالصراع أو بالغزو·
······
تذكر أنني في زمن سبق عرضت عليه أنه "عندما تخرج مصر من الدائرة المحكمة والمغلقة للإرث، وتتجه الي فكرة التراث فإنها تتوه في المحيط الإسلامي الكبير وتتصور نفسها مركزه بنفوذ الأزهر، وقلبه بدفاعها عن موطنه ضد الصليبيين وفرسانهم أو ضد التتار وسيوفهم·
وهنا تلتبس الأمور في مصر بالخلط بين الإسلام والعروبة·
ننسى كلنا - أو بعضنا - في مصر أن العرب لم يصنعوا حضارة، وإنما الإسلام هو الذي صنع الحضارة عندما التقت روافد ثقافية عظيمة من مصر والشام وفارس والهند وبيزنطة وخلقت مجمعا حضاريا ليس له مثيل في زمانه·
وسط هذا المحيط الحضاري ظهرت الأمة العربية متفردة - ولا أقول مميزة - بلغة واحدة وتاريخ مشترك وجغرافيا ممتدة، وتواصل إنساني لم ينقطع، وأصبحت لها هوية قومية تستحق لدواع من المستقبل وليس من الماضي أن نقول في شأنها وبجد "أنها إذا لم تكن موجودة كحقيقة فإن المطلوب اختراعها كضرورة"· وإذن فنحن فعلا أمام التباس يتأتى من أننا أمام واقع قومي، ثم إن الحضارة الإسلامية هي المحتوى الحضاري له·
(كان الزعيم الوفدي القبطي العظيم "مكرم عبيد" أبلغ معبر عن ذلك بمقولته المشهورة "إنه مسلم وطنا وقبطي دينا")·
وإذا كانت تلك إشكالية يتعين على العرب جميعا أن يجدوا حلا لها - فإنها في مصر مشكلة مستعصية أكثر من غيرها نظرا لما عرضته عليك من أسباب"·
······
يزيد على هذه العوامل الثلاثة عامل رابع هو سبق مصر الى الاتصال بأوروبا (وهي المقر المعاصر للحضارة الإنسانية) وقد نؤرخ لهذا السبق بحملة "نابليون" على مصر، وقد نؤرخ له بمشروع "محمد علي" حتى وإن كان مشروعه في صميمه عثمانيا أكثر منه مصريا أو عربيا، والنقطة المهمة هنا أن "محمد علي" في سبيل تحقيق مشروعه العثماني أسس دولة حديثة في مصر سبقت غيرها في المنطقة، وكان سحر الدولة الحديثة هو الذي جعل كتلا كبيرة من الشعب المصري تنسى أنها لم تعش في أي عصر من العصور داخل واديها وإلا تحول الوادي الى سجن تحاصره رمال الصحراء·
·····
واستطردت ونحن في قصر القبة 1999 أذكّر "معمر القذافي" بما عرضته عليه من قبل قائلا:
"إن مصر خرجت في العصور القديمة من الوادي بحافز الامبراطورية - لكنها لم تلبث أن عرفت بالتجربة أن الجغرافيا تملي عليها أن تكون جزءا مما حولها موصولا به ومنسجما معه، وهكذا تعايشت مصر مع الزمان اليوناني، والروماني، ثم عاشت - ولم تتعايش فقط - في صميم عصرها الإسلامي، وحين أخذت اللغة العربية وشاركت في إقامة حضارة مشتركة تفاعلت فيها ثقافات المنطقة التي قبلت بالإسلام حتى وإن لم تقبل باللغة العربية، فإن هذه العملية من الصهر التاريخي جعلتها لأكثر من أربعة عشر قرنا كيانا منسجما مع عالم محيط به في السلطة وفي التشريع وفي الفن والأدب، وفي الصلات المفتوحة بين الناس على مدى اتساع جغرافي واضح، لديه بالإضافة الى هذا كله أمنه المشترك (التتار - الصليبيين - الاستعمار - إسرائيل·· الى آخره)·
ولقد حاول بعض الناس أن يعودوا بالهوية المصرية الى العصر الفرعوني، ثم وجدوا أن الإرث غير التراث· ثم حاول بعضهم أن يجدوا لمصر هوية أوروبية، ولكنهم أدركوا أن قضايا الثقافة أعمق كثيرا من تقابل الشواطئ، وأن البحر الأبيض نافذة عريضة لمصر وليس بابا·
وعلى أي حال فإن مجمل كل تلك التصورات - وهي ليست جميعا أوهاما بلا أساسا - تغري مصر بعض المرات - خصوصا في ظروف التراجع - بالانكماش داخل محلية ضيقة·
·····
تلك كلها خطوط وعلامات من الإطار المحيط بحياة مصر·
ثم تجيء أنت وتنتقد أنور السادات·
وبحساسية الانكماش في محلية ضيقة يظن بعض الناس أن نقدك له موجه الى البلد ذاته، الى مصر·
أضف الى ذلك أن كتلة مؤثرة من الشعب المصري ترى أن ما فعله أنور السادات، سواء أكان صوابا أم خطأ، سواء أكان في استطاعته بلوغ ما هو أكثر أم لم يكن، سواء أحسن استغلال نتائج حرب أكتوبر أو لم يحسن - أراح مصر ولو عصبيا من مأزق الارتهان لضرورات السلاح خصوصا وقد اختلفت الظروف الدولية·
وفي النتيجة فإن استثارة النعرات الوطنية - المحلية إذا شئت - سهلة في مصر·
وهكذا فإنك ما أن تنتقد أنور السادات حتى يشعر بعض الناس في مصر فعلا بنوع من العصبية·
والآن "أرجوك لا تتضايق إذا قلت لك نني أستطيع انتقاد أنور السادات في مصر بلاحرج، وأما أنت فلا بد لك أن تحاذر كي لا توقظ كوامن عصبية خامدة، لأن الجمرة تحت الرماد كما يقولون!"·
كان "معمر القذافي" يسمعني، وأحسست أنني أطلت لكني أردت - من قلبي - أن أضعه - مرة أخرى - في صورة فكري حرصا على اعتبارات كثيرة تتجاوز هوى الأفراد وتتخطى مزالق السياسة·
وسكت·· سكت طويلا، ثم عاد يقول بحيرة:
- "إن السادات ساعد في العدوان على ليبيا وكان في الدائرة نفسها مع ريجان ومع تاتشر·
لدينا الأدلة، ولا أريد أن أنكأ جراحا قديمة، لكننا نعرف أن ضرب ليبيا بالطائرات الأمريكية - وبمعاونة بريطانية - سنة 1986 كان عملا شجعت عليه وشاركت فيه بشكل أو آخر أطراف عربية بينها السادات·
وكان ذلك قبل "لوكربي"·
(جرى ضرب ليبيا من الجو يوم 14 أبريل 1986، وسقطت الطائرة الأمريكية فوق قرية لوكربي الاسكتلندية في ديسمبر 1988)·
كانوا يقصدوننا دائما وما زالوا· لقد ضربوا بيتي وقصدوا الى قتلي، وأصابوا أفرادا من عائلتي!"·
وقلت: "أعرف"·
قال: "وهم في حكاية "لوكربي" من وقتها وحتى الآن - أكثر من عشر سنوات - لا يريدون تحقيقا عادلا، ولكن يريدون الإيقاع بنا"·
قلت: "وهنا أيضا أعرف، ولعلي لا أفاجئك بشيء لا تعرفه إذا أضفت أنني في لندن ذات مرة سمعت مارجريت تاتشر تقول صراحة أنها لا تريد اثنين من ضباط المخابرات الليبية للتحقيق معهما، ولكنها تريدك أنت شخصيا في القفص"!·
قال: "شريرة هذه المرأة"!
وقلت: "لا أعرف إذا كانت شريرة أم طيبة، لكنه في صراعات الشعوب والأمم يكون الحكم هو إمكانيات القوة وليس إجراءات العدل!
ومع ذلك قل لي: "أين نحن الآن في أزمة لوكربي"!
وقال "معمر القذافي": "إننا نبذل كل جهد ممكن ونمشي الى نهاية الطريق حتى نصل الى حل· والحصار على ليبيا يؤلم، ومع أنه ليس في شدة الحصار على العراق لكن الشعب الليبي يعاني"·
وسكت·
وأحسست دون أن يقولها صراحة إن "تداعي العوارض المتشابهة في الظروف المتماثلة" يضغط عليه، فهو بعد الحصار على ليبيا كما جرت ممارسته طوال السنوات الأخيرة - أمام إنذار أمريكي بريطاني بالتصعيد إذا لم يستجب ويسلم المتهمين الليبيين ("عبدالباسط علي المقراحي" و"الأمين خليفة فحيمة") لمحاكمة خارج ليبيا· وخشيته أن يصل التصعيد في العقاب الى الحالة العراقية· ومع أنه يرى أن الحالة العراقية مختلفة عن الحالة الليبية فإن القوة - في وسائل الإعلام قبل أدوات السلاح - تستطيع إعادة ترتيب الأشكال والصور بحيث تتماثل الحالة الليبية مع الحالة العراقية·
·····
كان يدرك أن الحالة العراقية قد استجابت تماما لطلبات مجلس الأمن، ولكن الذرائع وجدت لنفسها فجوات حتى وإن كانت بخداع البصر·
كان مطلوب من العراق شيئين:
أولا - أن ينسحب من الكويت (وقد فعل)·
ثانيا - أن لا يكون لديه من أسلحة الدمار الشامل ما يهدد جيرانه (ولم يعد لدى العراق شيء يهدد به جيرانه أو جواره)·
لكنه الإصرار على إيذاء العرب وإهانتهم (هكذا قال)·
ولقد اتكأ الأمريكان (هكذا تقديره) على ما يظهره جيران العراق من "ادعاء الخوف المستمر من خطره"، واعتبروا أن قرارات مجلس الأمن لم تنفذ بالكامل حتى الآن·
وفي حالته (معمر القذافي) "فهو يعلم أن قواته لم تخرج من حدوده وأنه ليس مطالبا بالانسحاب من شيء، وكذلك يعرف أن جيرانه لا يعتبرونه خطرا يهدد أمنهم، ولا يدعون عليه بشيء من ذلك، ولكن من يضمن؟"·
"في حالته - وبرغم كل الحقائق - فإن اصطناع الذرائع سهل إذا كانت لدى الطرف الآخر وسائل الإعلام يصور بها الأمور على هواه، وأدوات السلاح يستعملها من دون كوابح في وقت تراجعت فيه سلطة ما سمي بـ "الشرعية الدولية"· أمريكا - والكل يرى وليس هو وحده - انفردت بالأمم المتحدة· وأخذت مجلس الأمن بكامله في طاعتها· والمجلس لم يعد يجتمع علنا، وإنما أصبح يجري مشاورات داخلية تديرها واشنطن وتوجهها حسب مطالبها وتقدمها للدنيا باعتبارها إرادة مجلس الأمن!
وحتى بدون مجلس الأمن - إرادة أو شهادة - فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تتصرف بعيدا عنه إذا رأت لمثل ذلك ضرورة·
تتصرف كما تشاء، وتبرر كما يحلو لها، وعندما تحتاج ففي استطاعتها أي وقت أن تعتمد على "محلل" بريطاني - سواء أكان اسمه "مارجريت تاتشر" في عهد "ريجان"، أو "جون ماجور" في عهد "بوش"، أو "توني بلير" في عهد "كلينتون"!
"كوفي عنان رجل طيب"·
قالها "معمر القذافي" وهو مرة أخرى يستند على عكازه ويميل ناحيتي··· ثم يسأل:
- "هل تعرفه؟"
- قلت:
- "سألني عنك عندما لقيته على العشاء - وكنا على مقعدين متجاورين - وكان ذلك عندما زار القاهرة رسميا قبل أكثر من عام، وقال له وزير الخارجية "عمرو موسى" (بذكائه المتوهج وبروحه المرحة) - "ها هو بجوارك رجل عرف القذافي من اللحظة الأولى، فاسأله إذا كنت تريد"!
وقاطعني "القذافي" سائلا:
- "وماذا قلت عني لكوفي عنان؟"·
ورددت:
- "قلت له الحقيقة - قلت له "سيادة الأمين العام إن معلوماتي المباشرة عن القذافي ترجع الى ربع قرن - ولا أعرف إذا كانت الآن تفيدك"؟
سألني "القذافي":
- "وهل تراني تغيرت؟"·
قلت ضاحكا: "هذا ما أحاول اكتشافه الآن، ولذلك أرجوك أن نعود الى أزمة (لوكربي)"·
·····
(كانت التغيرات التي لمحتها لأول وهلة أن السنين تركت آثارها خطوطا عميقة على صفحة وجهه تعكس توترات الأيام وشدائد التجربة· وكانت عيناه الآن أكثر حذرا في النظر الى ما حولهما، وكانت لهجة حديثه كما عرفتها في السابق ناطقة بنوع من الغربة، لكنه بدا لي أن الغربة الآن فيها نبرة من التوجس، وربما أن الأيام علمته أن مكامن الخطر ليست دائما حيث يتوقعها!
كان التغير الآخر الذي لمحته بانطباع سريع هو اختلاف ملابسه: فهي الآن أكثر رقة وانسجاما، الحذاء "موكاسان" إيطالي خفيف وأنيق، والبنطلون والقميص فوقه قطن مصنوع في انجلترا غالبا، والبلوفر فرنسي بلونه الأحمر وكذلك علامة مصنعه المشهورة، والشال حول العنق يشير الى إيطاليا، لكن عباءة الشعر الشفافة في الغالب عربية)·
·····
وقال "القذافي" مستأنفا كلامه من حيث وصلنا:
- "كوفي عنان رجل أمين وأنا أثق به"·
معه أثق في رجلين: "نلسون مانديلا" زعيم أفريقي شريف، وثائر لم يتنكر لمبادئه وهو في الحكم·
الرجل الثاني الذي أثق فيه هو الأمير "عبدالله" ولي عهد السعودية - أعطاني كلمة وأنا أثق فيه"·
·····
(قلت لـ"معمر القذافي": "إن الأمير "عبدالله" أعطاني الإحساس بأنه مهتم بالفعل، وكان ذلك عندما دعاني الى فنجان قهوة حيث كان يقيم أثناء زيارته الرسمية لبريطانيا في شهر أكتوبر الأخير· إن الأمير "عبدالله" في ذلك اللقاء - وهو أول لقاء بيننا - روى لي أنه قبل أن يلقاني بساعات كان يتحدث مع "توني بلير" رئيس وزراء بريطانيا في شأن ليبيا والعقوبات المفروضة عليها سبع سنوات حتى الآن!"·
وحكي لي الأمير "عبدالله" أنه قال لرئيس وزراء بريطانيا إنه "لا يخشى من استمرار الحصار على ليبيا فقط، ولكنه يخشى - كذلك - على هيبة الأمم المتحدة· ذلك أن زعماء أفريقيا قرروا تحدي الحصار الأمريكي، وراح كل واحد منهم يركب طائرته يوما قاصدا الى زيارة "القذافي" تحديا للحظر· وإذا استمر هذا الحال فماذا تفعل واشنطن ولندن - هل تقومان بإسقاط كل طائرة تحمل رئيسا أفريقيا يكسر الحظر، أو تسكت الدولتان على هيبة مجلس الأمن تتبعثر كل يوم في الهواء؟"· وطبقا لروايته - وهو بالتأكيد صادق - قال ولي العهد السعودي لرئيس الوزراء البريطاني: "هذا وضع لم يعد قابلا للاستمرار ولا بد من حل يضع نهاية له"· وطبقا لتقدير ولي العهد السعودي فإن "توني بلير" أبدى تفهما، وبعد نقاش طال نصف ساعة طلب منه (من الأمير عبدالله) أن يستعمل نفوذه ويساعد)·
·····
(ومهما يكن - وهذه الآن عودة من حديثي مع ولي العهد السعودي في لندن الى قصر القبة في القاهرة حيث كان حديثي مع "معمر القذافي" - فقد كان ذلك - ومن أول "نلسون مانديلا" وحتى "عبدالله بن عبدالعزيز" شوطا بعيدا جدا تقاس عليه ثقة "القذافي" بالناس وبالأفكار والمؤسسات·
لقد ذهب الى الأبعد جغرافيا - أقصى الجنوب من أفريقيا السوداء··· "نلسون مانديلا"·
وقد ذهب الى الأبعد فكريا - أقصى اليمين - تقليديا - في العالم العربي··· المملكة العربية السعودية··· ولي عهدها الأمير "عبدالله"·
ثم ذهب أخيرا الى أبعد الشواطئ وراء الأطلنطي، الى نيويورك - الأمم المتحدة - "كوفي عنان" - وهو القائل أكثر من مرة إن الأمم المتحدة هي الولايات المتحدة متنكرة في زي آخر!
سفر طويل في كل الاتجاهات متعارضا تماما مع بوصلته الأصلية الأولى)·
·····
(وقد أضيف الى هذا السفر الطويل ملحقا بملاحظة قد تكون مهمة - الى جانب جهود "نلسون مانديلا" و"عبدالله بن عبدالعزيز" و"كوفي عنان" - وهي أن واحدا من أكبر دوافع الوصول الى حل في شأن قضية "لوكربي" هو أن جنوب أوروبا المتوسطى (فرنسا وإيطاليا وزسبانيا) زاد تشوقه الى شمال أفريقيا المتوسطى (المغرب والجزائر وتونس وليبيا)·
وأوروبا المتوسطية تريد عودة الى نوع ما كان ذات يوم، حتى وإن كانت عودة مختلفة - بين الشاطئين شمال وجنوب البحر الأبيض·
______
يتبع