· لم أفاجأ حين قال لي جيسكار ديستان: نحن نعرف أن المفاوضين لشراء طائرات "الميراج" مصريون، وأن جوازاتهم مستعارة، وأن الطائرات ليست مطلوبة لليبيا وإنما لكم· وفرنسا تتفهم الظروف لكننا نطلب الحذر
· كان اعتقادي أنه لو تعاون الاثنان - السادات والقذافي - معا بقلب صادق وعقل متفتح، لكانت تلك خدمة كبرى للمعركة القادمة ولمستقبل العمل العربي بعدها، خصوصا إذا ساعدت الظروف على قيام نوع مؤسسي من صلة القرب بين البلدين
· عندما وقع القذافي في أزمة لوكربي - بصرف النظر عمن أوقعه فيها·· حمق أصدقائه أم تربص أعدائه؟ - فإن وسطاء كثيرين حولوا الأزمة إلى فرصة·· بينهم من عرض أنه يستطيع مساعدة العقيد بوساطة مع "بوش" أو "كلينتون"· ومن ينقل رسالة عنه إلى "ميتران"
أو "شيراك"· ومن يسعى له عند "جون ماجور" أو "كوفي عنان"· وجرب العقيد وجرب· ثم اكتشف أن بعضهم أخذوا ليبيا وأخذوه إلى نزهة في ضوء القمر!
· صباح يوم 30 أغسطس 1973 خرجت الجرائد المصرية كلها وعناوينها الرئيسة سوداء وحمراء بعرض الصفحات تعلن للناس أن ميثاقا للوحدة بين مصر وليبيا تم توقيعه في "ميت أبوالكوم"·· لكني (ومع الأسف) كنت أعرف أكثر من غيري أنه حبر على ورق!
· أمريكا - والكل يرى وليس القذافي وحده - انفردت بالأمم المتحدة، وأخذت مجلس الأمن بكامله في طاعتها· والمجلس لم يعد يجتمع علنا، وإنما أصبح يجري مشاورات داخلية تديرها واشنطن وتوجهها حسب مطالبها وتقدمها للدنيا باعتبارها إرادة مجلس الأمن
· حين توقف القتال - حرب أكتوبر 1973 - وجد معمر القذافي نفسه ممنوعا من دخول غرفة العمليات· وإلى حد ما فإن الرئيس "السادات" كان على حق أن يتضايق من كلمات قالها "معمر القذافي" في عز المعركة متسائلاً: هل هي حرب تحرير أم هي حرب تحريك؟
(4)
ولا أريد أن أطيل في روايات الماضي وحكاياته، لكني أتوقف عند بعض المشاهد في السنة التي عاشها "جمال عبدالناصر" مع الثورة الليبية من سبتمبر 1969 الى سبتمبر 1970·
كانت سنة خصبة بمقدار ما كانت سنة مثيرة·
في أكتوبر 1969 - أي بعد شهر من الثورة - جاء "معمر القذافي" الى القاهرة للقاء مباشر وجها لوجه مع "جمال عبدالناصر"، وكان مشهد اللحظة الأولى من اللقاء موثرا من الناحية العاطفية - ومع ذلك فإن الكلام الذي دار بعد اللحظة الأولى كان في صميم أزمة الشرق الأوسط·
ولم يكن لدى "جمال عبدالناصر" تردد في الإجابة عما سأله فيه "معمر القذافي"، وإنما كانت إجاباته واضحة:
" لا تقترب من امتيازات البترول في ليبيا الآن - ليس ذلك هو الوقت المناسب·
" لا تحاول التسرع بإلغاء اتفاقيات القواعد في ليبيا - ذلك الآن استفزاز لا تحتاجون إليه· إنكم الآن بمقتضى المعاهدات على وشك التفاوض لتجديد هذه الاتفاقيات سنة 1970 - ادخلوا الى التفاوض عندما تجيء المهلة المطلوبة للشروع فيه وهي ستة شهور قبل انتهاء الاتفاقيات، وعندها تطلب ما تشاء!
" لا داعي لأي حديث عن الوحدة الآن بين مصر وليبيا - تلك مسألة يستحسن تأجيلها الى ما بعد مواجهة مشكلة القواعد الأمريكية والبريطانية، وربما أفضل الى ما بعد المعركة·
" هناك كثير تستطيعون المشاركة فيه ضمن الجهد العسكري العربي، ولكني أفضل أولا أن تبحثوا أموركم في ليبيا وأن تعطوا أنفسكم فرصة للاستقرار والتركيز على خدمة الشعب الليبي حتى يمشي معكم بما هو أبعد من عواطفه القومية·
" لا تقلقوا من تأجيل إسهامكم العملي في الجهد العسكري، وتذكروا أن مجرد قيام الثورة لي ليبيا في هذا الوقت بالذات إضافة استراتيجية كبرى الى القوة العربية"·
بعد شهرين من اجتماعهما في القاهرة أتيحت لـ"جمال عبدالناصر" و"معمر القذافي" فرصة التعرف الحقيقي كلاهما على الآخر بالصحبة المباشرة· ففي ديسمبر 1969 كان هناك موعد لمؤتمر قمة عربي ينعقد في الرباط يتدارس فيه الملوك والروساء العرب أحوال أزمتهم ومستجداتها، ودرجة استعدادهم للعمل المشترك من أجل هدفهم المعلن وهو إزالة آثار العدوان (سنة 1967)·
وكانت تلك أول مرة يشارك فيها "معمر القذافي" في مؤتمر على مستوى القمة عربيا أو غير عربي، ومن سوء الحظ أن تدشين دخوله الى محيط القمة جرى في ذلك المؤتمر لأنه كان من أسوأ مؤتمرات القمة على الإطلاق!
كان آخر اجتماع قبله على مستوى القمة هو اجتماع الخرطوم الشهير (أغسطس 1967) وفيه - وكرد فعل لما جرى قبله (في يونيو) - كان العالم العربي كتلة نار مشتعلة بالحماسة والإصرار على الصمود· وتحت الضغط الشعبي الجارف - وباقتراح مصري - توزعت المهام بين الدول العربية المؤثرة في النظام العربي على ثلاث فرق: دول المواجهة (مصر وسوريا والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية) - ثم دول المساندة (العراق والجزائر والمغرب) - وأخيرا دول الدعم (السعودية والكويت وليبيا)· وكانت الفكرة أن تقوم كل دولة بما تهيأت له دون أن يعهد الى طرف بمهام تتخطى قدرته عليها·
وكان على دول الدعم (وهي في الواقع دول البترول وفوائضه) أن تقدم لدول المواجهة سنوياً حوالي 180 مليون جنيه استرليني (وكان نصيب مصر منها مئة مليون"·
وكان أهم قرارات القمة من الناحية السياسية "لاءات الخرطوم الثلاث" الشهيرة بأنه لا تفاوض ولا صلح ولا سلام مع إسرائيل·
········
وعلى مدى عامين ونصف العام كانت مصر على وجه التحديد تقود عملية مواجهة على الأرض وفي البحر والجو، وقد عُرفت هذه المواجهة بوصف حرب الاستنزاف· وفي نفس الوقت فإن التخطيط كان يمشى حثيثاً للانتقال إلى مرحلة الحركة والتقدم والإعداد لعبور قناة السويس بالقوة والعودة إلى سيناء، وكانت معارك حرب الاستنزاف مشهداً بطولياً جليلاً وكريماً· وكان الخطوة التي يمكن أن تلي هذه الحرب شاغل السياسة الدولية ودافعها إلى البحث عن طريق لتسوية أزمة الشرقة الأوسط قبل أن يقع الانفجار الكبير المنتظر·
وفي تلك اللحظة تقررت الدعوة إلى مؤتمر على مستوى القمة في الرباط، لكن الأجواء لم تكن صافية سواء لأن قوى كبرى (الولايات المتحدة أولها) كانت لها تصورات ومخططات - أو لأن بعض القوى الإقليمية (الدول العربية المحافظة بالذات) كانت لديها مخاوف وتحفظات خصوصاً بعد ثورة ليبيا التي أسقطت واحداً من الأنظمة الملكية·
········
وسارعت الولايات المتحدة الأمريكية قبل موعد انعقاد المؤتمر بأيام إلى التقدم بمشروع للحل يحمل اسم وزير الخارجية الأمريكي وقتها (ويليام روجرز) وكان ذلك يوم 9 ديسمبر 1969 (وقد رفضته مصر ولم تعلن رفضها له قبل مؤتمر القمة العربي حتى لا تحرج بذلك الرفض وقبل مؤتمر القمة دولاً عربية صديقة للولايات المتحدة خصوصاً من دول الدعم)·
وفي طريقه إلى مؤتمر الرباط مَرَّ الملك "فيصل" ملك السعودية بالقاهرة يتباحث في شأن جدول الأعمال مسبقاً مع "جمال عبدالناصر"، وتصادف أن هيئة التسليح في الجيش المصري كانت في حاجة ماسة إلى مبلغ عشرين مليون جنيه استرليني إضافية مطلوبة لشراء نوع خاص من قوارب العبور· وتصور "جمال عبدالناصر" أنه يستطيع طلبها من الملك "فيصل" ولكن الملك "فيصل" اعتذر مبرراً اعذاره بسببين أولهما أن المملكة تواجه أزمة سيولة مالية، والثاني أن الشعب السعودي ليس راضياً عن قبول مصر بقرار مجلس الأمن 242، وهو يعتبر ذلك القرار - 242 - حلاً يتضمن قبولاً بوجود إسرائيل، وذلك ضد مبادئ وعقائد الشعب السعودي الذي لا يقبل أساساً "بالوجود الصهيوني المحتل"·
وأظن أن "جمال عبدالناصر" لم يتضايق من الاعتذار في حد ذاته لكنه استغرب مبرراته (وتلك قصة أخرى)·
هكذا وصل الملوك والرؤساء العرب إلى العاصمة المغربية، والأفق غائم، وأروقة المؤتمر يشيع فيها نوع من التحسب للمفاجآت، ولم يكن أقلها أن هناك وافداً جديداً على القمة اسمه: "معمر القذافي"!
وقبل أن يدخل الملوك والرؤساء إلى قاعة المؤتمر كان "معمر" قد "فرقع" أول أزمة فيه·
جاء مولاي "عبدالحفيظ" رئيس الديوان الملكي المغربي يبلغ الملك "الحسن" أن القاعة جاهزة وكل شيء فيها معد لدخوله ودخول ضيوفه كي يبدأوا أعمالهم ــــ وطبقاً للتقاليد في "البلاط الشريفي" فإن مولاي "عبدالحفيظ" أخذ يد الملك الممدودة إليه فقبلها· وفوجئ "معمر" بما رأى وإذا هو يصيح بأعلى صوته: "ما هذا؟ تقبيل أياد؟ عدنا إلى عصر العبودية··· لا·· لا·· هذا شيء مرفوض·· مرفوض تماماً"·
وتوقف كل الملوك والرؤساء عن السير نحو باب القاعة· وكانت الأزمة الأولى·
········
وعقب انتهاء الملك "الحسن" من كلمته الافتتاحية ثم انتقال الحديث إلى إقرار جدول الأعمال ساد الجلسة شعور بالقلق لأن "معمر القذافي" تدخل لإبداء ملاحظات، لكنه أثناء إبداء ملاحظاته راح يخاطب الملك "الحسن" بعبارة: "يا حسن"، كما راح يخاطب الملك "فيصل" بقوله: "يا فيصل"!
وكتب الملك "الحسن" بخط يده رسالة من سطر واحد أرسلها مع أحد مرافقيه إلى حيث يجلس "جمال عبدالناصر"، وجاء فيها: "فخامة الرئيس·· ألا تساعدنا بالتدخل لوضع ضوابط على تصرفات أخينا الليبي"·
وتصور "جمال عبدالناصر" أنه يستطيع الحديث مع "معمر القذافي" بعد انتهاء الجلسة، لكنها بضع دقائق وعَنَّ لـ "القذافي" أن يبدي تعليقاً على مداخلة قام بها الملك "فيصل" فإذا هو يقول موجهاً الكلام له: "يا فيصل اتق الله يا شيخ"·
وبعد دقائق قليلة لَمَّ الملك "فيصل" أطراف عباءته ونهض بهدوء خارجاً من القاعة·
ثم رأى الملك "الحسن" أن يرفع الجلسة لاستراحة قصيرة·
·······
أثناء الاستراحة بدا أن هناك تقدماً أمكن إحرازه في ضبط "قواعد السلوك في حضرة الملوك"! - ولم يكن "القذافي" مقنتعاً، لكنه في نهاية مناقشته مع "جمال عبدالناصر" قال على مضض "إنه سوف يقفل فمه ولا يتكلم، وهو يريد أن يسجل أن ما رآه حتى الآن من المؤتمر أقنعه أن كل هذا الذي يجري على مستوى القمة العربية عبث لا فائدة منه إلا الضحك على عقول الناس"·
ولم تمض غير دقائق حتى كان "معمر" قد نسي تعهده·
جاء يجلس إلى جواري على مقعد في أحد الممرات المؤدية إلى قاعة الاجتماعات، ومََّر ضابط عسكري مغربي رفيع الرتبة تغطي صدره نياشين التكريم، وسألني "القذافي": "من هو؟" - وقلت له إنه الجنرال "محمد أوفقير" وزير الداخلية المغربي· وفتح "معمر القذافي" فمه وعينيه من الدهشة وسألني: "أليس هذا هو الرجل الذي خطف "بن بركة" وقتله؟" - وقلت هامساً: "نعم هو متهم بذلك"· ورد "معمر القذافي": ليس متهماً، إنه فعلها ولذلك فهو مجرم"، ونهض واقفاً يصيح: "اقبضوا على هذا الرجل·· ما الذي جاء به معنا؟ هذا قاتل··· مكانه السجن وليس هنا"·
وحاولت تهدئة انفعاله والإمساك بحركته لكن المشهد أصبح حديث المؤتمر، وذهب الملك "الحسن" إلى لقاء مغلق مع "جمال عبدالناصر"· وعلى أي حال فإن ما أنقذ الموقف كان امتناع "القذافي" عن حضور الجلسات لأنه لم يعد مقتنعاً بشيء مما يسمع أو يرى!
········
باختصار غادر "معمر القذافي" عاصمة المغرب وقد فقد ثقته في إمكانية "فعل عربي" عن طريق مؤتمرات القمة·
وكان "جمال عبدالناصر" الذي توجه معه إلى زيارة ليبيا لأول مرة يشاركه بعض شعوره ولكن بطريقة مختلفة، بمعنى أنه بأثر التجربة الطويلة كان "جمال عبدالناصر" يرى الفائدة السياسية العامة لاجتماعات القمة العربية، لكنه فيما يتعلق بالفعل المباشر خصوصاً إذا اتصل باستعمال القوة المسلحة فإن مستوى القمة العربي ليس قاعدة الانطلاق الأمثل نحو ميادين القتال، وتحميل القمة العربية بهذا النوع من المسؤوليات "امتحان خارج المقرر" (حسب تعبيره في تلك الأيام)·
وفي ليبيا كان "معمر القذافي" يريد أداء دور·
عرض وحدة بين مصر وليبيا (كان رأي "جمال عبدالناصر" أن المبدأ مقبول - لكن التنفيذ مؤجل، والأفضل أن يؤجل إلى ما بعد المعركة)·
وعرض المساهمة في المعركة (ورحب "جمال عبدالناصر" على أن تُترك له فرصة التفكير في طريقة مساهمة ليبيا)·
وكان "جمال عبدالناصر" على وشك أن يقوم بزيارته السرية الشهيرة إلى موسكو (يناير 1970) يطلب مدداً من السلاح والذخيرة لتوفير مطالب خطة العبور، وكانت الصواريخ أهم طلباته!
وحصل "جمال عبدالناصر" على معظم ما أراد بما مكنه من بناء حائط الصواريخ العتيد·
ولكنه خرج من موسكو وليس ضمن ما حصل عليه قاذفة مقاتلة يريدها قواده، والاتحاد السوفييتي يعتذر بأنها ليست عنده لأنه ببساطة لم يصنعها، والسبب أنهم (السوفييت) ركزوا على الصواريخ بعيدة المدى لحمل الشحنات المتفجرة (نووية بالدرجة الأولى)· كان تركيزهم الأساسي على المقاتلات - وليس القاذفات - وبالنسبة للمقاتلات فقد قدموا أسراباً أو أساطيل منها إلى مصر·
········
وبعد العودة من الرحلة السرية إلى موسكو حَمَلْتُ رسالة مكتوبة من "جمال عبدالناصر" إلى "معمر القذافي" (وكانت المهمة رسمية كعضو وقتها في مجلس الوزراء)·
وكان ملخص الرسالة المكتوبة ومؤدى العرض الشفوي الذي مهدت به لها:
- "إننا الآن في حاجة إلى قاذفة مقاتلة، والسوفييت ليس عندهم ما نطلبه، وإذا كان عندهم فلا يبدو أنهم على استعداد لتقديمه لنا·
والمهمة التي تستطيع ليبيا أداءها للمعركة هي توفير قاذفة مقاتلة، وذلك ممكن لأن ليبيا قادرة على الدفع بسخاء في الشروط، ونقداً، وربما مقدماً·
وهناك نوعان من القاذفات المقاتلة صالحان لأداء الغرض: "الفانتوم" الأمريكية، أو "الميراج" الفرنسية·
والحصول على "الفانتوم" من أمريكا صعب لأن الموضوع سياسي أكثر منه مالياً، وأما الحصول على "الميراج" من فرنسا فممكن سياسياً ومالياً، بمعنى أن فرنسا تريد أن تعود إلى منطقة الشرق الأوسط - سياسياً، ثمن إنها تريد أن تدخل سوق السلاح فيها - مالياً"·
وبدا "معمر القذافي" حائراً أمام ما يُطلب منه، لكنه في ظروف ثلاثة شهور كانت هناك بعثة تتفاوض (ضباط من الطيران المصري يحملون جوازت سفر ليبية) - وكانت المفاوضات تتقدم· وذهبت إلى باريس أقابل الرئيس الفرنسي "جيسكار ديستان" - ومكتبه ذلك الوقت في قصر "اللوفر" ولم يكن معنا في مكتبه غير كلبته السوداء وقد بقيت ساكنة طوال الوقت تحت قدميه· ولم أفاجأ كثيراً حين قال لي:
- "نحن نعرف أن المفاوضين لشراء طائرات "الميراج" مصريون، وإنما جوازتهم مستعارة، وأن الطائرات ليست مطلوبة لليبيا وؤنما لكم، وفرنسا تتفهم الظروف لكننا نطلب الحذر، وقد وافقنا على الصفقة بكاملها (101 طائرة - وأربع للتدريب - والمجموع 105"·
········
وفي تلك الظروف رحل "جمال عبدالناصر" - وأصبح "أنور السادات" رئيساً·
وبدأت مرحلة جديدة في حياة "القذافي" - في علاقاته بمصر وربما في علاقاته بالعالم·
ظني من وقتها - وحتى الآن - أن رحيل "جمال عبدالناصر" المفاجئ، وبعد سنة واحدة من ظهور "معمر القذافي" كان هزة عنيفة للضابط الشاب الذي مشى من الخيمة إلى قمة السلطة في بلاده بغير تمهيد·
وكانت الهزة إلى جانب العنف في شدتها، عريضة كذلك في مساحتها·
وفي البداية ظهر واضحاً أن "معمر القذافي لم يكن مقتنعاً بأن "أنور السادات يستطيع ملء مكان ومكانة "جمال عبدالناصر"، وعلى نحو ما فإن الكيمياء بين الرجلين (القذافي والسادات) تعطل تفاعلها، وتنافرت عناصرها بدل أن تمتزج·
وبعد أسابيع من رئاسة "أنور السادات" كان رأيه أن "معمر القذافي شاب بلا تجربة، وأن استعداده للمغامرة أكبر من قدرته على حساباتها· وفي نفس الوقت فإن "أنور السادات" في رأي "معمر القذافي" كان - هو الآخر - بلا تجربة لأن عدد سنين التواجد في دائرة السلطة دون مسؤولية لا يؤهل لشيء - ثم إن "أنور السادات" ليس صاحب فكر ثوري يناضل لتحقيقه، وإنما هو رجل أذهلته السعادة حين وصل إلى السلطة في لحظة فراغ أصاب الكل بالدوار!
وكان كلاهما ظالماً للآخر لا يرى منه إلا سطح جلده الخارجي!
وبعد شهور كان "معمر القذافي" قد فقد ثقته أيضاً في عدد من الناس قدموا إليه أنفسهم على أنهم "رجال عبدالناصر"، وقد صدّق في البداية لأنه رآهم في الصور داخل الدائرة القريبة من الرجل الذي اعتبره بطله، وكان كثير من هؤلاء رجالاً ذوي نوايا طيبة لكن مشكلتهم أن الأوهام كانت أكبر من الحقائق في طموحاتهم· ثم لم يلبث "القذافي" أن اكتشف بنفسه مسافة البعد بين الطموحات وبين الهمم·
وبعد سنة كان "معمر القذافي" عاتباً على شعب مصر كله، كيف لم يقم بثورة يطيح فيها بكل هذه الأوضاع جميعاً: "رئيس غير ثوري"، و"رجال لعبد الناصر" لم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم قبل الدفاع عن تراث قائدهم·
وأزعم أنني كنت أتابع أزمته وأحاول·
وفي البداية كان عتبه علي شديداً لأنني وقفت مع "السادات" ضد "رجال عبدالناصر" في أزمة مايو الشهيرة والتي عُرفت بـ "أزمة سقوط مراكز القوى"·
وبعد البداية - كانت الساحة قد أصبحت أكثر وضوحاً أمامه·
وكان "الأهرام" مقصده الأول حين يجيء إلى مصر وذلك بحكم الصلة بيني وبينه منذ يوم قيام الثورة، ثم بسبب ملاحظته بعد ذلك لما كان بين "جمال عبدالناصر" وبيني·
وفي تلك الأيام حاولت جاهداً بينه وبين "أنور السادات"، وكنت أتمنى عليهما أن يعطى كلاهما لآخر فرصة يتعرف فيها على ما لايراه من مزايا بدلاً من التوقف عندما يراه من عيوبه·
وكان اعتقادي - ولايزال حتى هذه اللحظة - أنه لو تعاون الاثنان معاً بقلب صاف وعقل متفتح، لكانت تلك خدمة كبرى للمعركة القادمة ولمستقبل العمل العربي بعدها خصوصاً إذا ساعدت الظروف علي قيام نوع مؤسسي من صلة القرب بين البلدين في هذا الموقع المتصل المتكامل من شمال شرق أفريقيا وجنوب شرق البحر الأبيض·
لكن المحاولات كلها نفد وقودها مبكراً، وربما نجحت محطات البنزين على الطريق أحياناً في توفير ضخة أو ضختين، لكن علاقات السياسة تحتاج إلى مدد مستمر لمحركاتها، وهكذا فإن العلاقات بين الرجلين كانت تمشي مسافة ثم تتوقف، وتعود للمشي ثم تتعطل!
وأستأذن في عرض أمثلة علها تشرح أكثر من أي تحليل يتعمق في دخائل النفوس، وتنافر المخفي في أعماقها·
········
المثال الأول: في أواخر سنة 1971 كان "معمر القذافي" في القاهرة، ودُعي ودعيت معه إلى غداء في بين الرئيس "أنور السادات" في الجيزة· وجلسنا - نحن الثلاثة - بعد الغداء في شرفة تطل على النيل لحديث على فنجان قهوة رجوته حديثاً رائقاً ومتوازناَ·
وفجأة قال "معمر القذافي" وهو ينظر إلى مجرى النهر: "لو أن لدينا في ليبيا مثل هذا النيل لاختلفت أوضاعنا"·
ورد "أنور السادات" ضاحكاً: "أعطني بترول ليبيا وأنا أحول إليك فرعاً من نهر النيل"·
ورد "معمر القذافي": هل هي عملية مقايضة؟"·
وبسرعة تسرى فيها حدة أجاب "السادات": أنت الذي كنت تحسدنا على مياه النهر"·
وقال "القذافي": أنا أحسدكم؟ أنا أتمنى لهذا البلد كل الخير!"·
وأحسست أن الحوار قد يجمح، وتدخلت قائلاً: "بالراحة من فضلكما·· أولاً: النيل لا يجيء لمصر بفائض مياه تستطيع أن تعطي فرعاً منه لليبيا، كل ما يجيء منه سنوياً إلى هنا أكثر قليلاً - في العادة - من خمسين مليار متر مكعب من الماء، وهي بالكاد تكفي"·
وكنت على وشك أن أكمل - لكن الرئيس "السادات" قاطعني قبل مواصلة عباراتي وسألني وكأنه ضبطني متلبساً: "كيف تعرف أن ما يجيء إلى مصر من مياه النيل خمسون مليار متر مكعب في السنة؟ هل قستها ووزنتها؟"·
وقلت له: "الأرقام هناك عند وزير الزراعة أو الري··· ولك أن تتفضل بسؤال أيهما"!
(وقد أدهشني نفاد صبره، وأدهشني أيضاً أنه لم يكن يعرف أهم الأرقام في حقائق الحياة على "بر مصر" (ولم أعقب بشيء)·
وجاء فنجان القهوة، وشربناها، ولم تكن رائقة ولا موزونة!
········
المثال الثاني سنة 1972، وكنت كتبت مقالاً أبديت فيه ملاحظات عن مجرى العلاقات بين مصر وليبيا وانتقدت تعريضاً مستمراً دأب "معمر القذافي" على توجيهه إلى الاتحاد السوفييتي وقيادته ووصل فيه إلى حد القول بأنه لا فارق بين "كيسنجر" و"كوسيجين" (رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي وقتها) - ثم أشرت فيما كتبت إلى أن ليبيا اشترت حصة من أسهم شركة "فيات" الإيطالية لصنع السيارات في "تورينو" وتساءلت: لماذا لا تشتري ليبيا حصة من مصانع مصرية ("المحلة مثلاً - هكذا كتبت) ويكون من ثمنها سيولة مالية تساعد مجمع الصناعات المصرية الضخم الذي كان يعاني في ذلك الوقت من نقص في النقد الأجنبي المتاح له؟
ويومها تصادف وجود "القذافي" في القاهرة، وبدون إنذار وجدته داخلاً إلى مكتبي ومعه الرائد "عبدالسلام جلود" وهو في موضع رئيس وزرائه·
وبادرت "معمر القذافي" بمنطق أن "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، قائلاً "أعرف أنك غاضب مما كتبته اليوم عنك"·
وقال (وبدا لي قوله من خارج السياق): "أبدا وإنما لدي سؤال عندك"·
وكان سؤاله:
"هل صحيح ما جاء في كلامك اليوم من أن المجمع الصناعي الذي بناه الرئيس جمال عبدالناصر يعمل بأقل من طاقته بسبب مشاكل من نقص في النقد الأجنبي؟"·
وقلت: "إذا كان ذلك ما فهمه من كلامي فهو صحيح"·
وقال: "ماذا نفعل؟ - ماذا تستطيع ليبيا أن تفعل مع العلم بأنني غير موافق على اقتراحك بأن نشتري مصانع مصرية·· هذه المصانع لمصر وجب أن تبقى لها، أما نحن فعلى استعداد لأي شيء·· هل تعرف ما هو المطلوب؟"·
وقلت: "ليست لدي فكرة دقيقة لكن ذلك أمر يمكن بحثه - وأول خطوة في هذا البحث أن تعرف أن مدى استعدادك في ضوء ظروف ليبيا"·
وانتحى "معمر القذافي" بـ "عبدالسلام جلود" إلى جانب في ركن من مكتبي، ثم عاد إلي يقول: "هل إذا قدمت ليبيا ثلاثمئة مليون جنيه تنحل المشكلة؟"·
وبدا لي المبلغ وقتها هدية نزلت من السماء تستحق أن تُعرض على الرئيس "السادات"·
وتركت "القذافي" و"جلود" في مكتبي وذهبت إلى مكتب مجاور أطلب الرئيس "السادات" في بيته (وكان في الجيزة) - ورويت له ما حدث، وأحسست به "طائراً من الفرح" (كذلك قال)، ثم كان اقتراحه:
- إنه لابد من تثبيت هذا العرض الآن" وكان طلبه:
- "هات معمر وجلود فوراً وتعالوا إلى عندي في الجيزة، وسأطلب من حجازي (الدكتور عبدالعزيز حجازي وكان وزيراً للمالية) أن ينضم إلينا لنضع الترتيبات اللازمة، تعالوا فوراً"·
وكان تعليقه وقد كرره أكثر من مرة: "خير ما عملت·· خير ما عملت"!
وعدت إلى القذافي" و"جلود" قائلاً إن الرئيس "السادات" ينتظرنا لبحث الموضوع على مستواه الرسمي والطبيعي·
وعندما وصلنا إلى بيت الرئيس "السادات" في الجيزة كان الدكتور "عبدالعزيز حجازي" قد وصل قبلنا بدقائق·
ورأيت مناسباً أن أعرض ما حدث في مكتبي وأكده "معمر القذافي"، وبدأ الحديث من هنا، وكان رأي الرئيس السادات" بعد ذلك أن يجلس الدكتور "حجازي" مع "عبد السلام جلود" في غرفة المائدة المواجهة لصالون بيته حيث كنا نجلس، وأن يتفقا على الخطوات العملية لطريقة التنفيذ، وطلب إليهما الرئيس "السادات" أن يفرغا من المهمة في أقل من ساعة واحدة·
وجلسنا ثلاثتنا - الرئيس "السادات" و"معمر القذافي" وأنا - ننتظر ونتحدث في بعض ما يجرى من الشؤون·
وفجأة قال "معمر القذافي" موجها حديثه للرئيس "السادات":
- "يا ريس أنور أريد أن أشكو إليك "الأستاذ هيكل"!
وأطلت علينا ابتسامة الرئيس "السادات" المشهورة وهو يقول برضى : "خير يا معمر·· ما هي شكواك منه؟"·
وكنت أنظر مستغربا إلى "معمر القذافي" الذي استطر يقول:
- "هل رأيت جريدة الأهرام اليوم·· فيها أربع صفحات عن منجزات الشيخ زايد في الإمارات"·
وقاطعته شارحا:
هذه الصفحات الأربع إعلان، وقد كتب أعلى كل منها ما يفيد ذلك احتراما لتقاليد نلتزم بها، ثم إن هناك إطارا بالخط يحيط بكل المنشور عن الإمارات بحيث يكون معزولا وبوضوح عن تحرير الأهرام العادي"·
ورد "القذافي":
- "هذا تمجيد في الرجعية، ولا يكفي أن يقال أنه إعلان"·
وتدخل الرئيس "السادات" يقول:
- "معمر ·· هذا إعلان واضح·· وليس فيه تمجيد··"·
ولم يقبل "معمر القذافي" وإنما واصل حديثه:
"اليوم يمجدون في الشيخ زايد، وغذا يكون التمجيد في فيصل"· (وأضاف "معمر القذافي" وصفا للملك "فيصل")
وبدا الضيق على وجه الرئيس "السادات" وقال:
"معمر·· لا تغلط في حق فيصل، هو صديقي؟"·
ورد "معمر القذافي" بجدة:
- "لا هو صديقك ولا شىء·· هو لا يحبك ولا يحب مصر"·
وقاطعه "السادات":
" معمر ·· الزم حدك·· قلت لك هو صديقي"·
ورد "القذافي":
ماذا جرى لك يا ريس أنور؟ هل فقدت ثوريتك؟"·
وكانت تلك هي الطامة الكبرى، فقد رد "السادات":
- "هل تعلمني الثورية يا معمر ·· اسمع، إذا كنت تتصور أنك تشتري سياساتي بأموالك فأنا في غنى عنها"·
ثم راح الرئيس "السادات" ينادي على الدكتور "عبد العزيز حجازي" ــ حيث كان يجلس في غرفة المائدة مع "عبد السلام جلود" ــ بأن يوقف المفاوضات، فهو "لا يريد شيئا ما دام معمر يتصور أنه بأمواله يستطيع "شراء مصر"·
وفي هذا التداعي السريع في الموقف فقد رحت أحاول إيقاف التردي: مرة بأن ما أثاره "معمر القذافي" عن إعلان الشيخ "زايد" أمر أستطيع تسويته معه مباشرة فيما بعد، ومرة بأن نداء الظروف أقوى من المشادات خلافا تقدير الأشخاص، ومرة بأن الأوطان لا دخل لها في مشادة توترت فيها أعصاب رجلين·
لكن الرئيس "السادات" وصل بالأمور إلى الحافة عندما نهض واقفا يخرج من حيث كنا غاضبا ومتجهما·
ولحقت به أقول له : "الرجل في بيتك ــ ضيف عليك"·
وكان قصارى ما فعله كحل وسط أن التفت قائلا للجميع :" البيت هنا ليس بيتي ولكنه بيتكم جميعا"·
·········
ومثال ثالث جرت وقائعه أواخر شهر أغسطس 1973·
فقد اتصل بي الدكتور "أشرف مروان" - وهو وقتها مدير مكتب الرئيس "السادات" للمعلومات ومنسق خاص للعلاقات المصرية الليبية - يقول إلى مطار القاهرة، وقد توجهت لملاقاته على عجل سيارات ضيافة من رئاسة الجمهورية تحمله إلى قصر "الطاهرة" ولكنه رفض ركوبها وقصد بسيارة تاكسي إلى فندق "النيل" على الكورنيش في جادرن سيتي، ومن الواضح أنه متأثر لطريقة المعاملة التي يلقاها من مصر·
واتصلت على عجل بالرئيس "السادات" الذي كان عائدا لتوه من رحلة واسعة حملته إلى رومانيا وإيران وبعض دول الخليج - وتوجه مباشرة ليستريح في بيته بقرية "ميت أبو الكوم" وبالطبع فقد كنت أعرف أن وقت المعركة يقترب وإن لم يكن اليوم والساعة قد تحددا بعد بالدقيقة والثانية·
وقال لي الرئيس "السادات" إنه "لم يعد يستطيع أن يعرف كيف يتصرف مع معمر" وأضاف أنه قرأ لي مقالا منذ أيام قلت فيه إنه "إذا لم يستطع العمل الوحدوي بين مصر وليبيا أن يتقدم إلى الامام فإنه لا يجب أن يعود إلى الوراء" وأضاف مبديا اندهاشه "فسر لي هذا اللغز: لا نستطيع التقدم خطوة إلى الامام ولا يصح أن نعود خطوة إلى الوراء، ما هو معنى ذلك؟" - ثم أجاب بنفسه على سؤاله:" ننط في الهواء يعني؟"·
وكان رأيي والمعركة على الأبواب وليبيا تمول أسلحة ومعدات تحتاجها القوات قاربت تكاليفها البليون دولار، إضافة إلى ثمن صفقة طائرات "الميراج" الفرنسية - أن هناك قضية تستحق الحرص حتى لو لم تكن هناك علاقات خاصة بين البلدين·
وسألني، واقترحت عليه أن يدعو "معمر القذافي" إلى مقابلته غدا في "ميت أبو الكوم" مع تسليمي بأنه عائد من رحلته متعبا ومرهقا·
وقال لي "إن معمر اتصل بين هنا في ميت الكوم وقلت لهم أن يبلغوه أنني نائم"·
وكان ظني أن ذلك لا يصح، وأذكر - وبغير تجاوز - أنني قلت له: "إننا في مصر أحيانا نعرض عن الذين يقبلون علينا، ونجري وراء الذين يعرضون عنا" ولست أعرف لذلك تفسيرا مريحا·
وأحسب أن تنبه إلى أن علاقته بـ "القذافي" تستحق محاولة أخيرة، فقد فوضني أن أتصرف، وكان اقتراحي أنه "من المهم أن يصدر إعلان على نحو ما يؤكد الأهداف المشتركة للبلدين مع إشارة لاتفاقيات سبقت في محاولة تحقيق نوع من الوحدة بينهما"·
وإنصافا للحق فإنه تفضل وقبل اقتراحي·
وعدت إلى المشروعات القديمة، وأضفت إليها إعلانا جديدا اسميته "ميثاق ميت أبو الكوم" وقرأته عليه في التليفون وأقره· ثم اتصلت بـ "معمر القذافي" أعرض عليه أن نذهب جميعا إلى "ميت أبو الكوم" وكان "القذافي" غاضبا يقول :" إن الرئيس أنور لا يريد أن يرد على تليفوني فكيف أذهب إليه؟"·
وقضينا جميعا يوم 29 أغسطس في "ميت أبو الكوم" وجرى أمام الميكرفونات والعدسات إحتفال لتوقيع وثيقة "إعلان ميت أبو الكوم" ( هكذا سماها الرئيس "السادات" في لحظة حماسة ونشوة!) وبدا "معمر القذافي" مرتاحا ، وبدا "السادات" صبورا، وقرر "القذافي يعود إلى ليبيا من أقرب مطار إلى "ميت أبو الكوم" وكان مطار "قويسنا" العسكري وعدت مع الرئيس "السادات" من "قويسنا" إلى "ميت أبو الكوم" وكنا وحدنا بعد انفضاض مهرجان توقيع ميثاق "ميت أبو الكوم"·
وجلسنا في سيارة الرئيس "وكانت "رولز رويس" فخمة أهداها إليه أحد مشايخ الخليج"·· ومضت دقائق ونحن سكوت، وأحسب أن كلينا كان يستعيد في ذاكرته ساعات ومشاهد يوم حافل·
وقطع الرئيس "السادات" صمته وقال لي "مناديا باسمي الأول كما كان يفعل عادة":
- "محمد - هل تريد أن أدخل في وحدة مع "ولد" مجنون؟"·
- "هل تريد رأيي بصراحة··؟ إذا كان مجنونا فهو مجنون لأنه يريد الوحدة معنا، وبصراحة فأنا لا أعرف ما الذي يغريه بها؟ نحن بلد في حالة حرب، وجزء من أرضنا محتل، وأمامنا معركة معلقة بمقادير لا نعرفها، وليبيا عمق استراتيجي نستعمله بغير عوائق، وهذا الرجل مسكون بفكرة يحلم بها وهو يحاول، وأنا أول من يسلم أن أسلوبه في المحاولة مثيرة للأعصاب ومرهق أحيانا لكني تصورت··"
وقاطعني الرئيس "السادات":
"لقد وقعنا اتفاقا وانتهى الأمر، ولعل أعصابه تهدأ حتى تجيء المعركة ويذهب كل منا إلى طريقه"!
وبدا لي ذلك نذير قلق ينبىء بشكل ما هو مقبل··مكتوم اليوم ومتفجر غدا·
وصباح اليوم التالي 30 أغسطس خرجت الجرائد المصرية كلها وعناوينها الرئيسة سوداء وحمراء بعرض الصفحات تعلن للناس أن ميثاقا للوحدة بين مصر وليبيا تم توقيعه في "ميت أبو الكوم"·
لكني "ومع الأسف" كنت أعرف أكثر من غيري أنه حبر على ورق!
····
وأخيرا··
أخيرا ومهما كانت الأسباب فإنه حين توقف القتال وجد "معمر القذافي" نفسه ممنوعا من دخول غرفة العمليات، وإلى حد ما فإن الرئيس "السادات" كان على حق أن يتضايق من كلمات قالها "معمر القذافي" في عز المعركة متسائلا:" هل هي حرب تحرير أم هي حرب تحريك؟"
فقد بدا أن ذلك لعب بالألفاظ لا يتحمله قرار الحرب ولا تضحيات الرجال·
وكانت "شعرة معاوية" الباقية بين الرجلين على وشك أن تنقطع"!
وفي كل الأحوال وفيما يتعلق بين "شخصيا" فإن وقف القتال والطريقة التي جرت بها المفاوضات مع "كيسنجر" أتي معه بتعقيدات كثيرة في علاقتي بالرئيس "السادات" وكان أن تركت موقعي صحافة "وسياسة" وابتعدت·
"6"
ابتعدت، ولكنني لم أنفصل، بمعنى أنني نزلت من فوقة خشبة المسرح - أيا كان موقعي عليها وحركتي حول هذا الموقع ـ وانتقلت إلى مقاعد المتفرجين أشاهد وأتابع معنيا بكل ما يجري أمامي ومهتما· وأما عملي وشاغلي الحقيقي وقد تفرغت له بالكامل فقد كان القلم وليس الخشبة، والورقة البيضاء وليس الستار المخملي للمسرح، قرمزي في العادة!
والغريب أن الرئيس "السادات" حاول أن يستدرجني لأداء دور على الخشبة عدة مرات كانت إحداها قريبة من "معمر القذافي" أو متصلة بأمره·
قرأت - يوما - على غير انتظار وعلى لسان "السادات" أنه مطلوب مني أن أشهد ما إذا كان "جمال عبد الناصر" قد أوصى من بعده لـ "معمر القذافي" وبدا لي الموضوع بالغ الغرابة·
كان السبب أن بعض المحيطين بـ "معمر القذافي" بدأوا يصفونه بأنه "الأمين على القومية العربية" بعد رحيل "عبد الناصر" وكان الاعتماد على عبارة نشرتها في مقال قديم لي وجهها "عبد الناصر" إلى "القذافي" قال له فيها :" معمر أنت تذكرني بشبابي"·
واعتبرها البعض استخلافا من "عبد الناصر" لـ "القذافي"· وكانت تلك في ذلك الوقت قضية كبيرة لدى قطاعات واسعة من المشتغلين بالسياسة في العالم العربي، وعلى هذا الأساس طلب الرئيس "السادات" شهادتي، وكذلك فعل بعض أنصار "معمر القذافي"·
وألح بعض المحيطين بالرئيس "السادات" في الأمر إلى درجة بدا لي طلب شهادتي جزاء من الحملة ضد "معمر القذافي" وقد اشتدت أيامها إلى درجة اتهامه بالجنون علنا ــ وليس داخل سيارة الـ "رولز رويس" فقط!
ثم وصل الأمر بالرئيس "السادات" إلى درجة اتهمني معها بالتواطؤ مع "القذافي" إذا لم أتكلم، وفي الوقت نفسه كان رأي آخرين أنه يجب أن يصدر وعلى لساني ما يفيد أن "السادات" وإن خلف "جمال عبد الناصر" على رئاسة الدولة المصرية لا يصلح لخلافته على المستوى القومي الأبعد·
ورأيت أن ألزم الصمت برغم ضغط الجانبين·
كان تقديري أن الموضوع كله "خفيف" وإلى درجة السخافة، فالعبارة التي رويتها منسوبة إلى "عبد الناصر" وهي صحيحة - ليست وصية وإنما ملاحظة قصد بها "جمال عبد الناصر وصف وتخفيف حدة اندفاعات "معمر القذافي" وقتها، وهي اندفاعات لم يشفع له فيها غير شبابه - لكنها لم تكن وصية·
وفي مطلق الأحوال فإن "جمال عبد الناصر" - أو غيره - لم يكن في مقدوره أن يوصي بمكانه في الدولة أو بمكانته في الأمة لأحد بعده، لأن مكانه في الدولة مسألة دستور وقانون ، كما أن مكانته في الأمة مسألة زعامة يراها الناس بمدى تقديرهم لأدائه تعبيرا وحركة عن أهداف مكنونة في ضمائرهم·
" إلى جانب ذلك فقد نسي كل الأطراف أهم حقائق الموضوع وهي أنه لو ظهر "جمال عبد الناصر" في غير مصر لما استطاع"·
وهنا فإن الكلام عن وصية رجل خارج الموضوع·
ثم إن طلب شهادة رجل في الموضوع خارج المنطق·
وسكت عارف أنني لم أرض الطرفين رغم اختلاف الطرق بينهما·
وكان "معمر القذافي" في طريق آخر غير طريق "أنور السادات"·
لكني أعترف أنه في حين أن طريق "السادات" بدا لي خطرا، فإن طريق "القذافي" لم يبد لي أكثر أمانا رغم مسافة الاختلاف بين الطريقين!
وفي بعض المرات كنت أجد أعذارا لـ "القذافي" وفي بعض المرات لم أجد!
"وبين ثلاثين سنة قضاها "معمر القذافي" في الحكم فإن عشرا منها انقضت في علاقات حب وهجر بينه وبين مصر، وعشرا ثانية منها جرت طوافا بمواقع القلق على اتساع المعمورة من حركة "أبو نضال" إلى حركة الجيش السري الأيرلندي، ثم ضاعت عشر سنوات ثالثة في هموم "لوكربي" ( للإنصاف كان هناك مشروع النهر العظيم أيضا)·
كان أكبر أعذاري لـ "القذافي" طبيعة ظروفه متفاعلة مع ظروف عصره:
1 - لقد مشي من "الخيمة" إلى "القمة" مباشرة دون مرور بمحطات يتوقف عندها ويجرب ويدرس ويتعلم، خرج من "الخيمة" إلى المدرسة ومن المدرسة المدنية إلى مدرسة عسكرية، وأرسلوه إلى إنجلترا لدورة تدريبية، وكان معسكر التدريب الذي التحق به على بعد خمسين كيلو مترا من العاصمة "لندن" ومع ذلك لم يذهب إليها مرة واحدة لأنه كان يرتب مع مجموعة من زملائه الشبان ليوم قريب يستطيعون فيه "إطلاق الثورة في ليبيا"·
2 - ولقد نجح في "إطلاق الثورة" في موقع خطر "3 ملايين برميل بترول يوميا، الأبيض" وبسهولة لا تكاد تصدق "4 ساعات، ومائة ضابط وخمسة آلاف جندي" وربما كانت من هنا أسباب النجاح، فلم يكن هناك من ينتظر، ولا كان هناك من يتصور· وبالتالي فلم يكن هناك من استعد أو قدر·
وحين تنجح أكثر المحاولات خطورة بأقل التضحيات تكلفة - فإن محصلة التجربة تعطي الأحلام مساحة تتجاوز قدرة الحقائق على بلوغها لأن ثقافة المصادفة تختلف تماما عن ثقافة القانون - خصوصا إذا كان قانون القوة!
3 - ومن سوء الحظ أن "معمر القذافي" لم يلبث - بعد أن نجح في محاولته - أن فقد مثله الأعلى الذي قال له يوما "إنك تذكرني بشبابي" وكانت تجربة "جمال عبد الناصر" - ربما - تقدر على تركيز أحلام "القذافي" - لكن المقادير سبقت ووجد "معمر القذافي" نفسه أمام رجال جدد لا تدعوه هاماتهم إلى رفع رأسه ليراهم!
ولعل تلك هي الأحوال التي أغرت "معمر القذافي" بأن يعتبر نفسه الأقدر والأجدر·
4 - ولقد ساعد على الإغراء أن موارد ليبيا النفطية وضعت تحت تصرف "القذافي" ثروة سال لها لعاب كثيرين لم يكن معظمهم في حاجة إليها، لكن رياح زمان محدث كانت تهب حاملة معها الكثير من عوامل التآكل والتعرية·
وهكذا أصبح "القذافي" مقصدا تتزاحم على الدروب إليه قوافل الطالبين - واستقبلهم بحفاوة!
وقد قصدت إليه بعض النخب في العالم العربي تتحدث بالشعر وبالنثر، وبلغة التنظير والعقائد، والتعقيد أحيانا - واستمع إلى الكل ولكن دون فرز·
وتقدمت إليه الكتب أشكالا وألوانا - وقرأها جميعا من دون نقد·
وفي زحام يشابه زحام "سوق عكاظ" خطر له أنه يستطيع أن يقول أفضل مما سمع، وأن يكتب أحسن مما قرأ "وفي ذلك لم يكن متجاوزا"·
______
يتبع