رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18- 24 صفر 1420هـ - 2- 8 يونيو 1999
العدد 1379

يتبع

5 - وعندما وقع "القذافي" في أزمة "لوكربي" - بصرف النظر عمن  أوقعه ·· حمق أصدقائه أم تربص أعدائه؟ - فإن وسطاء كثيرين حولوا الأزمة إلى فرصة فقد كانت بينهم من عرض أنه يستطيع مساعدة "العقيدة" بوساطة مع "بوش" أو "كلينتون" ومن ينقل رسالة عنه إلى "ميتران" أو "شيراك" ومن يسعى له عند "جون ماجور" أو "كوفي عنان" وقد جرب "العقيد" وجرب ثم اكتشف أن بعضهم أخذوا ليبيا وأخذوه في ضوء القمر، وهذا هو كل شيء!

وربما يكون من ذلك كله عذر لـ "القذافي" وربما لا يكون لكن تلك ظروفه، ولم تكن له فيها حيلة، ولعل عذره المقبول يجيء بالنظر أكثر إلى ظروف وظروف العصر الذي ظهر فيها·

والحقيقة أن أقدار الرجل جاءت به إلى الساحة العربية في آخر نهار عالمي وعند لحظة مغيب أزمنة - يطلع بعدها صباح اليوم التالي زمن جديد·

وفي الزمن الجديد اكتشف "معمر القذافي" غربته ووحدته سواء على المستوى القريب أو على مدد النظر:

* على المستوى القريب مثلا فإنه عندما وصل إلى ملتقى الطرق قام بنصب خيامه على موقع فكري معين وبجوار قبائل ظن أن قرابته بها شجرة نسب واحدة ـ لكنه في مطلع الزمن الجديد صحا ليكتشف أن القبائل الأخرى خلعت أوتارها وطوت خيامها ورحلت بجمالها وراء الأفق!

* وعلى المستوى الأبعد قليلا فقد اكتشف أن "الكنز" ( البترول) الذي يستطيع خدمة هدفه تغيرت قيمته ، بمعنى أنه في أزمنة ماضية كان الراغبون في "الكنز" يأتون إليه، وصاحب "الكنز" يتحكم في الراغبين كما يشاء - لكنه في الزمن الجديد أدرك المحتاج للنفط أنه ليس مطالبا بالذهاب للمنابع فهي كثيرة، وإنما المنابع هي التي أصبح عليها الآن أن تحمل بضائعها إلى الأسواق تعرضها عليه متنافسة في ذلك مع كثيرين يعرضون·

* وعلى المستوى البعيد - حتى وراء الأفق - فقد اكتشف أن القوى المسيطرة غيرت أساليبها فلم تعد تحتاج إلى قواعد تحتلها حتى تسعى للسيطرة، وإنما هي في الأزمنة الجديدة تمارس ارهابها من الجو والفضاء العالي حيث لا يطولها دفاع، فإذا عادتها سياسة أو أغضبها تصرف ففي يدها أن تعاقب وأن تظل تواصل العقاب بلا تضحيات عليها تقريبا حتى يتأتي لها الاخضاع·

* وفي المحصلة النهائية - اكتشف "القذافي" ودون أن يفصح صراحة عما اكتشف خلال حديثنا في قصر القبة - أن القوى الغالبية تستطيع الآن أن تشن الحرب على الدول الصغيرة - وحتى الدول المتوسطة - دون حاجة إلى ميادين قتال·

سلاح الإعلام من ناحية يقوم بتلوين الصورة أو تغطيتها بالتموية إلى درجة التغييب·

وفي الوقت نفسه سلاح المخابرات يستطيع أن يهز الحكومات إلى درجة الخلخلة أو التقويض·

وهكذا فإن وكالة "C.N.N الاخبارية" من ناحية، ووكالة "C.l.A الاستخبارية" من ناحية أخرى· وحتى بدون ترتيب وتنسيق بين الاثنتين، تستطيعان معا دفع حركة كماشة تطبق وتزنق·

وإذا حدث غير المتوقع واستطاعت حكومة من الحكومات أن تهرب من مطاردة الوكالتين - فإن أساطيل الطائرات وحاملات الصواريخ، على استعداد للعقاب دون حاجة إلى ميادين قتال تتجلى فيها "شجاعة الفرسان وقوة الإيمان والشهادة من أجل الأوطان"!!

وقد كان "معمر القذافي" أو من جرب ضربات الجو عقابا - وآخر من استطاع الإفلات من الحصار بمعجزة بعد سبع سنوات من القحط!

بقيت ملاحظة أخيرة وهي أنه مهما كانت ظروف "القذافي" أو ظروف العصر فإن الرجل بصرف النظر عن كل شيء وأي شيء - استطاع أن يظل على قيادة ليبيا منذ سبتمبر سنة 1969 وحتى الآن - قرابة ثلاثين سنة·

وعندما رأيته أول مرة فقد كانت خشيتي خصوصا بعد رحيل "عبد الناصر" أنه سنوات قليلة - اثنتان أو ثلاث على الأكثر - ثم تجرف العواصف الهوج خيامه من حيث نصبها وحده في وحشة الصحراء لكنها الآن ثلاثون سنة والرجل في موقعه - هزته العواصف صحيح ولكنها لم تقتلع مضاربه·

······

وعندما كنت عائدا من قصر القبة بعد ساعات طويلة معه، وحديث مستأنف بعد أكثر من ربع قرن - كان السؤال الذي ما زال يلح على هو:

- "كيف استطاع أن يبقى "حتى الآن" وظروفه ما أعرف، وظروف العصر ما عرف؟"

ولم أجد غير جواب واحد:

- "لابد أنه سمع أو قرأ أو تعلم أشياء كثيرة لا أعرف كيف ولا متى ولا أين وصلت إليه أو وصل إليها"·

وفي كل الأحوال ، فإن "معمر القذافي" - بدايته واستمراره وتعامله مع التاريخ - يظل ظاهرة تستدعى الدرس، وأظنها سوف توضع يوما في دليل "الخوارق" من ظواهر النصف الثاني من القرن العشرين!

 *عن مجلة الكتب وجهات نظر - العدد الرابع

__________

للعودة

طباعة  

محمد حسنين هيكل يكتب: (2-2)
حوارات مع القذافي عن الأفكار والأزمات والناس والزمن