رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18- 24 صفر 1420هـ - 2- 8 يونيو 1999
العدد 1379

أحمد النبهان بين التصوير والتصنيع

عبد الرحمن حلاق:

ليس جديدا إذا قلنا إن قراءة نص شعري معاصر يحتاج إلى نوع من النضال من أجل القبض على المضمر الذي يحتاج إعادة اكتشاف ومطاردة طويلة· وكنتيجة طبيعية لتطور اللغة كان لابد للصورة من أن تتشعب وتنداح على رقعة لغوية شديدة الاتساع ، ولأن حركة الشعر المعاصر ليست مجرد حركة تمرد على الفراهيدي فحسب بل هي حركة تطور شامل فرضته طبيعة الحياة الجديدة وفرضته عالمية الثقافة الإنسانية المعاصرة التي أنتجب آليات تفكير متقاربة أدت بالشاعر المعاصر "المغترّب والمغترب أصلا" أن يعيش خواء الواقع وهلاميته وأصبحت الوظيفة الأساسية للشعر تجسيد المتناقضات والمتعارضات·

ما أنقذ شاعرنا - لهذه الليلة - من هذه الحالة اتكاؤه في قصيدته الأولى - همت تقبله - على الأسطورة التي أعطت مفاهيمه وتصوراته بعدا شخصيا قادرا على سكب مياه الحياة في جوف مفرداته ليخرج إلينا بصورة أكثر شفافية وأقل ضبابية وهلامية·

القصيدة تنبئنا أننا نقف أمام شاعر يجيد لعبته· شاعر تراجع قليلا إلى الخلف ليبرز دور الأنثى المبادرة، فظل عشتار الساعية لإتمام دورة الخصوبة واضح ومنذ المفردة الأولى، عشتار الساعية دوما خلف عشاقها، همت تقبله - خطواتها فخ يحوم على قنيصته - أدخلته سريرتها أو سريرها - لتدور بهما الأرض بعد أن شعر الفراق عن الفراق ثم "تحط الأرض" تهدأ تاركة البذرة تصهل في تربتها لينفلت صبي يشبهها هي لأنها صاحبة المبادرة دائما ولتكتمل دائرة الخصوبة في القصيدة التي انتهت بمثل ما ابتدأت به - همت تقبله -··

وما بين البداية والنهاية ينحني الخط البياني في وسطه قليلا ليشير في جملتين في جملتين إلى تعثر في تصاعده الهارموني وذلك عبر توكيد تواجد النسيان المحروس أصلا بالغياب في نص يتطلب الحضور الكلي، أما المفردة الثانية التي أثقلت هذا التصاعد فكانت عبر حضور لفظ الناعي الذي لا أرى له قيمة في حضرة الخصب والولادة، خصوصا أن توظيفه للفظ لم يكن  في صالح الصورة الفنية للنص، هذه الانحناءة البيانية تظهر حال من التصنيع المعقلن لبعض الصور الجزئية يتبدى هذا التصنيع والنحت واضحا في القصيدة والتي حملت عنوان الناعي نفسه·

هذه القصيدة "الناعي" تجسد تماما وظيفة إظهار المتناقضات أو المتعارضات بعيدا عن أية قضية إنسانية عظيمة ومفردة الناعي مهما قدمت بانزياحات شعرية تبقى ذات دلالة واحدة فالناعي هو المعلِن عن نهاية حياة ما·

فهل يعلن نهاية الأمان الإنساني في حضرة وجود متناقض·· هل يعلن نهاية نفسه وهو الشباك بما فيه من انفتاح وهو الصد بما فيه من انغلاق وهو العاشق وهو الصعلوك المتهم في غيبة الجسد وحضور ابن آوى· هل يعلن نهاية ذاته وهو الأمد؟

ولايقتصر الأمر على تناقضات الواقع بل يتجاوز الأمر إلى تناقضاته الذاتية فالتي لجأ إليها تمنحه منفى هي نفسها تلك التي ألقته وليدا قبل أوان ولادته - أكانت امرأة أو وطنا - وذلك من خلال ما تنبئنا به لفظتا "أخصف - خديج"

من جهة ثانية يسعى هذا الناعي اللاجىء إلى النادبة يسعى إلى الصحراء يستمد منها عبر حبله السري ماء وزبدا دونما جدوى باحثا في ثنايا غيبة - الجسد عن وطن يكمل فيها ما ينقص الخديج من زمن لاكتمال الولادة·

وما بين "الناعي" و"همت تقبله" يتأرجح أحمد النبهان عبر مقاطع قصيرة جدا تعكس هذه من الإحساس بالخواء أحيانا وبالنحت اللغوي أحيانا أخرى وهذا يقودنا إلى تساؤل بسيط هل يريد أحمد النبهان أن يعكس خواء الواقع وتناقضاته عبر تناقضاته إلى وهذا بدوره يقودنا إلى سؤال قديم جديد

ما جدوى الكتابة؟ وما الغاية مما نكتب؟ ولمن نكتب؟

وهل يمكن لشاعر عظيم أن يولد من غير رحم قضية إنسانية عظيمة؟

طباعة  

"الملتقى الثقافي" ناقش قصائده في رابطة الأدباء
أحمد النبهان يلوّح بقافية الضوء وتفعيلات الألم في وجه واقع ملتبس

 
قراءة في "الأب مفتتح سيرة ذاتية للولد"
جماليات العنوان في البناء والسرد لدى أحمد النبهان

 
ضوء
 
وخزة
 
نافذة
 
أجراس