· القبض على عمر عبدالرحمن والضغوط على السودان أجبرت بن لادن والظواهري على العودة إلى أفغانستان ليرتميا في أحضان طالبان، في حين تكفل اتفاق "دايتون" بإخراج المجاهدين العرب من البوسنة والهرسك وبدأ تغيير الخريطة رغم الاحتجاجات المصرية·· فإن خريطة الحركات الإسلامية في الخارج ظلت بلا تغيير إلى أن جاء حادث السفارتين ليؤدي إلى تصدع قواعد الأصوليين وتسابق الدول في القبض عليهم وتسليمهم إلى مصر
· "أثبتت الأحداث عدم صحة ما توقعه البعض من أن مصر ستتحول إلى دولة أصولية تهز العالم على غرار ما حدث مع تفجر ثورة إيران"
· "عقب انتهاء الحرب الأفغانية، وجد "الأفغان العرب" أنفسهم أمام خيارين كلاهما مر: أن يقسموا أنفسهم بين فصائل المجاهدين فيتصارعون، أو أن يرحلوا تاركين الأرض الخصبة التي ترعرعوا فيها·· واختاروا الحل الثاني ونزحوا إلى بيشاور"
· "غالبية أعضاء "الجماعة" و"الجهاد" اضطروا لمغادرة السودان بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا·· لأنهم خشوا أن تتعرض الخرطوم لضغوط دولية أو أن تفكر في تسليمهم على غرار ما فعلته بالإرهابي الدولي كارلوس"
محمد صلاح**
فرضت "الحالة الإسلامية" نفسها على كتابات المفكرين والسياسيين الى درجة يصعب معها حصر الكتب والأبحاث والدراسات التي تناولت نشأة وتطور ونشاط الحركات الإسلامية التي توالدت وتكاثرت وانتشرت وتشعبت، وتخطت حاجز المحلية وصارت لها فروع ومحطات ومراكز في دول لم يكن يخطر على بال أحد في الماضي أن يكون للأصوليين الإسلاميين مواقع فيها·
ومنذ اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في شهر أكتوبر من عام 1981 زاد الاهتمام بأحوال الأصوليين وصراعهم مع السلطة، خصوصا بعدما كشفت أوراق قضية اغتياله أن خريطة توزيع عناصر تنظيمي "الجماعة الإسلامية" و"الجهاد" - اللذين التقيا عام 1980 في تحالف أسفر عن اغتيال رئيس مصر في ذلك الوقت - تفوق في مساحتها والمراكز المتناثرة على رقعتها داخل مصر تصورات خبراء الأمن وتوقعاتهم·
وإذا كان الخط البياني لنشاط الحركات الإسلامية الراديكالية شهد منذ عام 1992 صعودا بالغا وتكثيفا جعل من مرور أسبوع واحد دون وقوع حادثة من "الوزن الثقيل" أمرا نادرا·· فإن حالة الهدوء وانحسار عمليات العنف - منذ حادثة الأقصر الشهيرة التي وقعت في شهر نوفمبر عام 1997 وأسفرت عن مقتل 58 سائحا وأربعة مصريين إضافة الي منفذي العملية الستة فتحت مجالا آخرا للبحث والنقاش عن مستقبل تلك الحركات، خصوصا أن الشهور القليلة الماضية أثبتت أن المواقع المهمة في خريطة توزيع تلك الحركات شهدت تغييرات وتطورات كبيرة خارج البلاد·
وفي الغالب فإن كتابات المحللين والمفكرين الأجانب حول "الظاهرة الأصولية" لا تعكس فهما لحقيقة الأحداث وطبيعة الأمور· وبالتالي فهي تصل في معظم الأحيان الى افتراضات غير مقبولة ونتائج غير صحيحة· وفي كتاب "الأصولية الإسلامية في العصر الحديث" للكاتب الباكستاني دليب هيرو، بدا المؤلف متأثرا بوجهة النظر الغربية وطريقة التحليل التي تقوم على سرد وقائع عن نشأة الحركات الإسلامية في كل من مصر وسوريا وليبيا والمملكة العربية السعودية وأفغانستان والفوارق بينها على المستوى الفكري والحركي من منظور تاريخي اعتمد في غالبيته على معلومات منشورة في الصحف من دون الحصول على توثيق لها من الجهات المعنية بالأمر، أي قادة الأصوليين أنفسهم، إضافة الى الأجهزة الرسمية في الدول التي تناولها المؤلف، وبالنسبة لمصر فإن ذلك كان السبب في أن المؤلف وصل الى نتيجة أثبتت الأحداث أنها غير صحيحة حين حذر من أن "بزوغ مصر كدولة أصولية وهي دولة سنية لها أهيميتها الاستراتيجية في داخل الوطن الديني سيهز العالم الإسلامي وغير الإسلامي على نحو يشبه كثيرا ما حدث لدى تفجر الثورة الإيرانية عام 1979"·
خرج كتاب هيرو الى الضوء عام 1988 أي قبل سنوات الصراع العنيف بين الأصوليين والحكومة المصرية في التسعينيات، لكن ترجمته الى العربية ظهرت عام 1997 وعلى الرغم ذلك فإن نحو سنة ونصف سنة من الهدوء التام تقريبا نعمت به مصر أخيرا أثبت أن المؤلف بن توقعه على افتراض غير منطقي· وهو قد اكتفى بعرض تاريخي لنشاط جماعة "الإخوان المسلمين" والحركات الإسلامية الراديكالية التي تفرعت أو تولدت منها، وتلك التي نشأت عشوائيا من دون أن تمتد جذورها الى "الإخوان"· ومن دون أن يرصد خريطة توزيع تلك الحركات والأراضي الخصبة التي استغلها قادتها والتي أثبتت أحدث قضية نُظرت أمام القضاء العسكري المصري والتي عرفت باسم "العائدون من ألبانيا" أنها بدأت في الجفاف تحت أقدام الإسلاميين· وأن تبدل الظروف والأوضاع الدولية والإقليمية أطاح "بلوحة الموزاييك" التي رسمتها تلك الخريطة فبدأت في التشقق والانهيار·
وفي المقابل فإن الدراسة التي أعدها وكيل مؤسسي حزب الوسط المهندس أبو العلا ماضي وطرحها المركز الدولي للدراسات في كتيب صغير بعنوان "جماعات العنف المصرية المرتبطة بالإسلام·· الجذور التاريخية والأسس الفكرية والمستقبل" ركزت على "الأسباب الحقيقية لظاهرة العنف التي ازدادت في السنوات الأخيرة، مهددة الوطن في استقراره وتطوره ووحدته"· وحرص ماضي أن يذكّر القارئ بأن جزءا مهما من المعلومات الواردة في دراسته كان مصدرها هو نفسه لكونه أحد المشاركين في نشاط الحركة الإسلامية منذ السبعينيات في المرحلة الطلابية وسُجن إبان أحداث عام 1980، وظل على علاقات بكثير من الرموز المعاصرة لغالبية المحسوبين على الحركات الإسلامية بمختلف مسمياتها·
وعلى الرغم من عدم وجود خريطة محددة لانتشار "الجماعات الإسلامية الراديكالية" بحكم تحركها وامتدادها وتحالفاتها، فإن الصورة العامة لما يدور توحي بأمور مهمة للغاية، ليس فقط من زاوية معرفة المناطق التي تنتشر فيها "الجماعات الإسلامية"، لكن أيضا من زاوية معرفة أين تنتشر جماعات بذاتها، أو أفكار معينة، فخريطة انتشار الجماعات هي أحد المفاتيح الأساسية لفهم أسباب الظاهرة، وأساليب المواجهة·
فـ "الجماعة الإسلامية" يتركز وجودها الجغرافي داخل البلاد في محافظات الصعيد· وقد استطاعت تلك الجماعة في منتصف الثمانينيات أن تمد نفوذها الى القاهرة، وأن تعيد تنظيم كوادرها بصورة خلقت لها تمركزا في العاصمة، وبخاصة في الأحياء الشعبية مثل عين شمس، وإمبابة، والعمرانية، وشبرا· أما جماعة "الجهاد" التي تعتمد عادة على مجموعات سرية صغيرة، فإنها تتركز أساسا في القاهرة الكبرى ولا سيما في المناطق والأحياء العشوائية والفقيرة المحيطة بمناطق متحضرة مثل كرداسة وناهيا وأبو زعبل، وقد تمكنت "الجهاد" من الوصول الى بعض المحافظات في الوجه البحري أيضا·
وبالطبع، فبعيدا عن مناطق التمركز السابقة توجد مراكز مهمة لجماعات أخرى أو امتدادات "للجهاد" و"الجماعة الإسلامية" في بعض المحافظات مثل بني سويف، والفيوم، والاسكندرية، والبحيرة، وهي كلها أمور تتطلب تحليلا دقيقا لمسألة التوزيع الجغرافي، ولمعدل الانتشار في مدى معين أو قطاع معين، وغير ذلك وبالذات بالنسبة "للجماعة الإسلامية" إضافة الى ضرورة تحليل امتدادات تلك المجموعات في خارج البلاد·
ولا يمكن رصد خريطة توزيع الحركات الإسلامية الراديكالية المصرية، وكذلك تحديد فروعها ومحطاتها الموجودة خارج البلاد من دون التعرض الى الظروف التي نشأت في ظلها منذ منتصف الستينيات، إذ إن ظهور بعضها ارتبط بظروف سياسية ومكانية في آن واحد· وإذا كان نشاط تنظيم "الجماعة الإسلامية" في السبعينيات ارتبط بمناخ من الحرية منحه الرئيس الراحل أنور السادات للتيار الإسلامي، وخصوصا في الجامعات فإن الجماعة نفسها استغلت ذلك المناخ وأسست قواعدها في جامعة القاهرة· أما مركزها فظل دائما في محافظات الصعيد بصفة عامة ومحافظتي المنيا، وأسيوط بصفة خاصة· غير أن التنظيم الرئيسي الآخر المعروف في مصر وهو جماعة "الجهاد" الذي يقوده حاليا الدكتور أيمن الظواهري الذي يعيش حاليا في أفغانستان فيمكن اعتباره بوتقة انصهرت داخلها جماعات وتنظيمات "جهادية" أخرى نشأ بعضها عشوائيا في بعض مناطق القاهرة ومحافظات الوجه البحري وكان بعضها الآخر امتدادا لتنظيمات أخرى ظللت تتعرض لضربات أمنية إجهاضية منذ تأسيسها في الستينيات·
واللافت أن اسم "الجماعة الإسلامية" ظهر في السبعينيات عنوانا للتيار الإسلامي غير المنضم في تنظيم، والمستقل عن كل التنظيمات وكان اسمها "الجماعة الدينية" كجماعة نشاط في كليات الجامعات· ثم غيّر الشباب المتدين من أعضاء الجماعة في ذلك الوقت الاسم الى "الجماعة الإسلامية"، وكان من رموز هؤلاء الشباب بالجامعات المصرية كل من عبدالمنعم أبو الفتوح وعصام العريان (جامعة القاهرة)، وابراهيم الزعفراني وخالد داوود (جامعة الاسكندرية)، والسيد عبدالستار وأحمد الدغيدي (جامعة عين شمس)، وخيرت الشاطر (جامعة المنصورة)، وأسامة عبدالعظيم وعبدالله سعد (جامعة الأزهر)، وأنور شحاتة (جامعة طنطا)، ومحيي الدين عيسى (جامعة المنيا)، وأسامة حافظ وصلاح هاشم (جامعة أسيوط)· لكن تيارا بدأ ينمو في جامعات الصعيد، وخصوصا في المنيا وأسيوط يدعو الى التغيير بالقوة، ولكنه كان محاصرا بالغالبية التي ترفض ذلك الى أن ارتبط عدد من رموز الجماعة في عام 1979 بالإخوان المسلمين فرد عليهم قادة الجماعة في الصعيد بإنشاء تنظيم خاص يدعو الى التغيير بالقوة، وتزعم هذه الخطوة كرم زهدي ومعه ناجح ابراهيم وعاصم عبدالماجد وأسامة حافظ وعاصم دربالة وفؤاد الدواليبي وطلعت فؤاد قاسم وحمدي عبدالرحمن وآخرون·
وليس سرا أن أفكار ومبادئ سيد قطب التي تبلورت في كتاب "معالم في الطريق" الذي أنجزه عام 1957 تعد أحد المرتكزات الأساسية للأسس التي قامت عليها كل الحركات الإسلامية الراديكالية في وقت لاحق، ورغم إعدام قطب في منتصف الستينيات، إلا أن كتابه ظل مرجعا للإسلاميين الراديكاليين الذين يرفعون راية الجهاد ويكفرون السلطة والحاكم·
وفي الوقت الذي كان فيه "شباب الإخوان" داخل السجون يلتفون حول مرشدهم حسن الهضيبي للتصدي "للمتطرفين الجدد" الذين يطالبون بحمل السلاح ومقاومة السلطة تسلل كتاب قطب الى خارج السجن ليكون سببا في تكوين أول فصيل "جهادي" في القاهرة يتزعمه اسماعيل طنطاوي وضم أيضا كلا من نبيل البرعي ويحيى هاشم ومحمد عبدالعزيز الشرقاوي وعلاء مصطفى وأيمن الظواهري الذي كان صغير السن· وفي وقت لاحق خرج أحد أفراد الإخوان وكون لنفسه "تنظيما جهاديا" آخر ذا نزعة تكفيرية ذاع صيته فيما بعد· إذ أنشأ إسماعيل وهو شقيق عبدالفتاح اسماعيل الذي أعدم مع سيد قطب "جماعة المسلمين" - التي عرفت إعلاميا باسم "التكفير والهجرة" - وتمكن إسماعيل من ضم نحو 15 شخصا من شباب الإخوان غالبيتم من القاهرة والمنيا وأسيوط كان بينهم شكري مصطفى الذي تزعم الجماعة في فترة تالية· وقام منهج الجماعة على تكفير المجتمع كله حكاما ومحكومين، كما رأت أن إقامة "المجتمع الإسلامي" تتم على مرحلتين، الأولى: تقوم على الهجرة الى مكان بعيد لإقامة "المجتمع الطاهر"· والثانية: وهي مرحلة التمكين وتقوم على العودة ومحاربة حكام في البلاد لإقامة الدولة الإسلامية، غير أن زعيم الجماعة ما لبث أن انقلب عليها عام 1969، وأعلن عودته الى الجماعة الأم "الإخوان المسلمين" وعلى الفور تولى شكري مصطفى الزعامة، وكان قد دخل السجن بعد ضبطه أثناء قيامه بتوزيع منشورات مناهضة داخل الجامعة· وعندما خرج مصطفى عام 1971، اتبعه عشرات من الأشخاص قاطعوا العمل في الحكومة أو الدراسة في الجامعة· وبمرور الوقت ارتفع عدد أعضاء الجماعة· وردا على قيام الشرطة بالقبض على 14 من أعضاء الجماعة أقدم شكري وبعض من أتباعه يوم 3 يوليو عام 1977 على اختطاف الشيخ حسين الذهبي، وقدموا مطالب الى الحكومة شملت الإفراج عن المعتقلين ودفع فدية مالية مقابل إطلاق الذهبي وجاء الرفض الحكومي متوقعا، فقامت الجماعة بقتل الشيخ الذهبي يوم 7 يوليو ولم تمر سوى أسابيع قليلة، إلا وكان شكري مصطفى وأربعة من زملائه معلقين على حبال المشانق كما حكم على باقي أفراد الجماعة بالسجن لمدد متفاوتة·
ولم تتوقف "عناقيد" التنظيمات الدينية عند هذا الحد، ففي الوقت الذي كانت جماعة "التكفير والهجرة" تتبلور في بداية السبعينيات ظهر المواطن الأردني صالح سرية الذي فر من الأردن الى العراق ومنها الى مصر عقب أحداث أيلول الأسود (سبتمبر 1970) وكون تنظيما "جهاديا" آخر كان من أبرز أعضائه حسن الهلاوي وكارم الأناضولي· وحاول التنظيم عام 1973 احتلال مقر الكلية الفنية العسكرية بهدف الحصول على السلاح الموجود داخلها واستغلاله في الهجوم على مقر اللجنة المركزية حيث كان السادات يعقد اجتماعا مع قادة الدولة، ثم التوجه الى مقر الإذاعة والتليفزيون لإعلان قيام الدولة الإسلامية، وفقا لما كانت تقتضيه الخطة، لكن المحاولة فشلت وألقي القبض على أعضاء التنظيم وأعدم سرية عام 1975 وحكم على باقي الأعضاء بالسجن·
ويصعب حصر المجموعات "الجهادية" التي تكونت لاحقا، فإلى جانب تنظيم يحيى هاشم وإسماعيل طنطاوي وأيمن الظواهري ظهرت تنظيمات أخرى، لعل أهمها التنظيم الذي تزعمه المهندس محمد عبدالسلام فرج صاحب كتاب "الفريضة الغائبة" الذي انتقد فيه بشدة معظم المجموعات الدينية الأخرى لكونها "تغيب فريضة الجهاد عن مبادئها"· وفي مسجد الفتح بحي ""إمبابة" التقى فرج وكل من عبود الزمر وطارق الزمر ونبيل المغربي الذين كانوا نواة لأشهر تنظيم حمل اسم "الجهاد"· وطاف فرج بمحافظات الوجه البحري ومناطق القاهرة والتقى مع قادة "الجماعات الجهادية" الصغيرة التي نشأت فيها وتمكن من توحيدها تحت لافتة "تنظيم الجهاد"·
وعلى الجانب الآخر كان تنظيم "الجماعة الإسلامية" ينتشر في هدوء بين أوساط الطلاب في الجماعات المصرية، وخصوصا في محافظات الصعيد· ويرجح أن التنظيم نشأ أساسا في محافظة المنيا على يدي أسامة حافظ، ثم انتشر في المحافظات الأخرى· وفي الصعيد انضم الى التنظيم كل من طلعت فؤاد قاسم وكرم زهدي وعاصم عبدالماجد وناجح ابراهيم وعصام دربالة، وانتهى لقاء جمع بين فرج وزهدي في بداية عام 1981 الى اتفاق تم بمقتضاه اندماج "تنظيم الجهاد" مع "الجماعة الإسلامية" في تنظيم واحد· واختير الدكتور عمر عبدالرحمن أميرا للتنظيم الجديد وانتقل "مجلس شورى التنظيم" الى الفيوم ليبايع عبدالرحمن، ولم يمض سوى أشهر قليلة حتى وقعت أشهر حادثة اغتيال في تاريخ مصر حين نفذ التنظيم عملية المنصة التي اغتيل فيها أنور السادات· وداخل السجن ثارت خلافات شديدة بين أقطاب "الجهاد" وأقطاب "الجماعة الإسلامية" حول عدة أمور، إذ رأى فريق أن عملية اغتيال السادات لم تحقق الهدف منها وأوقعت كل أعضاء التنظيمين "المتحالفين" في قبضة الشرطة وتسببت في ضرب كل الجماعات الموجودة على الساحة· كما اعترض فريق على الأحداث التي جرت في أسيوط في اليوم التالي لاغتيال السادات وهي الأحداث التي أسفرت عن مقتل أكثر من مائة ضابط وشرطي إضافة الى قتلى "الجماعة الإسلامية" هناك، ولكن الخلاف الأشد كان حول مسألة "الإمارة" على الجماعة إذ رفض عبود الزمر وعصام القمري وأيمن الظواهري بشدة مسألة استمرار عبدالرحمن في موقع القيادة لكونه "ضريرا" في حين عارض المنتمون أساسا إلى "الجماعة الإسلامية" تولى عبود الزمر، إمارة الجماعة لكونه "أسيرا" بعد صدور أحكام ضده يبلغ مجموعها 40 عاما بالسجن، وانتهى الأمر بانفصال التنظيمين وفض التحالف·
وبعد إعدام محمد عبدالسلام فرج وأربعة آخرين من أعضاء "الجهاد" خرج عدد من قادة التنظيمين بعد أن برأتهم المحكمة وبدأ كل فريق في التخطيط للخطوات المستقبلية، وطرحت "الجماعة الإسلامية" منهاج العمل الإسلامي الذي اعتبر دستور الجماعة ومنهاجها، وقام بإعداده داخل السجن ثلاثة من قادتها هم ناجح إبراهيم وعاصم عبدالماجد وعصام دربالة· أما "تنظيم الجهاد" فطرح المنهج الحركي لجماعة الجهاد الذي أعده عبود الزمر وشارك في إعداده الفلسطيني عصام مطير الذي تولى بعد خروجه من السجن مع مجدي سالم مهمة متابعة نشاط أعضاء التنظيم، وفي الوقت نفسه كان أيمن الظواهري يحاول جمع شتات مجموعته بالتنسيق مع سالم ومطير، واتخذ أقطاب "الجهاد" من مسجد النور في العباسية مركزاً لنشاطهم، وبعد أشهر كان للتنظيم وجود ملموس في كرداسة وبولاق الدكرور وبعض محافظات الوجه البحري، وخصوصاً في المنوفية والشرقية·
وعلى الطرف الآخر حاولت "الجماعة الإسلامية" مد نشاطها ليشمل الوجه البحري والقاهرة، ودفعت بمحمد شوقي الإسلامبولي للإقامة في حي عين شمس، حيث اتخذ من مسجد آدم مقرا لنشاطه، ونجح في ضم عناصر جديدة لعضوية الجماعة وتجول ما بين أحياء ومناطق القاهرة وتمكن من خلق بؤر لـ "الجماعة الإسلامية" في إمبابة والزاوية الحمراء وحلوان·
ثم تأثر نشاط جماعة "الجهاد" بشدة بسفر أيمن الظواهري ومجدي سالم وعادل السيد عبدالقدوس وأحمد سلامة مبروك إلى بيشاور في باكستان وترحيل عصام مطير إلى الخارج· وفي بداية عام 1990 حدث دمج كامل بين مجموعة أيمن الظواهري، ومجموعة عبود الزمر واتفق على أن يكون الأول أميرا للجماعة على أن يكون الثاني زعيمها الروحي، لكن الزمر عاد وانضم إلى "الجماعة الإسلامية" وتخلى عن دوره الروحي في جماعة "الجهاد"·
وحتى عام 1990 لم يكن لأعضاء الأجنحة العسكرية للجماعات الدينية المحظورة نشاط مؤثر باستثناء بعض حوادث نفذها أعضاء في تنظيم "الجهاد" وأحرقوا فيها بعض المسارح عام 1986، إضافة لمحاولات اغتيال كل من وزيري الداخلية السابقين نبوي إسماعيل وحسن أبوباشا والصحفي مكرم محمد أحمد رئيس تحرير المصور التي نفذت بواسطة عناصر تنتمي إلى تنظيم "الناجون من النار" الذي كانت أفكاره تشبه أفكار ومبادئ جماعة "التكفير والهجرة"، لكن نشاط تلك الجماعات شهد تحولاً كبيراً نحو التصعيد الخطير قبل نهاية عام 1990 على أثر مقتل المتحدث باسم تنظيم "الجماعة الإسلامية" الدكتور علاء محيي الدين حينما أطلق مجهولون عليه النار أثناء سيره في أحد شوارع منطقة الطالبية في حي الهرم، واتهمت الجماعة أجهزة الأمن بتنفيذ الحادث وقررت تنفيذ عملية انتقامية تستهدف وزير الداخلية آنذاك اللواء عبدالحليم موسى، وكمن عدد من عناصرها لموكبه في حي جاردن سيتي أمام فندق سميراميس في أكتوبر من العام نفسه إلا أنهم أخطأوا الموكب وهاجموا بدلاً منه موكب الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب وقتلوه·
وبعد الحادث بدت في الأفق بوادر صدام متصاعد بين الشرطة و"الجماعات" ووقعت معارك متفرقة بين الطرفين في محافظات عدة من بينها الصدام الشهير بين جماعة الشوقيين في الفيوم وبني سويف، وبين قوات الأمن هناك· وفي عام 1992 بدأت دائرة العنف تتسع وتفجر الموقف في مدن الصعيد بعد أن حدثت الشرارة الأولى في قرية صنبو التابعة لمدينة ديروط في محافظة أسيوط حينما قتل أعضاء في "الجماعة الإسلامية" 13 مسيحياً وبعدها سرت نار العنف وانتشرت بين محافظات الصعيد، ونفذت سلسلة عمليات لاغتيال الضباط والجنود في الشوارع، وردت الشرطة بشن حملات مكثفة على الأوكار التي أوى إليها أعضاء الجناح العسكري لتنظيم "الجماعة الإسلامية" في مدن الصعيد، وأصبح من النادر أن يمر يوم من دون أن نسمع عن حادثة راح ضحيتها ضابط أو شرطي أو أكثر أو عدد من أعضاء الجماعات الدينية·
غير أن المواجهات دخلت منعطفاً خطيراً حينما انتقل نشاط الجماعات الدينية إلى القاهرة ووقعت حوادث التفجيرات الشهيرة، وحادثة اغتيال الكاتب فرج فودة، واغتيالات لعدد من كبار ضباط الشرطة، وضرب السياحة، ومحاولة اغتيال السيد صفوت الشريف وزير الإعلام ومن بعده الكاتب الكبير نجيب محفوظ· وكانت الملاحظة الرئيسة هي أن كل تلك العمليات نفذها أعضاء في "الجماعة الإسلامية" مما طرح تساؤلات حول أسباب اختفاء جماعة "الجهاد" حتى وقعت محاولتا اغتيال كل من وزير الداخلية اللواء حسن الألفي ورئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقي في النصف الثاني من عام 1993·
وقبل ذلك التاريخ وتحديداً في يناير من العام نفسه كانت أجهزة الأمن قد ألقت القبض على 800 من أعضاء الجهاد في القاهرة والوجه البحري قسموا إلى مجموعتين· قدمت الأولى إلى القضاء العسكري في أربع قضايا حملت اسم "طلائع الفتح" وصدرت قرارات باعتقال الباقين· وكانت هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها علانية، ولم تستمر التساؤلات كثيراً حول هوية المنتمين إلى التنظيم، وما إذا كانوا يتبعون "الجماعة الإسلامية" أم أنهم جزء من "جماعة الجهاد" التي يقودها الظواهري، فقد بدأ وقتها الحديث عن خريطة توزيع قادة وعناصر الأصوليين في الخارج خصوصاً بعدما أعلن الضابط السابق محمد مكاوي من مقر إقامته في بيشاور أن التنظيم يتبعه، لكن المتهمين في قضايا "طلائع الفتح" الأربع رددوا خلال جلسات المحاكمة هتافات باسم الظواهري وأنكروا أن يكونوا ضمن "الجماعة الإسلامية" أو من أتباع مكاوي الذي عاد وأدلى بحوارات صحفية أكد فيها أن تنظيم "طلائع الفتح لا علاقة له بالظواهري، ودلل على ذلك بأن نزيه نصحي وضياء عبدالحافظ اللذين نفذا محاولة اغتيال اللواء حسن الألفي وزير الداخلية وقتلا أثناء العملية هما من فصيل "جند الله" الذي يتبعه ولا علاقة لهما بالظواهري، إلا أن "المكتب الإعلامي لجماعة الجهاد" وزع شريط كاسيت يحوي وصية ضياء عبدالحافظ وذكر أنه سجلها قبل تنفيذ العملية وأعلن فيها أنه ضمن العاملين في جماعة "الجهاد"·
هكذا طرحت قضية "الأفغان العرب" نفسها على الساحة وخلال فترة الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفييتي (1989 - 1979) استقطبت أفغانستان ومدينة بيشاور الباكستانية أعداداً كبيرة من الإسلاميين غالبتيهم من المصريين، وهناك تشكلت من جديد قواعد وأسس تنظيمي "الجماعة الإسلامية" وجماعة "الجهاد"، وفي فترة لاحقة ظهر تنظيم آخر هو "حركة الجهاد ــــ طلائع الفتح الإسلامي"·
ووفقا لأقوال الأصوليين أنفسهم، فإن الوجود المكثف لـ "الجماعة الإسلامية" في بيشاور ثم أفغانستان بدأ عام 1987 مع وصول ثلاثة من قادة التنظيم، هم محمد شوقي الإسلامبولي وعلي عبدالفتاح ورفاعى طه· وفي العام التالي زارهم الزعيم الروحي للجماعة ومفتيها الأول الدكتور عمر عبدالرحمن، وأصدر التنظيم نشرة "المرابطون" الشهرية التي صدر العدد الأول منها في (مايو) 1990، وغلب على أعدادها الأولى الطابع الفكري التأصيلي بعيداً عن التحليلات والتقارير الصحافية التي حفلت بها صفحتها في مراحل تالية، وتولى رئاسة تحرير النشرة طلعت فؤاد قاسم الذي عرف فيما بعد باسم "أبوطلال القاسمي" (في الوقت الحالي تبث المرابطون عبر الإنترنت بعد توقف توزيعها مطبوعة)·
ومع وصول الشيخ عبدالرحمن ثانية في يونيو 1990 إلى بيشاور أجرت "المرابطون" مقابلة معه تحدث فيها عن ظروف سجنه داخل مصر، وفي تلك الفترة اقتصر نشاط "الجماعة" على سياسة التجميع، وكان العمل الجبهوى أقرب إلى العمل الحزب النخبوي ربما بسبب قيادتها "الصعيدية" باعتبار أن أبناء الصعيد يتميزون بالانفتاح والشعبية، فأنشأت دار ضيافة في بيشاور لاستقبال العناصر الوافدة من مصر· وبدأت أواخر 1990 تدريب عناصرها في مخيمات خاصة داخل الأراضي الأفغانية· وأشرف عليها شاب مصري يدعى صهيب قتل بعد ذلك في معارك جرت في منطقة بغان داخل الأراضي الأفغانية عام 1991 ضد القوات السوفييتية·
ونشطت "الجماعة" في المجال الإعلامي والدعائي بإصدار سلسلة من أشرطة الكاسيت والفيديو (فيلم الإسلامبولي والبوسنة والهرسك، وثورة الجزائر الثانية)، وعقب فوز "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر في الانتخابات البلدية عام 1990 زار وفد من مسؤولي "الجماعة" الجزائر لتهنئة الجبهة بفوزها في الانتخابات·
ومع بداية تفجر الصراع بين عناصر الجماعة في الصعيد والشرطة، حرص قادة التنظيم الموجودون في أفغانستان على تنشيط قنوات الاتصال مع عناصر الأجنحة العكسرية داخل مصر، وبدأ التنسيق واضحاً من خلال بيانات أصدرتها الجماعة من داخل الأراضي الأفغانية تتحدث عن نشاط عناصر الداخل·
أما "جماعة الجهاد" فإن نشاطها على الأراضي الأفغانية كان أكثر كثافة، وربما كان خروج الظواهري مبكراً من مصر عام 1985 ووصوله إلى مدينة بيشاور التي اتخذها مركزاً لنشاطه سببا في ذلك، كما أن العلاقة بين الظواهري وأسامة بن لادن ربطت مصير الاثنين، وفتحت مجالات أوسع أمام عناصر الجهاد للعمل على الأرضي الأفغانية· ووفقاً لاعترافات المتهمين في قضايا العنف الديني ممن حوكموا أمام محاكم مدنية وعسكرية مصرية، فإن عدد المعسكرات التابعة لـ "جماعة الجهاد" في بيشاور وأفغانستان فاق بكثير تلك التي كانت تتبع "الجماعة الإسلامية"·
وفي حين نجت "الجماعة الإسلامية" من خطر الصراعات الداخلية على الأراضي الأفغانية، فإن الظواهري دخل في صدامات مع عدد ممن عملوا فترة تحت قيادته كان على رأسهم محمد مكاوي، وأحمد حسين عجيزة اللذان اعترضا علنا على الأسلوب الذي يدير به الظواهري التنظيم، غير أن الأخير حرص على أن يبدو أمام أنصاره بأنه يترفع عن المناصب فتنازل عن "إمارة" الجماعة إلي الدكتور سيد إمام المعروف باسم "الدكتور فضل" وهو طبيب جراح من بني سويف، غير أنه عاد وأطاح بإمام في فترة لاحقة ونصب نفسه أميراً عاماً لـ "جماعة الجهاد"، وبايعه في اجتماع كبير عقد في مدينة بيشاور عشرات من المصريين، وتوارى مكاوى واختفى عن الأنظار، أما عجيزة فتمكن من ضم عدد من العناصر التي كانت وصلت حديثاً إلى أفغانستان وأسس بنفسه تنظيماً أطلق عليه اسم "حركة الجهاد - طلائع الفتح الإسلامي"·
وتفجر الخلاف بين الظواهري وعجيزة مرة أخرى بعد وقوع محاولة اغتيال رئيس الوزراء السابق الدكتور عاطف صدقي ووزير الداخلية السابق السيد حسن الألفي عام 1993، حيث تنازع الاثنان المسؤولية عن العملية، وحسمت أجهزة الأمن والنيابة والمحكمة العكسرية الأمر بأن أعلنت أن المتهمين في القضية يدينون بالولاء إلى الظواهري·
وانتهت الحرب الأفغانية وانقلب قادة المجاهدين على بعضهم البعض، ووجد "الأفغان العرب" أنفسهم بين خيارين كلاهما مر، الأول: أن يقسموا أنفسهم بين فصائل المجاهدين الأفغان فيتقاتلون ويتصارعون ويصوبون فوهات مدافعهم وبنادقهم إلى بعضهم البعض، أو أن يرحلوا تاركين تلك الأراضي الخصبة التي زرعوا فيها وترعرعوا في صحرائها وبين دروب جبالها· فاختاروا الحل الثاني ورحلوا واتخذوا من مدينة بيشاور مأوى لهم، غير أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، لأن الحكومة الباكستانية شعرت بقلق بالغ من وجود هؤلاء على أراضيها، وخصوصاً بعد ما ارتفعت أصوات المسؤولين في عدة دول على رأسها مصر تحذر من تحول بيشاور إلى مركز لإدارة الإرهاب، وأصبح من المحتم أن يجري قادة "الجماعة الإسلامية" و"جماعة الجهاد" تغييرات كبيرة على خريطة توزيع عناصر التنظيمين خارج مصر·
وعندما بدأت عملية الخروج من أفغانستان، لعب القيادي الإرهابي أسامة بن لادن دوراً مهما في تأمين رحيل مجموعات من الأفغان العرب إلى دول أخرى، مستغلاً صلاته وعلاقاته وأمواله ونفوذه في تلك الدول، كما تم توظيف مجموعات من الإسلاميين في شركات يملكها هو في بعض الدول الآسيوية والأفريقية· ولذلك لم يكن غريباً أن تحصل أجهزة الأمن المصرية على معلومات عن وجود أفغان مصريين في دول مثل أندونيسيا والفلبين وتايلاند· وتؤكد اعترافات الإسلاميين المصريين أن اليمن مثل ملاذاً لكثير من "الأفغان المصريين" بعد خروجهم من أفغانستان وباكستان، وتشير أيضاً إلى أن أعضاء في تنظيم "الجهاد الإسلامي اليمني" استقطبوا مجموعات من المصريين ووضعوهم تحت حماية القبائل قبلوا حمايتهم مقابل التعهد بعدم التورط في أي أعمال ضد الحكومة المصرية حتى لا يضطروا إلى الدخول في مواجهة مع الحكومة اليمنية· غير أن النشاط التنظيمي للإسلاميين المصريين في اليمن أو غيرها من الدول الأخرى لم يكن ليتم علانية، كما أن التدريب على استخدام السلاح والمتفجرات كان يتم في مناطق نائية بعيدة عن العمران· أما السعودية التي كانت المحطة الرئيسة التي اتجه إليها الأفغان المصريون قبل انتقالهم إلى أفغانستان في الثمانينيات، فإنها قامت بتسليم مصر عدد منهم وكذلك ممن عادوا إليها بعد خروجهم من هناك أو حتي العناصر التي خرجت من مصر في التسعينيات واتجهت إلى السعودية تفادياً لحملات الشرطة المصرية ضدهم، ولعل ذلك يكشف سبب الهجوم المستمر من جانب الجماعات الإسلامية المصرية ضد المملكة·
وخلال لقاء معه في صيف 1993، سألت الناطق السابق بلسان "الجماعة الإسلامية" طلعت فؤاد قاسم عن المحطات والأماكن الموجود فيها عناصر التنظيم بعد خروجهم من بيشاور، وكان رده: "إن الحكومة المصرية ضيقت على الإخوة في المنيا وأسيوط تضييقاً شديداً ودفعتهم إلى الارتحال إلى القاهرة والإسكندرية والمحافظات الأخرى، فقد كان نشاطنا في وقت من الأوقات محصوراً في محافظتي المنيا وأسيوط، ولكنهم ضيقوا على الشباب الذي اتجه لينشر الدعوة في القاهرة والإسكندرية وانضم إليهم الكثيرون بعد ذلك، ثم ضيقوا عليهم في باقي المحافظات واضطروهم إلى أن يرحلوا إلى خارج البلاد، فذهبوا إلى أفغانستان وباكستان وهناك وجدوا فتحا من الله تعالى على كل المستويات، والآن يضيقون عليهم، فبدأوا في الرحيل إلى بلاد أخرى، وأؤكد أن الحكومة المصرية ستعاني معاناة شديدة، وأرى أن الحكومة تتمنى عودتهم إلى المنيا وأسيوط وتتمنى لو كانت تركتهم داخل البلاد"·
ويعكس حديث قاس اتساع الرقعة التي انتشر فيها الأصوليون المصريون بعدما اضطروا إلى مغادرة أفغانستان وبيشاور، ونجح عدد غير قليل منهم في تأمين أوضاعه في دول أوروبية متحصنين بحق اللجوء السياسي الذي حصلوا عليه هناك، في حين هام معظمهم على وجهه في دول أخرى غير أنهم كانوا دائما يبحثون عن دول تعاني قلاقل واضطرابات داخلية حتى يتمكنوا من استغلال أوضاعها الداخلية، وثغرات الضوابط الأمنية في النفاذ إليها والإقامة فيها وفي الوقت نفسه تمكن بعض منهم من الوصول إلى دول تتعاطف مع قضيتهم أو تقاتل من أجل الاستقلال والحرية، وبمرور الوقت تواجد أعداد من المصريين في البوسنة والشيشان والصومال، إضافة بالطبع إلى السودان واليمن، غير أن الجهود المصرية لإقناع تلك الدول بتخليها عن احتضان الأصوليين المصريين وتسليم المطلوبين منهم تمهيدا لمحاكمتهم ظلت دائما تثير مخاوف لدى الإسلاميين أنفسهم، إلا أن المقيمين من المستحيل "أن تخضع الحكومات الأوروبية للطلبات والضغوط بتسليم المطلوبين من القيادات الإسلامية المقيمة في أوروبا، وأنه لا يتصور أن يقدم الأوروبيون على مثل هذه الخطوة مع حرصهم على الإبقاء على قدر من المصداقية، لما يرفعونه من شعارات الحرية وحقوق الإنسان، على حد ما كانت تردده نشرة الاعتصام الصادرة في لندن"·
واللافت أن قاسم نفسه اختفى في 6 أغسطس 1995 أثناء وجوده في كرواتيا والتي وصل إليها قادما من الدانمارك، حيث كان يعيش لاجئا سياسيا، وذكر زملاؤه أنه اعتقل بواسطة الشرطة الكرواتية، وهو في طريقه إلى البوسنة وأنه سلم إلى عناصر تابعة للمخابرات الأمريكية التي سلمته إلى مصر، لكن كرواتيا نفت بينما لم تعلق مصر أو الولايات المتحدة على الأمر·
ولان الهاجس الأمني لدى عناصر الإسلاميين الراديكاليين في الخارج عميق ويؤرقهم للغاية، فإن الحصول على معلومات عن خريطة توزيعهم يظل أمرا بالغ الصعوبة، وهم حريصون على عدم تداول المعلومات حول أماكنهم إلا بالقدر الذي يخدم قضيتهم، ويكفي هنا أن نتذكر الحيلة التي لجأ إليها زعيم "جماعة الجهاد" الدكتور أيمن الظواهري عام 1993 عندما زعم أنه موجود في سويسرا، وحصل على حق اللجوء السياسي هناك في الوقت الذي كان يستعد فيه للرحيل من بيشاور إلى السودان لكي نفهم إلى أي مدى وصل حرصهم خصوصا القيادات منهم على تكتم المعلومات عن أماكنهم ويصل الأمر إلى حد اعتبار قيام أي منهم بإفشاء مثل تلك الأسرار "خيانة" تستوجب العقاب، ولذلك فإنه على الرغم من الخلافات التي قد تظهر بينهم من وقت لآخر فإن مسألة قيام أحدهم بالكشف عن المكان الذي يوجد فيه الآخرون غير واردة·
وتشير المعلومات إلى أن غالبية أعضاء "الجماعة الإسلامية" و"جماعة الجهاد" ممن أقاموا لفترة في السودان غادروه بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا في 1996 بعد أن صدرت لهم أوامر من قادتهم بالرحيل خشية خضوع الحكومة السودانية للضغوط الدولية، أو أن تفكر في تكرار عملية الإرهابي الدولي كارلوس، سعيا منها إلى الحصول على أي مكاسب ، وتذكر التقارير أن من خرجوا من السودان إما حاولوا العودة إلى مصر عن طريق الدروب الصحراوية فتم القبض علىهم، أو اتجهوا إلى ليبيا واحتموا بعناصر من "الأفغان الليبيين" الذين نشأت بينهم وبين الإسلاميين المصريين علاقات وطيدة أثناء وجود الجميع في أفغانستان وباكستان، كما أن آخرين توزعوا على دول أفريقية تعاني قلاقل وأصبحوا عناصر غير فاعلة على المستوى التنظيمي بعد أن انشغلوا بتدبير أحوالهم وتأمين أنفسهم·
المهم في الأمر أن إقامة هؤلاء في الدول الموجودين فيها غير شرعية ولذلك فإنهم عادة ما ينتقلون من مكان إلى آخر ومن بلد إلى آخر ويختلف الأمر في حالة الذين تمكنوا من الحصول على حق اللجوء السياسي أو إقامة دائمة في دول أوروبية· وهم الآن العناصر الفاعلة في الجماعات الإسلامية الراديكالية المصرية في الخارج وخصوصا على صعيد النشاط الإعلامي العلني، وكل هؤلاء استغلوا قضية حقوق الإنسان في مصر لصالحهم وحصلوا على محامين إسلاميين داخل مصر على ملفات القضايا التي اتهموا فيها، وكذلك قرارات الاعتقال الصادرة في حقهم، وقدموا كل ذلك إلى سلطات الدول الأوروبية التي تمكنوا من دخولها، وأيضا إلى جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان وساروا في طريق انتهى بحصولهم على اللجوء السياسي·
وعندما جرت عمليتا تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام اللتان وقعتا في وقت متزامن في أغسطس الماضي وأصبح واضحا أن أفريقيا احتضنت عددا من العناصر التي تنتمي للجماعات الإسلامية الراديكالية المصرية، كما أن بعضهم شارك في القتال إلى جانب قوات عيديد ضد القوات الأميركية قبل خروجها من الصومال، بينما اتجه آخرون من "الجماعة الإسلامية"، "جماعة الجهاد" إلى كينيا وبوروندي والكونغو وتشاد وأوغندا ونيجيريا· وفي السياق نفسه كان "المرصد الإعلامي الإسلامي" قد أصدر في 1996 بيانا نعي فيه إلى جموع المسلمين قيادي بارز لقب بـ "قائد الأفغان العرب" وهو علي الرشيدي الذي عرف في أوساط الإسلاميين المصريين باسم "أبو عبيدة البنشيري" ولم يذكر "المرصد" في بيانه المكان الذي مات في البنشيري، غير أنه أشار إلى أنه مات غرقا وكان البنشيري واحدا من أبرز الأفغان العرب، واضطلع بمهمة تدريب أعداد كبيرة منهم لدى وصولهم إلى أفغانستان كما حرص على ألا يعمل ضمن تنظيم بعينه وكان على صلات بمختلف الجماعات المصرية، وكشفت صحيفة "الحياة" الدولية - في عددها يوم 10 يونيو 1996 - عن الظروف التي مات فيها البنشيري حيث كان يستقل إحدى السفن في دولة أفريقية وأن السفينة غرقت قرب إحدى البحيرات الأفريقية·
غير أن مجموعة من العوامل والظروف الدولية دفعت الأصوليين إلى إجراء تغييرات في "الخريطة" دون المساس بالشكل العام "للوحة الموزاييك" فقد فقدوا إحدى قواعدهم بعد انقلاب الأمريكيين على الدكتور عمر عبد الرحمن والقبض عليه والزج به في السجن كما أن ازدياد الضغوط الدولية ضد السودان بعد محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك أجبر بن لادن والظواهري وباقي الأصوليين المقيمين هناك على العودة إلى أفغانستان مرة أخرى ليرتموا في أحضان قادة حركة طالبان، أما "اتفاق دايتون" فتكفل بإخراج "المجاهدين العرب" من البوسنة والهرسك على حين أجبر حل مشكلة الشيشانية أعدادا من المصريين والعرب على الرحيل من هناك لكن كل من خرجوا لم يتجهوا إلى مصر، وإنما كانت هناك دائما بدائل سواء أفريقيا أو آسيا أو أوروبا أو حتى أمريكا·
ورغم الاحتجاجات والنداءات المصرية، فإن خريطة الحركات الإسلامية في الخارج لم تشهد تغييرات بفعل تسليح المطلوبين لمصر حتى وقعت حادثة الأقصر وأيقنت الدول التي تحتضن الأصوليين المصريين أو وجودهم على أراضيها يمثل خطورة على الأمن فيها، وجاءت حادثتا سفارتي الولايات المتحدة لتؤدي إلى تفكيك "لوحة الموزاييك" بشدة، مع تصدع قواعد الأصوليين في الخارج وتسابقت الدول في القبض عليهم وتسليمهم إلى مصر، ووفقا لاعترافات هؤلاء الذين سلموا إلى السلطات المصرية خلال الأشهر الماضية فإن الحركات الإسلامية الراديكالية المصرية تمكنت من تأسيس قواعد لها في دول أفريقية وآسيوية وأوروبية كما أن عناصر من الأصوليين برعوا خلال السنوات الماضية في تزوير جوازات السفر والأوراق الرسمية، الأمر الذي مكّن أعدادا كبيرة من زملائهم من اختراق الإجراءات الأمنية وتوسيع المساحة التي يتحركون فيها·
إلا أن بصورة عامة ظلت الدول الأوروبية الغربية ملاذا آمنا ومرغوبا من جانب غالبية الأصوليين ويكفي الإشارة إلى أن سبعة من المتهمين في قضية "العائدون من ألبانيا" يحاكمون غيابيا ومقيمون في بريطانيا وهم: عادل عبد المجيد، وياسر توفيق السري، وإبراهيم العيدروس، وأسامة حسن أحمد، وهاني السباعي، وسيد عجمي، وسيد عبد المقصود، وهم محسوبون على جماعة "الجهاد" وهناك اثنان آخران محسوبان على "الجماعة الإسلامية" مقيمان في بريطانيا أيضا هما: محمد مصطفي المقرئي، وخالد فكري فضلا عن الدور المعروف الذي قام به بريطاني من أصل مصر هو مصطفى كمال المعروف باسم أبو حمزة المصري الذي يدير هناك جماعة "أنصار الشريعة" في عملية خطف السياح الغربيين في اليمن، وفي ألمانيا هناك ثلاثة من أبرز قادة "الجماعة الإسلامية" هم أشرف النحاس، وإبراهيم علام، ومحمد عبد الرحمن بلاسي، بالإضافة إلى أسامة رشدي المسؤول الإعلامي للجماعة الإسلامية الذي يقيم في هولندا، وعادل السيد عبد القدوس الموجود في النمسا والذي يعد واحدا من أبرز أعوان الدكتور أيمن الظواهري، وجميعهم يحتمون من الجهود المصرية لتسلمهم، بالقوانين التي تحظر تسليم المطلوبين في الدول الأوروبية إلى دول تطبق عقوبة الإعدام·
إلا إن إقدام ألبانيا في يونيو الماضي على تسليم ثلاثة من أبرز قادة الأصوليين إلى السلطات المصرية دشن مرحلة جديدة اهتزت فيها بعنف خريطة توزيعهم في الخارج وبدأت "لوحة الموزاييك" طريقها إلى التصدع والانهيار·
وليس سرا أن وقوع أحد قادة التنظيمات الأصولية في قبضة السلطات المصرية يجبر التنظيم الذي ينتمي إليه إلى إعادة ترتيب أوراقه وتحريك عناصره من مواقع إلى أخرى خشية القبض علىهم، وإجراء تغييرات في أسماء وأوراق عناصر أخرى تقيم في دول معينة لتأمينهم وحمايتهم من كشف أمرهم ولا شك أن ذلك يؤدي إلى الوقوع في أخطاء يكون من نتيجتها القبض على آخرين وتسليمهم إلى مصر ولذلك فإن قطار تسليم المطلوبين اندفع بسرعة شديدة عقب تسلم مصر لهؤلاء الذين كانوا يقيمون في ألبانيا، فوقع واحد في بلغاريا ثم آخر في الأكوادور، وثالث في الأورجواي وأعداد أخرى في الإمارات والكويت·
ورغم أن الأصوليين يتهمون الولايات المتحدة بالضلوع في ملاحقة زملائهم وتسليمهم إلى مصر، إلا أن بعضا من الإسلاميين أنفسهم لم يخف شعوره بأن أكبر خطأ وقعوا فيه هو تحويل عدائهم للولايات المتحدة من مجرد كلمات وعبارات تردد في بياناتهم ونشراتهم وخطبهم إلى رصاصات وقنابل ومتفجرات أطاحت بأشلاء المدنيين الأمريكيين والأفارقة في نيروبي ودار السلام ويسلمون كذلك بأن دخول الولايات المتحدة طرف اساسي في المعركة ضدهم أفضى إلى النتيجة التي وصلوا إليها، فابن لادن والظوهري وبعض من مساعديهما اضطروا للصمت والاختفاء ومصير زعيم حزب العمل الكردستاني عبد الله أوجلان غير بعيد عنهم إلى جانب أن أ غلبية دول العالم صارت حريصة على أن تبعد عن نفسها شبهة احتضان الأصوليين وإيوائهم·
واللافت أن عمليات التسليم التي أطاحت بـ "لوحة الموزاييك" وتسببت في تشققها وانهيارها، تزامنت مع تطور كبير في التعامل مع قضية الأصوليين في الداخل حيث توقفت حملات الاعتقال العشوائية التي كانت تولد موجات من الرغبة في الانتقام وتحسنت أحوال المعتقلين في السجون وخرجت أعداد منهم ليتمتعوا بالحرية قبل أن تمتلىء نفوسهم بشعور عدائي ضد المجتمع·
ورغم فارق السنوات العشر ما بين صدور كتاب دليب هريو وإنهاء أبو العلا ماضي لدراسته، إلا أن الاثنين وصلا إلى نتيجة تكاد تكون متشابهة فالأول توقع "تزايد حدة الخلافات بين الحكومة والأصوليين مع خلق مناخ يؤدي إلى تزايد الجماعات السرية الراديكالية في حين توقع الثاني "استمرار الظاهرة وتطور أشكالها بأجيال جديدة غير معروفة طالما استمرت أسباب العنف قائمة"·
لا يمكن الفصل بين قيام السلطات البريطانية في سبتمبر الماضي بالقبض على سبعة أصوليين بينهم ستة مصريين، وأطلق أحدهم بعد أيام في حين ما زال الخمسة الباقون محتجزين على ذمة قانون "الهجرة والجنسية" وبين عملية اعتقال الأصوليين المصريين مصطفى كمال "أبو حمزة المصري" وياسر توفيق السري "أبو عمار" في مارس الماضي، ورغم أن الاثنين أطلقا بعد أربعة أيام فقط من اعتقالهما، إلا أن العمليتين عكستا منهجا بريطانيا جديدا في التعامل مع نشاط الأصوليين العرب عموما والمصريين خصوصا على الأراضي البريطانية فإذا كانت القوانين تكبل أيادي البريطانيين وتحول دون قيامهم بترحيل الأصوليين إلى بلادهم أو إبعادهم عن الأراضي البريطانية، إلا أن الواضح أن الحكومة البريطانية، ومن خلال بعض الثغرات القانونية بدأت في مضايقتهم والتضييق عليهم والتلويح لهم بعصا قانون الإرهاب الجديد الذي يمنع استغلال الأراضي البريطانية في التخطيط أو دعم عمليات الإرهاب التي تقع في الخارج·
ويرجح أن يشهد نشاط الأصوليين في بريطانيا خلال الفترة المقبلة انحسارا وأن يهمش دور المقيمين هناك خشية القبض عليهم أو طردهم ومن الطبيعي أن زيادة القيود المفروضة على هؤلاء ستحد كثيرا من نشاطهم وستدفعهم إلى العمل سرا في أنشطة كانوا يقومون بها علنا، ويمكن تطبيق الافتراض نفسه على باقي الأصوليين المقيمين في دول أوروبية أخرى لم تمنحهم في الماضي المساحة نفسها التي كان يستغلها زملاؤهم المقيمون في بريطانيا، أما هؤلاء المطاردون في دول غير معلومة ممن يعيشون بأسماء مزيفة، وكذلك المقيمون في حماية أسامة بن لادن في أفغانستان، فإن خطرهم يظل قائما لكن القراءة الدقيقة لخريطة توزيع هؤلاء وقدرتهم على العودة بالصراع إلى الدرجة نفسها التي كان عليها قبل حادثة الأقصر موضع شك· فـ "الجماعة الإسلامية" انشغلت منذ أطلق قادتها التاريخيون في يوليو من عام 1997 مبادرة وقف العنف، بمشاكل داخلية تفجرت بين قادتها ووصلت إلى الذروة بفعل مذبحة الأقصر، وانتهى الأمر بإصدار الجماعة بيانا في عيد الأضحى المبارك الماضي أعلنت فيه وقف العمليات المسلحة داخل وخارج مصر، وأيا كانت التفاعلات التي أقرت ذلك القرار، فإن الحقيقة المؤكدة أن سنوات الصراع والعنف شبه اليومي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من عناصر التنظيم قتلى في مواجهات مع الشرطة، كما قضت المحاكم المدنية والعسكرية بإعدام وسجن أعداد أخرى ممن تدربوا في أفغانستان ويصعب تعويضهم أو إعداد عناصر مشابهة لهم بعد أن فقد التنظيم الأراضي الخصبة التي زرع فيها هؤلاء لكن السؤال يبقى قائما: إذا كانت "الجماعة الإسلامية" اختارت التوقف عن العنف دون أن تتراجع أدبياتها وأفكارها ومبادئها، فكيف ستمارس نشاطها في المستقبل؟ الإجابة المرجحة هي أن التنظيم سيدخل مرحلة كمون قد تمتد لعدة سنوات يتم خلالها العمل على إعداد كوادر جديدة وإعادة القنوات التي قطعت مع الجماهير من خلال مشاريع خدمية "مستوصفات وأسواق شعبية" والمؤكد أن السلطات تدرس حاليا الطريقة التي ستتعامل بها مستقبلا مع ذلك التنظيم لاستيعابه والحيلولة دون تراجعه عن قرار وقف العمليات، وفي الوقت نفسه وقف نمو التنظيم ومنعه من إعادة تشكيل هياكله وقدرته العسكرية مرة أخرى·
وعلى الجانب الآخر فإن الأوضاع بالغة السوء في جماعة "الجهاد" التي رفضت في بيان أصدرته بعد يومين من بيان "الجماعة الإسلامية" الانضمام إلى "المبادرة السلمية" فغالبية قادته وعلى رأسهم أيمن الظواهري مطاردون من جانب الأمريكيين بعد أن وردت أسماؤهم في قضية تفجير السفارتين الأمريكتين في نيروبي ودارالسلام· كما أن قضية "العائدون من ألبانيا" مثلت ضربة كبيرة للجماعة بعد أن تسلمت مصر عددا من أنشط عناصرها التي لعبت دورا بالغ الأهمية في دعم عمليات العنف من الخارج، وفضحت اعترافاتهم تفاصيل خطيرة عن أسرار الجماعة وخباياها·
ورغم اللهجة الحادة التي مازال التنظيم يتحدث بها فإن الحقيقة المؤكدة أن أمواله نضبت وعناصره تشتت وصارت قدرته على تنفيذ أعمال عنف داخل البلاد ضعيفة لكن يبقى الاحتمال هو أن شعور بعض العناصر من أعضاء التنظيم من المقيمين في الخارج باليأس قد يدفعهم إلى المجازفة ومحاولة تنفيذ عمل ضد هدف مصري أو أمريكي في الخارج· وفي كل الأحوال فإن الظاهرة التي امتدت لسنوات لا يمكن أن تنتهي بين يوم وليلة·
* عن مجلة الكتب وجهات نظر - العدد الرابعمايو 1999
** صحفي متخصص في شؤون الحركات الإسلامية المصرية