رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 25 صفر غرة ربيع الأول 1420هـ - 9 - 15 يونيو 1999
العدد 1380

لمحات تاريخية واجتماعية من ذكريات التعليم في جزيرة فيلكا
الأديب خالد سالم محمد ورحلة عشق في ربوع جزيرة فيلكا

·         تأملات في صفحات الماضي الجميل ينقشها الكاتب بدم القلب وشغف الروح

·         مغامرة مع الذكريات ولمس التاريخ بالحب والتواصل الحميم

·         فيلكا قلب الكويت جزيرة تتنفس التاريخ وعابقة برائحة التراث وعطر البحر الكويتي

·         عاشق لتاريخ فيلكا ومسكون بحب عميق لتراث الكويت

·         الاطلاع على التاريخ يثري حياتنا بقيم ماض عريق لم يزل في أعماقنا

·        توظيف للمنهج التاريخي الذي يكشف عن ذخائر  البشر وأمجاد الشعوب ومواقفهم الإنسانية

 

رؤية كتبها علي عبد الفتاح:

الأديب خالد سالم من مواليد جزيرة فيلكا ودرس هناك في مدرسة فيلكا الابتدائية والمتوسطة وعاش حياة فوق رمال هذه الجزيرة يرقب السفن المبحرة ويرى الرحلات المقبلة إلى هذه الجزيرة ويقرأ عن تاريخها الطويل فيتيه عجبا ويخفق قلبه عشقا لهذا الجزء العريق من ثرى وطنه·

وتلك الحياة التي عاشها هناك  يشاهد طيور البحر ويركض على حافات الضفاف وينقش على الرمال أحلامه ويشيد قصورا من رمال ما زالت حياة ساكنة دمه ووجدانه وخياله وقد غادر الجزيرة ليمارس مهام عمله بوزارة الإعلام إلا أنه ظل على صلة فكرية وروحية بهذه الجزيرة مهد طفولته ومرتع صباه، فقام بجهود كثيرة لتوثيق الجوانب التاريخية والتعليمية لجزيرة فيلكا وما أنجبته من أدباء وربابنة وفنانين·· وبدأ خالد سالم منذ عشرين عاما أو أكثر في تقديم دراسات عن جزيرة فيلكا وقد اكتشف أن لديه ثروة كبيرة من المخطوطات والوثائق والصور التي تتيح له أن يطلع  القارىء والجيل الجديد على تاريخ هذه الجزيرة والحياة  التعليمية  والثقافية لأبنائها وأهلها·

وفي هذا المجال قدم خالد سالم مجموعة من المؤلفات أصبحت تعد إضافة حقيقية لمكتبة التراث التاريخي وهذه المؤلفات هي:

 *جزيرة فيلكا لمحات تاريخية واجتماعية 1980 و 1994·

* ربابنة الخليج العربي 1982·

* من ذكريات التعليم في جزيرة فيلكا 1983·

* صور من الحياة القديمة في جزيرة فيلكا 1985·

* جزيرة فيلكا صفحات من الماضي 1987·

* كلمات أجنبية ومعربة باللهجة الكويتية·

* الكويت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر 1995

 

عودة للتراث

 

حين يبدأ الكاتب بالعودة إلى التراث التاريخي لحقبة معينة في حياة بلده فإن هذا يعني الكثير من الدلالات التي ترتبط بأفكار الكاتب ورؤيته للنظم السائدة والأفكار الجديدة، وقد يعود الكاتب إلى البحث عن تاريخ  مدينة من المدن بعد أن يجتاحه الحنين وتطويه الذكريات الجميلة سواء في طفولته أو مع أصدقاء المدرسة أو تمزقا إلى العودة مرة أخرى إلى ربوع هذه المدينة وبحرها وشاطئها وأشجارها·

قد يكون الحنين حافزا إلى هذا البحث والشغف بكشف أعماق الحياة القديمة وما كانت تحتوي عليه من قيم لعل بعضها ما زال باقيا أو لعل هذه القيم قد اندثرت مع هجمة العلوم والانفتاح على العالم والتأثر الشديد بما يطرأ على الحياة من أفكار جديدة قد تجعلنا دائما في حنين دائم إلى الماضي العريق وخصائصه الإنسانية وسماته الذهنية البسيطة ومناخه الهادىء الساكن·

ولعلنا لا ندهش لهذا الحب العميق الذي يتدفق في حنايا الأديب خالد سالم محمد فهو كاتب لا يتحدث كثيرا عن نفسه رغم مؤلفاته التي صدرت منذ عشرين عاما وما زالت هناك كتب أخرى تصدر له في القريب وأيضا لا يحبذ أن يكتب الآخرون عنه فتلك الأفكار لا تتفق مع رسالته التي تؤكد أنه عاشق لتاريخ فيلكا ومسكون بحب عميق لثرى هذا الوطن الكويت·

وهذا العاشق يسجل شهادته في صمت ويرمق الورى فتتجسد له مشاهد غريبة وأحداث مذهلة فيعانق قلمه وأوراقه ويكتب بدمه نبض الحاضر ممتزجا بخفقات الماضي·· يكتب لأنه مندفع في مغامرة مع الذكريات ولمس أعماق الماضي وأضفى عليه ثوبا شفافا من الحب والتواصل الحميم·

والعشق لايبحث عن المجد من خلال كتابات صحفية فكثيرا من الكتابات قد لا ترتضي الكاتب إذا كان الأمر مجرد كتابة تملأ فراغ الصفحات· العشق الحقيقي يبحث عن مجده في قلوب القراء وفي صفحات التاريخ وفي ردهات الماضي الذي ما زال يشع بالحب والعطاء·

وأعتقد أن الأديب الإنسان خالد سالم محمد ينتمي إلى هذا العشق الزاخر بتراث وطنه وأجداده وهنا نلمح سمة من سمات الأدب الأصيل وهو التعمق في تفاصيل دقيقة من تاريخ مدينة فيلكا ولا سيما أن الكاتب أحد أبناء هذه الجزيرة الجميلة التي شهدت أحداثا مروعة بعد الغزو فمن يرد للجميلة ثوبها الذي تمزق ومن يمسح دمعة فيلكا ويرد لها بسمتها ويمسح الحريق عن أصابعها وأهدابها ؟!

 

سر العشق

 

ولا يمكن أن نطرح استفسارا على الكاتب عن سر هذا العشق الكبير لجزيرة فيلكا فالعشق ليس له سبب وإن كان يحتوي على ملايين الأسباب وبكل بساطة يقول الكاتب:

- إنها فيلكا قلب وطني الكويت ·· جزيرة تتنفس التاريخ·· جزيرة عابقة برائحة التراث وعطر البحر ورائحة الصحراء والشواطىء··

ثم يكرر الكاتب وقلبه يرتجف عشقا:

- فيلكا دمعتي وبسمتي·· وجزيرة طفولتي وحبي الكبير·· فما زالت هناك مدرستي وأصدقائي ودفاتري وكتبي المدرسية·

وإذا بحثنا عن المنهج الذي اعتمد عليه الكاتب في كتاباته عن جزيرة فيلكا فسنجده مستمد من المنهج التاريخي حيث يفسر الأحداث التي يعاصرها الكاتب وتبدو صادقة على الفرد والمجتمع وحين يسجل هذه الحوادث سواء اجتماعية أو سياسية فإنه بذلك يكون قد بدأ الارريخ··

والمنهج التاريخي ليس مجرد وصف للأحداث ومظاهر الحياة في فترة معينة وإنما لابد للكاتب أن يمزج شيئا من فلسفته ورؤيته لهذه الأحداث موضحا الأسباب كما يقرر ذلك الفيلسوف هيجل في تعريفه للمنهج التاريخي·

 

المنهج التاريخي

 

وقد ظهرت في الغرب كتابات مستمدة من هذا المنهج التاريخي الذي كان يهدف إلى دفع القارىء للتحلي بالفضائل والأخلاق الوطنية والقيم الجمالية فكتب هيرودتس عن حروب  الفرس والإغريق وفي العصور الوسطى ظهرت كتب عن التاريخ الأنجلو سكسوني وسير الملوك والمدن وهناك أيضا الحوليات التي سجلت المعارك الصليبية وقد اتخذ منها شكسبير مادة لقصصه ومسرحياته وفي القرن الثامن عشر صدر كتاب

ادوارد جيبون تدهور الدولة الرومانية وسقوطها وكتاب فولتير لويس الرابع عشر وهناك كتب كثيرة ظهرت عن تاريخ فرنسا وتاريخ انجلترا وأمريكا·

وفي تاريخ العرب هناك أمثلة كثيرة لكتابة تاريخ الملوك وسير الأنبياء والصحابة وتاريخ المدن ومنهم كتاب محمد بن اسحق عن تاريخ المدينة المنورة وابن زبالة وكتاباته في تاريخ المدن وقد قرأنا في عصور النهضة كتابات عبد الرحمن الرافعي وفي الكويت عبد العزيز الرشيد ويوسف بن عيسى القناعي وكذلك كتابات فاضل خلف عن نقعة بن خميس وعن كاظمة وعن سور الكويت وغيرها·

 

محتوى المنهج

 

ويكشف هذا المنهج عن مرحلة معينة ومحدودة من ماضي البشرية ويرقى إلى الأزمنة التي انتقلت إلينا أخبارها ويصور مدى التطور الذي حدث ويصل الأحياء بالأموات ويوثق في النفوس معاني الديمومة لأن الاطلاع على التاريخ هو التغلب جزئيا على الموت وإثراء حياتنا بقيم ماض عريق لم يزل في أعماقنا

ويستعين كاتب التاريخ بمصادر كثيرة منها الحوارات مع شهود الفترة النصوص المدونة والوثائق والنقود والأثريات والنقوش القديمة وكل من يساهم في إلقاء الضوء على هذه الفترة التاريخية·

وقد لجأ الأديب خالد سالم إلى مصادر منوعة لتحقيق كتاباته ولمحاته عن الحياة التاريخية والاجتماعية وذكريات التعليم في جزيرة فيلكا من أهم هذه المصادر·

أولا: لقاؤه مع شهود عيان عاصروا تلك الفترة وسجلوا شهادتهم فجاءت صادقة تبرز صور الحياة الاجتماعية من دون مبالغة أو تطرف في الخيال وهذا ما يجعل القارىء يعايش تجربة جزيرة فيلكا مرة أخرى ويستعيد الحوادث والمواقف مرة أخرى·

ثانيا: يمتلك المؤلف ثروة قد تكون كافية لإعداد بحث أو دراسة عن فيلكا وهذه الثروة من الوثائق المهمة التي قد تكون مجلة من المجلات ترجع تاريخها إلى الخمسينيات أو صورة لأحد المدرسين أو دفاتر تحضير الدروس التي ترجع إلى بداية الخمسينيات·

ويقول الكاتب خالد سالم في ذلك:

وبما أنني أحتفظ بمعظم المجلات المدرسية التي أصدرتها مدرسة فيلكا للبنين من عام 1955 حتى عام 1963 فقد قمت بتبويب موضوعاتها مع ذكر أسماء الطلاب الذين أشرفوا على تحريرها وكتبوا موضوعاتها والسنة الدراسية التي كانوا فيها في ذلك الحين"·

ثالثا: لقد استطاع خالد سالم أن يلتقي بشخصيات  كان لها أثر قوي في الحركة التعليمية بجزيرة فيلكا وبذلك فهناك رصيد من الذكريات والقصص التي تكشف عن تاريخ  هذه المرحلة في صدق ودقة تامة وما يميز كتابات خالد سالم عن جزيرة فيلكا الدقة والتدوين والتسجيل مباشرة من أبطال الحدث·

رابعا: اللجوء إلى الصورة الواضحة للشخصيات والأماكن والسرد التاريخي حول الجزيرة أضاف نوعا آخر من  الجدية والمنهجية للكاتب· فلا يمكن أن نتخيل أنه قد أفرط في وصف شيئا جميلا أو أسرف من خياله ماكان ليس موجودا بالفعل بل التزم الكاتب خطوات المنهج العلمي في التاريخ والتزم أيضا بالموضوعية· وتلك صفات المؤرخ الناجح·

ويمكن الآن أن تتكون لدينا صورة واضحة عن طبيعة الحياة والحركة التعليمية في فيلكا بأنها كانت نابضة بالنشاطات الثقافية والاجتماعية وزاخرة بالقيم الإنسانية التي وحدت أبناء الجزيرة وشكلت منهم أسرة واحدة تتألم معا وتفرح معا وتواجه مصيرها معا·

كما أن فيلكا كانت دائما على تواصل مع أهل مدينة الكويت من خلال الزيارات والرحلات والكتابة في المجلات والالتقاء بالمسؤولين والحكام وكذلك زيارات الوفود والبعثات التي كانت تأتي للبحث في آثار فيلكا·

وهذا ما جعل جزيرة فيلكا جزيرة متميزة ومتفردة  بأصالتها التاريخية ومنطقة جذب سياحي للمؤرخين والمستشرقين والمهتمين بالآثار القديمة·

وإذا كان خالد سالم قد كتب لمحات تاريخية واجتماعية لجزيرة فيلكا عام 1980 ثم عاد وكتب عن ذكريات التعليم في جزيرة فيلكا عام  1983 ثم أصدر كتاب الحياة القديمة في جزيرة فيلكا وقد سبق أن أصدر من قبل ربابنة الخليج العربي ومصنفاتها الملاحية وتلك رحلة أخرى لعاشق البحر الحديث عنها فيما بعد·

 

أحلام العاشق

 

ونعود ونكرر مرة أخرى أن خالد سالم عاشق لجزيرة فيلكا عاشق لهذه الضفاف ويحلم بشيء ما ،يحلم أن تعود النوارس إلى فضائها ويعود التلاميذ بضوضائهم يركضون في فناء المدارس ويفتحون كتب النور والحرية مرة أخرى·

يحلم خالد سالم أن تدق أجراس المدارس في صبيحة أيام الأسبوع وتفتح الأبواب وتدخل أفواج الطلاب إلى مقاعد الدرس والتحصيل والمعرفة وتزدحم الأسواق بأهل فيلكا ويبزغ القمر معانقا الرمال الذهبية والأشجار الميساء·

ليست هذه الكتب عن فيلكا إلا قصائد عشق ينثرها خالد سالم لهذه الجزيرة التي عشق أرضها وجدرانها ونوافذها وبيوتها وعمائرها ومساجدها وآثارها التاريخية·· يحلم خالد سالم أن تنهض الجزيرة من غبار المعارك وتسترد ثوبها الفضي وتعود الأسماك الملونة تغني تحت أعماق البحار ويرجع الأطفال يشيدون القلاع والحصون والجياد على الشواطىء من جديد ·

ربما هذا هو المغزى من تلك الكتابات التي سجلها خالد سالم، هذا الكاتب ما زال يكتب في صمت وينقش رسائله العاشقة على جدران فيلكا ورمالها المبللة بدمع المهاجرين والراحلين عنها· إن جزيرة فيلكا الآن خالية من السكان، لقد تم تهجير أهلها بعد الغزو الآثم عليها عام 1990 وتفرق أهلها في أنحاء البلاد، هؤلاء الذي تعلموا من البحر معنى الحب والعطاء الفياض والعطف الكبير والرحمة والمحبة لكل البشر·

إن خالد سالم لا يرثي جزيرة وإنما ببعثها مرة أخرى من التاريخ ويمسك بيدها ويساعدها على النهوض باتجاه الشمس·· إنها كنز أحلامه وملاعب صباه وهوى شبابه وحياته·· فهل ينسى العاشق محبوبته؟!

طباعة  

مواجهة ثقافية بين: د. عالية شعيب والشاعر صلاح دبشة(2-2)
 
أخبار ثقافية
 
ضوء
 
وخزة
 
نافذة
 
أجراس