يقول مسؤولون كبار في حلف شمال الأطلسي إن الحلف ينبغي عليه في الأشهر الثلاثة المقبلة أن يتخذ قرارا بشأن إعداد قوة عسكرية كبيرة بما يكفي لتشق طريقها في كوسوفو في واحدة من المهمات المحفوفة بأعظم مخاطر في تاريخ الحلف·
وكان من شأن إعلان إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يوم الجمعة عزمها على إرسال 50 ألف جندي من قوات الحلف الى حدود كوسوفو تأجيل الخلاف بشأن إرسال قوات مقاتلة لكن من دون حسمه·
وفي حين يؤدي نشر مثل هذه القوات الى مضاعفة عدد جنود حفظ السلام المنوي إرسالهم الى كوسوفو، فهذه القوات لن تستعمل إلا في حال إبرام تسوية مع الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش وسحب جميع القوات الصربية من الإقليم·
والقوات الأطلسية لن تكون ذات طبيعة هجومية لقوة اقتحامية·
لكن تجهيز قوة اقتحامية ربما يبلغ قوامها 150 ألف جندي بمن في ذلك فوج حفظ السلام والقوات المساندة، يمثل مهمة كبيرة جدا تتطلب اتخاذ قرارات دقيقة بشأن القوات الواجب إرسالها وتعبئة الاحتياطيين ونقل أطنان من الدروع والذخائر·
ويقول هؤلاء المسؤولون إن أمام الحلف كثيرا من المهمات وقليلا من الوقت إذا كان يريد إبقاء خيار الاقتحام البري مفتوحا لوضع حد للحرب الحالية قبل بدء الشتاء·
وفوق ذلك، ما زالت هناك معارضة قوية من ألمانيا وبعض الدول الأعضاء في "الناتو" لإرسال قوات برية في عملية اقتحامية·
في هذا الصدد، قال أحد الدبلوماسيين المخضرمين في "الناتو": "نحتاج في الأسبوعين المقبلين أو الأسابيع الثلاثة الى اختراق نحو الحل السلمي، وإذا لم يحدث ذلك ينبغي اتخاذ قرارات صعبة بشأن استعمال القوات البرية"·
إن الدافع الأكبر وراء عجلة الحلف نحو اتخاذ قرار بشأن القوات البرية هو إعادة نحو 850 ألف لاجئ فروا الى خارج كوسوفو ونحو 850 ألفا هجّرهم الصرب من ديارهم في داخل الإقليم قبل أن يعود الصقيع الى البلقان في أكتوبر، لكن فضلا عن التعقيدات اللوجستية هناك عوامل أخرى، فاللقاءات مع كثيرين من الدبلوماسيين الكبار والمسؤولين في مقر "الناتو" في بروكسل توحي أن واجهة التفاؤل العام بين الحلفاء مشوبة بمخاوف لدى هذا الجانب أو ذاك·
فمع مرور كل يوم، تزداد المخاوف من تآكل مساندة الرأي العام للحملة الجوية، وقدرة الحلفاء على إبقاء تماسكهم ومن بعثرة اللاجئين الألبان·
لكن حتى نشر قوة حفظ سلام متواضعة كما تريد الإدارة الأمريكية ليس سهلا، فهناك كثير من القضايا الشائكة التي ينبغي تسويتها قبل إرسال القوات· ففرقة حفظ السلام يجب أن تضم آلافا من المهندسين الميدانيين وضباط الشرطة العسكرية وموظفي الشؤون المدنية الذين يساعدون في إعادة بناء الإقليم المدمر والمحافظة على السلام في حال حصول تسوية بالتفاوض·
وينبغي على سفراء الحلف الأطلسي أن يحددوا البلدان التي تساهم بالقوات والمعدات· ولما كان المهندسون المدنيون وضباط الشرطة العسكرية ينتمون الى الاحتياطي العسكري، تواجه بلدان الأطلسي صعوبة في تعبئة هؤلاء·
وهناك اعتبارات سياسية أخرى، فإذا كان الحلف قد أعلن أن قواته تشكل "نواة" لأية قوة أمنية في الإقليم، لم يحدد الحلفاء بعد ما يعني ذلك بدقة· فمن المتوقع أيضا إرسال قوات من بلدان خارج "الناتو" بما في ذلك من روسيا التي أصرت على أن يكون أي وجود دولي في كوسوفو تحت قيادة الأمم المتحدة·
فوق ذلك، قد ينفر بعض بلدان الناتو من تسريع الاستعدادات لنشر القوات البرية، وإن كانت قوات حفظ سلام، في وقت يسعى الدبلوماسيون الى حل الأزمة بطرق سلمية·
وأخيرا، حين ينبغي على بلدان "الناتو" أن تتخذ قرارا منفصلا بإرسال القوة، ليس من المرجح إرسال جميع قوات حفظ السلام فورا، وميلوسيفيتش سيراقب عن كثب تحركات الحلف ليرى ما إذا كان "الناتو" مصمما فعلا على إنهاء الحرب بشروطه·
كان القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا الجنرال ويسلي كلارك هو الذي ضغط بقوة من أجل نشر نحو 50 ألف جندي من قوة حفظ السلام على حدود كوسوفو بأسرع ما يمكن· فقد أراد أن تكون هذه القوات جاهزة في حال إبرام تسوية سلمية، وأن تضيف ضغطا آخر على ميلوسيفيتش·
وفي واشنطن، أبلغ الجنرال كلارك وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين ورئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال هنري شيلتون التحذير نفسه الذي أبلغه الى سفراء "الناتو" في بروكسل وهو أن الوقت ينصرم أمام إعداد حملة التدخل البري·
وبالمصادقة على اقتراح قوات حفظ السلام الإضافية، أرادت إدارة كلينتون تفادي الضغط السياسي الذي تعرضت له، حتى تقول إن خيار التدخل البري في متناولها·
واستنادا الى الخطط الحالية، لن تستعمل قوات حفظ السلام إلا في "ظروف مؤاتية" وهذا يعني بعد موافقة ميلوسيفيتش على تسوية سلمية أو بعد سحب جميع القوات الصربية من الإقليم·
لكن هذه الخطوة ليست كافية لإنهاء الجدل بشـأن استعمال القوات البرية· فقد أحيت بريطانيا في الأسبوع الماضي فكرة التدخل البري إنما بعد أن تكون الحملة الجوية انهكت قوات ميلوسيفيتش· وإذا أخفقت الدبلوماسية والحملة الجوية في إنهاء الأزمة بسرعة، ربما تكون الحرب البرية الوسيلة الوحيدة لضمان إعادة معظم اللاجئين قبل حلول فصل الشتاء، على ما يرى البريطانيون·
غير أن ألمانيا صممت مع بلدان أخرى على وقف الحملة البرية مؤكدة أن هذه الحملة لا يمكن التفكير فيها·
في هذه الأثناء، كانت الإدارة الأمريكية تنظر بحذر الى اقتراحات تتصل باستعمال القوات البرية، في حين كان المسؤولون الأمريكيون يحاولون تفادي المناقشة العلنية لهذا الموضوع الحساس· وسارع مسؤولون من الدول الحليفة الى استغلال تقارير بألسنة جنود فارين من الجيش اليوغوسلافي وإشارات الى رغبة بلغراد في إبرام صفقة سلمية باعتبار كل ذلك دليلا على أن الحملة الجوية فعلت فعلها في ميلوسيفيتش·
وفي الوقت نفسه، اعترف كثير من الدبلوماسيين المتمرسين في الحلف بأن مثل هذه التفسيرات هي مجرد آمال لحلف يخوض حربه الأولى يشارف السير في منحدرها القاسي· وعن ذلك قال أحد الدبلوماسيين: إنها نصف حرب وليس لها غير نصف نتيجة، وهذا ما نتجه إليه، فميلوسيفيتش "ما زال في مكانه"·
ليس الروزنامة الزمنية هي عامل الضغط الوحيد على دبلوماسيي الحلف والجنرالات، فالأخطاء القاتلة مثل قصف السفارة الصينية وأحد المستشفيات وأحد السجون أخذت تقضم مساندة الرأي العام للحملة الجوية في بلدان كثيرة· وعن ذلك قال رئيس الوزراء الإيطالي ماسيمو داليما: يجب أن نولي عناية عظيمة حتى نتفادى أخطاء مأساوية من شأنها أن تزيد الشعور بالإحراج واللا تفهم وسط الرأي العام لدينا"·
أما الإجراءات اللوجستية لإعادة اللاجئين الى وطنهم فمخيفة· وعن ذلك قال أحد دبلوماسيي "الناتو": كلما طال وقت هجرتهم، ازدادت احتمالات تبعثرهم وصعوبة إعادتهم الى ديارهم، وفي المدى البعيد، قد يربح ميلوسيفيتش"·
وفي الأسابيع القليلة المقبلة، ينبغي على دبلوماسيي "الناتو" والجنرالات أن يمددوا المستوى الذي تكون فيه القوات الصربية منهكة بقدر يسمح بدخول كوسوفو من دون موافقة الرئيس اليوغوسلافي·
وفي هذه الأثناء، انكبت مجموعة من المحللين العسكريين في مكتب الجنرال كلارك في بروكسل وفي واشنطن فوق صور استطلاعية وعلى جهود رامية الى خفض قوة ميلوسيفيتش في كوسوفو الى مجرد كتائب منعزلة·
وفي الأسبوع الماضي، أعلن الناطق العسكري باسم الناتو الجنرال وولتر جيرتس أن القصف الحليف دمر 31 في المئة من الدبابات اليوغوسلافية والمدفعية والأسلحة الثقيلة في كوسوفو· وهذا الإعلان لا يسلط الضوء على تأكيد "الناتو" نجاح الحملة الجوية ضد قوات ميلوسيفيتش المدججة بالسلاح فحسب، إنما يعتبر (الإعلان) دلالة يمكن الأخذ بها في النقاش المحتدم بشأن التدخل البري· فالنظرية العسكرية تقول إن الوحدات الميدانية تفقد قدرتها على القتال إذا خسرت 50 في المئة من إمكاناتها أو أكثر، لكن الجنرال كلارك كان حريصا على تقديم أية صورة علنية·
نيويورك تايمز