القصيدة السياسية
علي حسين الفيلكاوي
ما كان مطروحا في احتدام التغيرات العربية الدراماتيكية من لغة ثائرة وأصوات نارية تضجّ بهما القصيدة السياسية لم يعد مقبولا الآن أو مستساغا، ومع ذلك نجد كثيرا من المصطلحات "المظفّريّة " ( عائدة على شعر مظفر النواب) وهمهمات الثورة المرحلية ما زالت تعتصر الذهنية الشعرية العربية وتتكرر إلى حدّ السذاجة في القصيدة المعاصرة التي كان يجب أن تتخطى ذلك الحاجز الصوتي بكل مفرداته وأفكاره، إلا إنها عجزت عن القفز على ذلك الماضي وتمحورت الأفكار القديمة ذاتها في كلمات جديدة ومن ذلك الدلالة التي حُمّلت لكلمة النفط وربطه بالرجعية ، والغول المسمى بالمستعمر الكبير (بريطانيا) الذي تمّ استبداله بالمتآمر الكبير على مقدّرات الأمة (أمريكا) ولم يتغير سوى الوجه فقط إنما الوعي بقي كما هو ليصطدم بنا ويكشف عن محدوديته·
أبدا لم يستطع الشاعر العربي عموما - وربما هو حال القاص والروائي - تخطي حدود تلك المرحلة والالتفات إلى التحدي الذي يواجه الشعوب العربية من قضايا تتعلق بالحريات العامة وإلى استشفاف قضايا حقوق الإنسان ومحاولة تفهم الآخر حقيقة وتقبله بما له وعليه، فالإنسان العربي جزء من عالمنا الكبير الذي يمتد على مدارات الكرة الأرضية والذي نتشارك به في ظل تفهم واقعي لحدود الإمكانات وبعيدا عن رموز صوتية فارغة ترجم الحقيقة وتستنسخ القوالب الجاهزة لتتسرّب في الإدراك اليومي وتترسب في اللاوعي لتنهمر في النهاية وكأنها الحقيقة المطلقة وماعداها زيف مترف فلقد سئمنا ومنذ الستينيات تمجيد الفقر وتصويره وكأنه ملح الأرض·· لقد مللنا هذه الثنائية المتخلفة من تشويه جسد النفط ذلك الساحر المضيء والصوفي المنهمر في أحشاء الخليج والعنتريات الساذجة التي تبدأ من·· تسقط تسقط أمريكا ولا تنتهي حتى بإلقائها في البحر·
أين هي الآن القصيدة العربية السياسية التي تتحاور والمجتمع المتحضر، نقرأ ديوانا كاملا ولا نعثر على أثر لها، أحقيقة يجب على الشاعر عدم الانسياق وراء الأحداث اليومية؟ وإلى أيّ مدى يجب انتظار ذلك الحدث وصياغته مرة أخرى؟ أهي أزمة بالفعل نتيجة أزمات أكبر تتعلق بالهوة الشاسعة بين المتلقي والقارىء أم كل ذلك مجرد أسئلة طائشة ؟! وفي حقيقة الأمر ليس هنالك أي وجود لقصيدة سياسية معاصرة الآن وكل ما هنالك قصيدة كُتبتْ في وجدان إنسان آخر ربما مات منذ ثلاثين عاما·
في الأدب الكويتي القصيدة السياسية مرتبطة بالقضايا ذات البعد القومي وخصوصا قبل فترة الغزو العراقي، وسوى الشذرات المضيئة لبعض الشعراء نجد أن تلك القصيدة مهمشة المعنى غائمة الملامح تجترّ أحزان غيرها وتلهث خلفهم وفي كثير من الأحيان يلعب الشعر الشعبي دورا مميزا يفوق القصيدة الفصحى التي كان يجب أن يكون لها الدور الأكبر ، إذن لماذا كل هذا الانكفاء والانطواء خارج بيت القصيدة السياسية مع أن الطريق إليها ليس محفوفا بالكثير من المخاطر مع ازدهار كل هذه النوافذ المؤطرة بهواء الحرية؟!، إذن لماذا يشعرنا الأديب الكويتي والشاعر على وجه التحديد باتصاله مع الأحداث التي تعصف بالمجتمع بشكل كارثي في بعض الأحيان، إنه مجرد مواطن - في أحسن الأحوال - وليس مثقفا يتوجب عليه أن يمتلك ومضة المبادرة وبيديه يتحسس نبض الشارع وبحروفه يتلمس هموم الناس، ليقود كل ذلك برؤية حقيقية واعية نحو المستقبل بعيدا عن انجذابات الماضي المقيدة الأبعاد ومن دون الركوع لشهوة الحاضر ومتطلباته الآنية·