رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 2 - 8 ربيع الأول 1420هـ - 19 - 22 يونيو 1999
العدد 1381

قراءة رؤيوية في "جسد" سيمفونية شرقية لـ/عبدالرحمن حلاق
"الأخ الأكبر".. و.. أشباحه المتناسلة في "غابة" كتم الصوت

·    فحيح الكابوس الحلزوني يغتصب الحلم والحب وكائنات العزف المنفرد

 

محمد يوسف:

أيديولوجيا الصوت الواحد أو بعبارة أدق: أيديولوجيا كتم الصوت هي من "سلالة" الخرتيت·· و·· الخرتيت بطبعه غبيّ مأفون إذا أدلج أو تأدلج "من الأيديولوجيا" هشم جمجمته و"جماجم" معتنقي الكتم، وبفعل الخرتتة يتحول إلى "كابوس" ثقيل الوطأة سميك الكثافة··! "والمؤدلج الأحادي الصوت: شبح في هيئة كابوس·· وكابوس في "قناع" حزب أو "قطيع" يؤسس للهرمية الكاتبة·

وغواية المؤدلج الخرتيت تكمن في "شهوة" الاستدراج والاستقطاب فإذا استدرجك "من الدرجة والتدريج"·· ثم خرّجك حتى يصبغك بـ "لون" الأيديولوجيا لتفقد كينونتك وذاتيتك و"فرادنيتك"··!

كومن يا سوداء لها نكهة الحجم·· أليس كذلك؟!

وهي أي الكوميديا السوداء·· أي الأدلجة الخرتيتية تذكرك  بأسطورة "قطيع البط" والبجعة ··! فالبط كان يعاير البجعة بأنها بطة قبيحة··؟!

أي تدليس خرتيتي أيديولوجيّ··؟!

فلما اكتشتفت البجعة ذاتيتها وفردانية كينونتها ·· وجدت أن "عزفها المنفرد" و"نشيدها" ونشيجها" ينبجس مندفقامن "خصوصية" كينونتها وفرادة هويتها·· فتركت البط يغوص غارقا في "كثافته" الأيدلوجية بينما هي ترفرف رفرفة المتفرد المنفرد إلى أن تواجه مصيرها المحتوم بـ  نشيدها المندلع ونشيجها الحارق وهي في قمة شفافيتها الملتاعة عند الموت·

أما على ضفة "أيديولوجيا" القطب الواحد·· فالمشهد لا يختلف كثيرا·· إذ إن حماقة القوة تنطوي على "فيروس" ابتلاع الذات بعد ابتلاع الآخر·· حين ترتد الحماقة الى "مفجرها"··؟!

ولذا كان تشومسكي على حق حين قال إن النظام العالمي الجديد الممثل بـ/القطبية الأحادية يريد من "الجميع" (المتحالف والمخالف) لعق الحذاء الأمريكي·· لكني استسمح تشومسكي في أن أحور عبارته قليلا فتصير: لعق حذاء الخرتيت··!

 

2

 

وهذه الأفكار والرؤى والدلالات المشعة بالرمزية تدفقت من "كياني" وأنا أقرأ قصة "سيمفونية شرقية" لـ/عبدالرحمن حلاق·

فـ"الجماعة" في القصة هي "الأخ الأكبر"Big Brother كما صوره جورج أورويل في رائعته 1984·· وهي الحزب/ الكابوس الذي يعج فحيحا حلزونيا و"يبخ" الحبل الناري الذي يلتف على خضرة الحلم فتموت الكائنات/ الإنسان/ الرجل والمرأة/ الموسيقا/ البحر/الحب· فـ أمجد المكتوي بـ حلزونية الجماعة الأفعوانية عليه أن يحب ويختار معشوقته بـ أمر "الحزب" وليس بأمر الحب·· ذلك أن:

-عفاف ليست من الجماعة

- لكنها جميلة·· وأحبها·

- سيضيع مستقبلك باللهاث خلفها

- لكن صوتها عذب وستثريني

- سامحناك بالموسيقا لتروح عن نفسك قليلا فأنت لست لك·

- ستدفعني الى الأمام··

إنه الكابوس الأفعواني الأسود: الجماعة في القطيع·· و·· القطيع في الجماعة··؟!

 

3

 

أمجد يصر أن يكون عصفورا·· والعصافير لا تعرف إلا لغة الموسيقا·· وينابيع الحلم·

ولما كان في حالة حب فإنه يتوحد مع الكائنات: الطيور/ الفراشات/ دوالي العنب/ حقول الزيتون·

وعفاف هي بكارة الفكرة وعذرية الأشياء ونقاء الموسيقا·· وفي نفس الوقت هي المعادل الجسداني لـ فيزيائية وفسيولوجية فعل الحب·

والجماعة/ الكابوس/ القطيع/ الحزب/ الصوت الواحد المدلس كاتم الصوت الذي يغفي عورته بـ ورقة توت اسمها الثورية·· بـ/وطأة كابوسيتها الشجية ترسم المشهد بـ مفردات:

- العصفور الصغير الذي يضرب القفص الصدري لـ أمجد بجناحيه·· ليخرج فتحاصره مخالب القطط السوداء·

- أنياب عبدالله التي تشرح دور المرأة في تثبيط الفاعلية الثورية·

- الأفعى التي تتطاول الى صدر أمجد·· و·· تلدغه/

- الفراشة التي تلعق مكان اللدغ/

هذه هي جدلية المناوشة بين طرفين: الفرد الذي يحاول استنقاذ "فردانيته"·· وتفرده من جحيم الكتلة الصماء المسيرة بـ ديكتاتورية كتم الصوت·· و·· "الجماعة" المكتومة الصوت التي تتدلى رؤوسها المقطوعة وجماجمها المهشمة من "ماينفستو"Manifesto الحزب المجوف·

 

4

 

الحلم والكابوس وجها لوجه··

الفرد بصفته ذاتا وكينونة ورؤية في مواجهة "الجماعة" بصفتها "حزب" الكتلة الصماء·· و"الجماهير" المقطوعة الرؤوس التي يدوس عليها "الأخ الأكبر" لأنها في نظره صراصير وخنافس وعناكب وجرذان وذباب وحشرات لا اسم لها··؟!

لكن ما مرتكزات مقاومة أمجد؟

1 - الاعتصام بالموسيقا والحب:

"أريد أن أرسم بـ الجواب والقرار ملامح البراءة والحب·· وأنوّت هذا القوام الرائع على تضاريس السلم الموسيقي·· عليّ أن أرسم سيمفونية شرقية اسمها عفاف"·

2 - مزاحمة الحلم لـ الكابوس عن طريق الحوار:

- ستلفظك الجماعة·

- أغبياء أنتم

- ستدمرك·

- ستثيرني

3 - الالتجاء للطبيعة والتوحد مع الكائنات:

"منذ زمن بعيد بعيد تعلم أن يحب·· وتعلم وقتها لغة الطيور·· كان يحلو له كثيرا القفز بين دوالي العنب في الكروم الغافية بين أراضي الزيتون حيث المدى يمتدحن أفق الى أفق، ومن دالية الى زيتونة· كان صغيرا وكان فرحا بهذا المدى· كان يفرد جناحيه سابحا كموجة حب في وجه عاشقة صغيرة!!

4 - صوت فيروز:

"راعي بكى الخ الخ"

5 - لا الموسيقا/ لا صوت فيروز/ لا الفراشات/ "لا "ذكورة" العود/ لا الريشة التي "تفجر" تموجات الرست والصبا والبياتي·· بقادرة أن تنقذ الحلم من نهش قطط الكابوس السوداء·

كان لا بد أن تتقطع أوتار العود·· وتتشظى أوتاره أشلاء·

على أن "السيمفونية" التي يتصارع داخل تضفيرتها الجدلية العصفور (فمثلا لـ الحلم والحب) والقطط السوداء (مجسدة لكابوسية "الجماعة" ومخالبها "الأيديولوجية"·· ليست شرقية فقط في حلب أو القاهرة أو أية مدينة عربية أخرى إن كان لها تجاوبات شرقية موازية أيام صعود "موجة" المد الأيديولوجي الماركسي· فما واجهة أمجد أو عبدالرحمن حلاّق·· واجهة جورج أورويل حين انخرط مع "المؤدلجين" الأسبان مشتركا معهم في "صفوف" المقاومة التي كانت ترفع راية الأيديولوجية "البلشفية" فاكتشف أن "الرفاق" مدلسون ومنخورون من الداخل·· فعرى "الرفيق القطب" في رائعته "مزرعة الحيوانات"··Animal Farm وعرى ديكتاتورية وكهنوتية الرؤية الأيديولوجية الأحادية الصوت في روايته الأكثر شهرة 1984·

فالأخ الأكبر يتناسل هو وأشباحه في "غابة" كتم الصوت" وثقب جسد الحلم و"تخريمه" بـ/رصاص الصوت الكابوسي··! وعلى نفس الموجة·· ومن ذات الإيقاع نسج سولجنستين "أرخبيل الكولاج" (المنفي السيبيري الفظ لمعارضي أيديولوجيا الرفاقية المتجذرة في الدياكلتيك الهيجلي المغبون)·· وكذلك دكتور نريفا جو لبوريس باسترناك·

فالأيديولوجيا كانت قطة سوداء تأكل أبناءها·· إذا رفعوا صوتهم·· أو عزفوا على أوتار "ذاتهم" عزفا منفردا··؟!

بالحتمية·· فإن فحيح الكابوس الحلزوني يغتصب الحلم والحب وكائنات العزف المنفرد·

لو خفف أمجد من شهقاته و"تخطفاته" الملتاعة في "سيمفونية شرقية"·· وتخفَّى قليلا بإخفاء "عفاف" في محارة الرمز والترميز الشفاف·· لأغاظ الكابوس·· وربما قطع رأسه·· وعلقها على شفرة الرمز أو نصل اللغة المشعة وشفافيتها البيضاء·

طباعة  

أفق
 
الهمّ السابع
 
علي عبدالفتاح
رحلة ربع قرن من الزمان في الكويت مع الأدب وبراءة عيون الأطفال في الصباح

 
أخبار ثقافية
 
في آخر جلساته معلقاً نشاطه حتى سبتمبر المقبل
الملتقى الثقافي ناقش نصوصاً قصصية لعبد الرحمن حلاق

 
الجدار الرابع - الصفعة.. سيمفونية شرقية
 
ضوء
 
قصة قصيرة
 
نافذة
 
أجراس