رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 2 - 8 ربيع الأول 1420هـ - 19 - 22 يونيو 1999
العدد 1381

ضوء

الخيانة الجميلة!

 

ركان الصفدي

(1)

 

"الترجمة خيانة" كما يقول مثل إيطالي معروف، إذ لا يمكن أن تنقل نصاً من لغة إلى أخرى من دون أن تخون جماليات لغته الأم التي تشكل فيما بينها بيئة روحية وفنية خاصة، فإذا نقل النص إلى "بيئة" أخرى فإنه بلاشك سيكون غريباً غربة المهاجر في بلد أجنبي، وسيمر عليه وقت حتى ينسج من عناصر بيئته الجديدة علاقات جميلة أخرى· فاللغة ليست أصواتاً ولا نحواً وصرفاً فحسب، وإنما هي ذاكرة وعلاقات يمتزج فيها الزمان والمكان امتزاجاً كاملاً··· اقرأ قصيدة جاهلية وأخرى حديثة فستجد أنك تعيش في بيئتين مختلفتين اختلافاً كاملاً، وهما تنتميان إلى لغة واحدة فما بالك إذا نقلت قصيدة من لغة إلى أخرى؟! الترجمة لا تعني إذاً نقلاً لغوياً فحسب بل هي نقل لبيئة لغوية إلى بيئة أخرى يحاول المترجم بقدر ما يكون ماهراً أن يماثل بينهما·

 

(2)

 

"الترجمة قفا السجادة" كما يقول رسول حمزاتوف، فمهما كان المترجم بارعاً فلن يستطيع نقل الألوان الزاهية للغة الأم التي ترتديها الفكرة أو الحالة··· يورد ممدوح عدوان في مقدمة ترجمته لمذكرات كازنتزاكي "تقرير إلى غريكو" أبياتاً لطرفة بن العبد في وصف الناقة، مع ترجمتها إلى الإنجليزية التي عاد فترجمها ثانية إلى العربية، فإذا بترجمة الترجمة مسخ أيما مسخ، ليس فيها من الأصل إلا ظلال باهتة·

فالترجمة لا تستطيع أن تكون أمينة لأن تركيب الجملة في لغة غير تركيبها في لغة ثانية، ووقع المفردة هنا غير وقعها هناك، أما أن ينقل المعنى فقط فتلك عملية تأليف ثانية تفقد النص نصفه الآخر وهو الفن الخاص·

يمكن لأي قارئ أن يقارن بين ترجمتين أو أكثر لعمل أدبي واحد كي يكتشف أن الترجمة تأليف جديد، فشكسبير خليل مطران غير شكسبير جبرا إبراهيم جبرا وماياكوفسكي حسب الشيخ جعفر غير ماياكوفسكي أيمن أبوشعر (وهي أسوأ ترجمة)·

 

(3)

 

أصعب أنواع الترجمة ترجمة الشعر لارتباطه الأساسي باللغة، وما فيها من عناصر فنية خاصة بها· ومن التراجمة من ينقل الشعر المترجم شعراً، وعند ذلك تتضاعف الخيانة، لأن المترجم ينقل العمل من مناخ إلى آخر، ومن سياق إلى آخر، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، ناهيك عن ضرورات الوزن والقافية التي تضطر المترجم إلى الزيادة والحذف، ولذلك لا نستطيع أن نقتنع برباعيات الخيام على أنها شعر فارسي على الرغم من تقارب الأوزان بل اللغة في اللغتين العربية والفارسية، وإنما هي قصائد لمحمد الفراتي أو إبراهيم ناجي وسواهما·

ولكن هناك معضلة حقيقية، فأنت عندما تترجم شعراً موزوناً مقفى بنبغي أن تبقي على شكله الخارجي ونكهته الفنية بالوزن والقافية، وإلا بدا الشعر المترجم كأنه شعر حر، وهو ليس كذلك··· فمن يستطيع أن ينجح في هذا الامتحان العسير؟!

 

(4)

 

الترجمة لا تعني معرفة اللغة الأجنبية فقط، بل لا تعني المعرفة المعجمية أبداً، وإنما هي معرفة عميقة للغتين، اللغة الأم واللغة الأجنبية، معرفة شاملة للتاريخ والجغرافيا والعلوم والفنون والعادات والمعتقدات والفولكلور، لأن اللغة كما أسلفنا ذاكرة·

 

(5)

 

بعض التراجمة أشبه بالتراجمة المحلّفين الذي يحررون الأوراق الرسمية، إنهم مجرد معجمات فقيرة، فقدوا الإحساس بالمسؤولية الثقافية، فبعضهم يجهل حتى لغته الأم، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك كتاب باتريك سيل "أبونضال" فإن مترجمه يجهل - وهو من بلاد الشام - أسماء المدن والقرى، والأحداث الكبرى التي يعرفها تلميذ في المرحلة الابتدائية فيسمي صيدا (صيدون)، ومخيم الوحدات (مخيم الوهدات) وكل عين عنده تصبح همزة كما تلفظ بالإنكليزية· ومترجم منتفع آخر يترجم كتاباً تاريخياً وهو جاهل كل الجهل بتاريخ أمته، فيصبح (المقنَّع) على يديه (المكنّى) و(الحيرة) (هيرا) مثل هؤلاء أولى أن يحجر عليهم أو يكفوا عن التخريب·

 

(6)

 

مهما كانت الترجمة خيانة للأصل فلابد منها، فإن الإنسان لا يستطيع أن يلم بلغات العالم كلها، وبعض الشر أهون من بعض، ولكن على أن تكون الترجمة عن الأصل لا بوساطة لغة ثانية وإلا لم نحصل على "قفا السجادة" بل على غبارها·

لا يمكن للقارئ النبيه إلا أن ينحني احتراماً لبعض التراجمة الذين نقلوا أمهات الكتب العالمية، ولاسيما أولئك الذين استطاعوا أن ينقلوا لنا نبض النص الأصلي ونكهته المحلية، وهنا لا يمكن أن نغفل المترجم الفذ "أبوبكر يوسف" الذي جعلنا نقرأ تشيخوف وغيره بالعربية وكأننا نقرؤه بالروسية··· ولذلك مهما قلنا فإن الترجمة تظل خيانة ولكن··· جميلة!!

طباعة  

أفق
 
الهمّ السابع
 
علي عبدالفتاح
رحلة ربع قرن من الزمان في الكويت مع الأدب وبراءة عيون الأطفال في الصباح

 
أخبار ثقافية
 
في آخر جلساته معلقاً نشاطه حتى سبتمبر المقبل
الملتقى الثقافي ناقش نصوصاً قصصية لعبد الرحمن حلاق

 
قراءة رؤيوية في "جسد" سيمفونية شرقية لـ/عبدالرحمن حلاق
"الأخ الأكبر".. و.. أشباحه المتناسلة في "غابة" كتم الصوت

 
الجدار الرابع - الصفعة.. سيمفونية شرقية
 
قصة قصيرة
 
نافذة
 
أجراس