رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 2 - 8 ربيع الأول 1420هـ - 19 - 22 يونيو 1999
العدد 1381

الجدار الرابع - الصفعة.. سيمفونية شرقية

حنان عبد القادر:

إثباتا وتأكيدا لمرايا العملية الإبداعية التي هي المبدع·· القارئ·· النص نرى عبدالرحمن حلاق المبدع يضع بين أيدينا نحن·· القراء - جانبا من إبداعه وهي هذه النصوص الثلاثة، محاولا أن يحقق لنا جانبين:

الجانب النفعي·· وجانب المتعة أيضا

ويتمثل الجانب النفعي من وجهة نظري: في تلك المعاني التي أراد حلاق أن يجليها للعيون والتي تغيب عن بعضنا أو معظمنا أحيانا رغم وضوحها·

1 - نجده في قصة "الجدار الرابع" يصور لنا هذا الشاعر المعتد بنفسه والذي يرى الآخرين على باطل دائما·· يسعون الى إهانته والتقليل من شأنه، في حين أنه هو الذي دفعهم الى ما وصلوا إليه من مراكز اجتماعية ومراتب أدبية ولتضخم الأنا عند البطل وتمركزه الشديد حول ذاته فإنه لا يرى من كل العالم إلا نفسه وما يقدمه للآخرين، ويرى أنه أفضل من في الكون مكانة وفكرا، وفي الوقت نفسه لا يرى أخطاءه، ولا يريد أن يغيرها·

وفي لحظة المصارحة بينه وبين أصدقائه والتي كان هو جزءا فعالا فيها·· لم يستطع أن يعي منها شيئا لفرط غروره مما دفعه للتخلي عن رفاقه وإهانتهم ورغم ذلك ظل ينتظر عودتهم إليه فلا حق لهم في الثورة لكرامتهم ولأنه مركزهم ولأنهم يحتاجون إليه في كل شيء فسيعودون وبالتالي· نرى الإنسان الفرد الأقوى في هذا العمل لا يحصد في النهاية إلا الألم والوحدة والضياع·

2 - أما في الصفعة فنرى هذا البطل الفرد أيضا الذي يعاني من الإحساس بالقهر وعدم الثقة في النفس بسبب نمط التربية التي تعرض لها من والده رمز الكاتب به لقطاع عريض من مجتمعاتنا حيث قال "كف والدي الغليظة المتشققة من حراثة الأرض··· البنيان··· حفر الأساسات··· أو حتى حفر القبور·

هذا القطاع ليس من السهل إغفاله·· وكأن الكاتب يود هنا أن يدق جرس الإنذار كي نصلح من أساليب تربيتنا للأجيال المقبلة·· فليس هناك مجتمع يقوم على كواهل شباب يفقدون الثقة بأنفسهم وبقدراتهم وفكرهم ويعيشون مذبذبين بين ما يغرسه الآباء في أنفسهم من أصول تربية وبين معطيات المجتمع الذي يعيشون فيه·· فيصيرون لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء فيفقدون الهوية والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب·

يلوح لنا الكاتب في هذا النص بما يجعلنا نقف على طبيعة ما آل إليه حالنا اليوم·· فقد فقدنا سعادتنا، ولم نعد نعيش الحياة ببساطة لأن مشاعرنا الجميلة غطاها الصدأ·

3 - وفي سيمفونية الشرقية: يعزف لنا حلاق على أوتار الروح الممزقة داخل المجتمع·· روح الفنان الحقيقي الذي أصبحت عذوبة فنه ورقة مشاعره جريمة يعاقب عليها من "الجماعة"· حتى أنه لم يعد قادرا على أن يعيش حلمه وسط ذئاب ملأت الأفق حوله، ولكن على الإنسان أن يحلم·· ويتمسك بحلمه للنهاية، مهما كلفه الأمر·· فالحلم هو المتنفس والحياة التي لا نستطيع أن نحياها في الواقع، فليس أقل من أن نحياها في الخيال·

أما عن الجانب الاجتماعي في قصص حلاق:

دعوني أبدأ من حيث انتهيت·· ربما لأني أعد سيمفونية حلاق أحلى ما عزف لنا رغم بعض التحفظات·

أعتقد أنه عبّر بالجماعة هنا·· عن هؤلاء القابعين على أرواحنا الذين يدعون أنهم من المسلمين ولا يدينون بمبدأ واحد من مبادئه هؤلاء الذين ينشرون إرهابهم وجرائمهم في كل نواحي العالم المسلم ولقد أعجبني جدا اختياره لاسم بطلة قصته "عفاف" وهذا له دلالته الخاصة أيضا·· هذه البطلة التي وصفها حلاق في سيمفونيته بأنها "ذات ملامح البراءة والحب والقوام الرائع والجديلة الثخينة·· تقاطر عينيها ألقا وثقة"

ينتهي بها الحال على أيدي ذوي العيون الحمراء والأهداب والمخالب الى الضياع في بحورهم السوداء·

وهذا الأمجد ينتهي به الحال الى أن يرى أحلامه التي عاشها يرسمها كل لحظة في عمره تنهيها هبة موج قاتم فيعيش متجرعا المرارة، ولا يملك إلا نظرة ميتة وابتسامة ساخرة·· إذ لا بد للحلم من رناته"·

وقد نجد صراعات شخصيات حلاق في هذه الأعمال متأرجحة ما بين الصراع الذهني النفسي داخل الشخصية·· وبين الصراع ضد الظروف والأقدار، والصراع أيضا بين الشخصيات بعضها بعضا بما تملك من موروثات وميزات واتجاهات فكرية·

وإذا نظرنا الى ألفاظ حلاق·· تلك التي يصنع منها رداء أسلوبه الذي تبدو فيه أعماله لنا·· وجدناه من البساطة والوضوح بمكان، ولا تنقصه الجاذبية أحيانا·· فهو يحملنا في سيمفونيته الى أرض الزيتون التي تختبئ فيها دوالي الكروم، ونسمع معه تغريدات قلبه "العصفور" على نغمات الرست والصبا والبياتي التي تصدرها أوتار العود المصنوعة من الابتسامات والضحكات الفرحة·

أما في صفعته:

فلا نملك إلا أن نشم روائح الفل ونسائم الصباح الندي المشبع ببخور القهوة مع صوت فيروز الملائكي وآهات الناي الشجي التي تخرج من قلب بكر ما زال يحلم أن يشق طريقا في الحياة·· يمتلئ بالسعادة والحب·· ضاربا بكل ما يقيد هذه المشاعر الطيبة من قيود لا معنى لها عرض الحائط، ومحاولا أن يوصل شيئا من نقائه وبساطته الى هؤلاء الذين تكدسوا في تلك العلب الكرتونية على حد تعبير الكاتب·· لعل الصدأ الذي علق بالقلوب يرحل بلا رجعة قائلا لنفسه: "أظنني استطعت غسل بعض الصدأ المتراكم في نفوسهم"·

وقد تتركنا هذه القصة في حالة من الأسى والحزن على الروح البسيطة الناعمة الغائبة من عالمنا، والمشاعر والأحاسيس التي غطاها الصدأ في النفس البشرية ولكنها تبرز لنا الأول في أن القليل من الاهتمام بغذاء الروح·· قد يظهر معادن النفوس الأصيلة·

أما في الجدار الرابع··

فنجد الأسلوب معبراً في بساطة عن موضوع القصة، واستخدامه للألفاظ التي تبرز شخصية البطل ومشاعره·· فعلى سبيل المثال: نجده استخدم ضمير المتكلم المنفصل "أنا" سبع عشرة مرة في مقابل الضمير أنت أو أنتم سبع مرات·· هذا ناهيك عن استخدام ضمير الملكية للمتكلم عنه للمخاطب مما يدل على تفاقم وتضخم الأنا عند بطل القصة، وهذا في اعتقادي ما يود الكاتب طرحه بوضوح، وكذلك اختياره للتعبيرات مثل: أنا لب الكون وعصارته ·· أنا شاعر السندبان·· ما ذنبي أنا إن كنت وسيما وشاعرا تتهافت القنان علي كما يتهافتن على شعري؟ إني اكتشفت عريهن الثقافي·· أنا مركزهم وهم يدورون في فلكي·

وهذا كله دليل على كيفية رؤيته لذاته وغروره الشديد بها· ورغم ذلك إلا أننا نجده في النهاية وهو في هذه اللحظة من التغيب بفعل السكر تبدو له نفسه الحقيقية ويرى ما فيها من تجاعيد الزيف فيتجشأ عليها·· مما يدل على كراهيته الحقيقية لذاته·· وهو إذن واحد من هؤلاء الذين تقيأ عليهم من قبل·· على حد تعبير الكاتب·· وربما هو أسوأ منهم·

ولكني انطلاقا مما قلت في بداية حديثي من أن الأدب أو الإبداع بوجه عام يقدم لنا المتعة النفسية الوجدانية أأخذ على الكاتب استخدامه لبعض التعبيرات التي تثير نوعا من النفور في نفس القارئ حتى وإن كان الهدف هو الوصول الى هذه الحالة·· فالأديب يستطيع أن يوصل ما يريد باختيار الألفاظ الدقيقة المعبرة من دون إثارة حفيظة القارئ، وذلك مثل قوله: "قبل أن يرسم شيئا·· تجشأ التصق القيء على الجدار·· نظر إليه·· أعجبه"·

"ينظر على كامل الجسد في المرآة·· يتجشأ·· يغطي المرآة لون أصفر" نجد نفس التعبير يكرر مرة أخرى في أجمل عمل مقدم له اليوم وكأنه مغرم بالتعبير دون غيره·· يقول حلاق في سيمفونيته: "أتقيأ في وجهه·· تؤلمني كثيرا معدتي"·

أما من حيث الصوت المسيطر على أعمال حلاق المقدمة·· فهو الصوت الفرد للبطل الفرد·· ونجده واضحا في الجدار الرابع·· الذي اعتمد على المنولوج الفردي الطويل·

ويتكرر ذلك في الصفقة التي تأتي أقل حدة من الجدار الرابع· ثم تتوج بالسيمفونية التي أبرزت تفاعلات الأفراد·

طباعة  

أفق
 
الهمّ السابع
 
علي عبدالفتاح
رحلة ربع قرن من الزمان في الكويت مع الأدب وبراءة عيون الأطفال في الصباح

 
أخبار ثقافية
 
في آخر جلساته معلقاً نشاطه حتى سبتمبر المقبل
الملتقى الثقافي ناقش نصوصاً قصصية لعبد الرحمن حلاق

 
قراءة رؤيوية في "جسد" سيمفونية شرقية لـ/عبدالرحمن حلاق
"الأخ الأكبر".. و.. أشباحه المتناسلة في "غابة" كتم الصوت

 
ضوء
 
قصة قصيرة
 
نافذة
 
أجراس