الصفعة
عبدالرحمن حّلاق
لا أعرف حتى الآن كيف يتجرأ البعض ويقتحم عالم الأنثى وبكل هذه البساطة· وما زلت أذكر مذ كنت طفلا تلك الصفعة التي انهالت عليّ من كف والدي الغليظة المتشققة من حراثة الأرض وغيرها من الأعمال التي كان يمارسها تارة في البنيان، وتارة في حفر الأساسات، أو حتى حفر القبور أتحسس بعد عشرين عاما آثار أصابعه·
- اللعب مع البنات عيب·
كنت صغيرا وبعيدا عن كل ما يُعرف من أسرار الأنوثة·· كنا نلعب فقط·· وأحيانا نغني·· وكنت أحبها فقط لأننا نمرح معا·
يوم أخبروني بوفاة والدي·· لا أدري ما الذي جعلني أتحسس فجأة مكان الصفعة وعندما بكيت لم أعرف·· أكنت أبكي عليه أم أبكي من الصفعة؟!
اليوم وبعد عشرين سنة آن الأوان كي أفكر بطريقة أخرى يجب أن أخرج من هذا التابوت·
يجب أن أتجرأ قليلا وإلا أصبحت سخرية زملاء الجامعة وزملاء السكن خصوصا أن نوافذ ابنة الجيران في الدور الثالث مشرعة·· المشكلة فقط في كثرة الجيران وفي هذه الطوابق الكرتونية المتقاربة·
قررت وبكل بساطة أن أفتح حوارا معها·· لن أبدأ بلغة العيون·· بل العيون والآذان·· نعم "فالأذن تعشق قبل العين أحيانا"· سأبرز لها مهاراتي كل يوم، خصوصا أن الأمسيات الربيعية تفتق في الأنثى مشاعر جديدة، وأحاسيس جديدة فكأنها بعثت من مرحلة سبات شتوي، هكذا يقولون···
ومع حيرتي بماذا أبدأ فقد ارتأيت أن صوت الناي أقرب الى القلب إذ يفجر فيه كوامن الحنان· وبعد أن أرسل إليها سهام كيوبيد سيكون لي معها شأن آخر·· سأحبها ولن يكون ذلك لعبا أو غناء فقط·· فأبي مات منذ زمن وبت أعرف شيئا ما عن أسرار الأنوثة·
ما عليّ الآن إلا أن أفتح باب الفرندا وأخرج كرسيا وآلة التسجيل ثم أطفئ الأنوار الخارجية وأجلس وحيدا في العتمة ممسكا نايي ضاغطا مفتاح الآلة التي صدحت بأعلى صوتها:
مسيتكم بالخير يا جيران
جايي أنا خلو القمر سهران
يكفي هذا المقطع من الأغنية، سأداعب شفاه هذه القصبة النحيفة المثقبة وأترك آهاتها تسافر مع الأثير·· صوت طويل وتتفتح أمام ناظريّ مصاريع أبواب جنة تحملني آهات الناي على أجنحة غيمة بيضاء صغيرة، ألج غابة الفراشات الحسان·· أرى تنهداتهن، واستشعر دفء أنفاسهن، وما إن اقترب أكثر حتى يبتعدن بغنج ودلال·· سابحات في الأثير·
تتراقص الناي بين مقامات الآه··· تطل ابنة الجيران من شرفتها، تسترق نظرات خاطفة، تشيع بوجهها فقط عندما أرفع ناظري إليها··· لا بأس إنه خفر النساء وحياؤهن خصوصا أن الشرفات الباقية بدأت رحلة السماع·
أخيرا ستكون لي أنثى أتباهى بها أمام الزملاء فالناي أفضل محاور على الإطلاق·· لا شك أن كيوبيد هذا الذي يتحدثون عنه كان عازف ناي، نعم فنظراتها تدل على أنها تقبلت الحوار· سأواصل العزف·· وأقتحم قلبها بكل هذا الكم الهائل من الحب تحملني غيمتي البيضاء قريبا من شرفتها، تبتسم ثم تطرق خجلي من انتشار الناس كبارا وصغارا نساء وشبابا على الشرفات القريبة· تعيدني الغيمة الى شرفتي·· يتراءى لي وجه بارد القسمات، لم أتبين فيه ملامح غضب أو رضا·· تمسني نملة مكان الصفعة· أضع الناي جانبا، أتحسس بهدوء خدي الأيسر·· ترى ما الذي يريده أبي؟·
مهما يكن، لن أتراجع عن هدفي رغم تراجع من كانوا في الشرفات بعد توقف العزف·· وسأعيدهم كل يوم·· وبنايتي هذه ستشرع نوافذ، وتضاء أنوارا، سأجعل من صوت "فيروز" أداة نداء لحوار جديد كل يوم ولن أيأس·· كل·· يوم·
في اليوم التالي صدمت فيروز بمساء الخير للجيران·· لم يخرج أحد·· سأبدأ العزف·· ها هي الناي تخرجهم تباعا·· وسيم جدا هذا الشيخ الكبير بلحيته البيضاء ووجهه السمح· ترى هل يستعيد مع الناي أيام صباه؟ هل يتذكر كيف كان يفتل شاربيه لابنة الجيران؟ مؤكد أن له حواره الخاص، ومؤكد أنه الآن جد، تتدافع الآهات من صدره ليس يأسا من الحياة وإنما يأسا من ضعفه·· ما زلت شابا وها هي ابنة الجيران تطل، لن تصمد طويلا أمام حوار الناي، ستقتنع وسأحملها ذات يوم على غيمتي البيضاء الى غرفتي الحنونة يزفنا الأهل والأصدقاء والجيران· دعي هذه الابتسامة الخفية تكبر ولتجلجل ضحكاتك أيتها الماكرة الودود· لكم يخفق هذا المتعب في الصدد لرؤياك!
شهر مضى·· شهران·· بات الناس يتهافتون الى الشرفات أحيانا قبل أن تصدح بمسائها فيروز·· ليومئوا ردا للتحية· أظنني استطعت غسل بعض الصدأ المتراكم في نفوسهم·
كل ما يهمني ابنة الجيران، فأنا ما زلت لا أعرف اسمها، سأرمي لها برسالة غدا، فقد أتت تبتسم كثيرا وتنظر كثيرا·· أي حب هذا؟ يجب أن أعمق لغة الحوار·
امسك بورقة بيضاء وخط عليها:
"مساء الخير أيتها الفراشة·· بكل الأسف لم تستطع غيمتي البيضاء حملك الى شرفتي فهل أستطيع الطيران الى قلبي حيث أنت"؟·
وضع على الرسالة قطرة عطر غلفها بأناقة وانتظر على الشرفة طويلا·
- سأنتظر النهار كله·· يجب أن أقذف لها كلماتي·· وسأفاجئ الجميع بفراشتي·· أفاجئهم بأني لست قالب ثلج كما يدعون·
ها هو باب الشرفة يتحرك·· مهلا أيها القلب كفاك خوفا· إن لم أتجاوز هذه اللحظة فلن تكون لي فراشة بقية عمري·
ها هي تخرج حاملة سلة الغسيل· نظرت إليه بابتسامتها الخفية·· لوّح لها بالرسالة·· وضعت سلة الغسيل جانبا·· تراجعت الى الخلف يكلل وجهها شيء من الأسى والخوف·· رفعت يدا مرتجفة، وأشارت بالأخرى الى خاتم خطبة في إصبعها ثم دخلت، قفزت يده ودونما أن يشعر تتحسس آثار صفعة استيقظت من جديد· عاد الى غرفته يجرجر أذيال خيبة لم يفهمها·· جلس وحيدا يعاتب نايه·
- هل أخطأت بالحوار؟·· كانت تستمع كل يوم ·· وكنت أحس بها·· هل كانت ابتساماتها الخفية وما تومئ به من صنع خيالي؟·· لن أخرج بعد اليوم الى الشرفة·
نعم يجب أن أنسى·
يوم مضى·· يومان·· ما عادت فيروز تصدح بمساء الخير·· وما عادت ثقوب الناي تفتر عن غيمة بيضاء·· توالت أيام الأسبوع ثقيلة على عشاق الشرفات·· بدأ القلق يساورهم، نظرات متسائلة·· باحثة·· وأعصاب مضطربة قلقة والكل يسأل·· لماذا؟ قال أحدهم: كئيبة هذه الأيام·
وقال آخر: بل مملة ورتيبة·
وآخر·· وآخر·· تكاثرت الأقاويل تصاعدت دخانا، سحبا سوداء، انتشرت هنا وهناك ومن شرفة بعيدة·· بعيدة·· أطل صوت ناي نحيل يحاول غسل ما تراكم على الجدران البيض من سخام أسود·