· بقيت كوسوفا ضمن أملاك الدولة العثمانية ما يقرب من خمسة قرون، وكانت أغلبية سكانها - عندما دخلها العثمانيون - من الألبان الكاثوليك، ولم يكن فيها سوى أقلية قليلة من الصرب الأرثوذكس، وقد اعتنقت غالبية السكان الإسلام عن رغبة واقتناع لا قهراً وإجباراً كما يزعم بعض المؤرخين
· خرج ميلوسوفيتش من اتفاقية دايتون أشد قوة، حيث مكنته هذه الاتفاقية من الهيمنة المطلقة على صربيا وأطلقت قبضته الحديدية على كوسوفا، وداعبه الدبلوماسيون الغربيون وشكروه على تعاونه في جهود السلام
· جاء على لسان "فلادان ديوردييفتش رئيس وزراء صربيا سابقا أنه "لا يوجد ألبان حقيقيون إلا في المناطق النائية وأنه حتى وقت قريب كان الألبان مثل الغجر والفينيقيين "يقصد اليهود" لهم ذيول مثل القرود"
· يحاول الصرب تصوير قضية كوسوفا على أنها قضية إقليم صربي، الصرب فيه هم السكان الأصليون، ولكن به أقلية وافدة من دولة مجاورة هي ألبانيا، جلبتها قوة أجنبية هي الدولة العثمانية إبان احتلالها للمنطقة، وقد نجح الصرب في تسويق هذه الأكذوبة إلى العالم وإلينا
حمد يوسف عدس**
لعبت كوسوفا دوراً مهماً في تاريخ البلقان بصفة، عامة، وفي تاريخ الدولة العثمانية بصفة خاصة، ولكنها مع ذلك ظلت مجهولة من سكان أوروبا الغربية حقبة طويلة كانت خلالها لغزاً خفياً، فقد تركزت معرفة الغربيين بمنطقة وسط البلقان على الدروب المطروقة للأغراض التجارية والعسكرية، وكانت كوسوفا بعيدة عن هذه الدروب·
وقد تآزرت على عزلة كوسوفا عوامل تاريخية وأخرى جغرافية· فمن الناحية الجغرافية تمثل كوسوفا بأرضها وتضاريسها وحدة متميزة تحيط بها جبال الألب الشاهقة كما يحيط السوار بالمعصم، وتمتد في وسطها هضبة مرتفعة يشقها من وسطها تلال تمتد من الشمال إلى الجنوب لتقسم أراضي كوسوفا إلى شقين متساويين في المساحة يعرف الشق الغرب منها باسم "ميتوهيا" مما يكره الكوسوفيون ترديده، بل يطلقون على جيمع الأراضي اسم كوسوفا وقديماً نطقها العثمانيون "قصوه"· تشق سلاسل الجبال مجموعة من الأنهار لتروي أراضي الهضبة، ثم تخرج منها متجهة إلى مصباتها الثلاثة: بحر إيجه، واليحر الأسود والبحر الأدرياتيكي·
وتضيف الجيولوجيا أهمية اقتصادية خاصة لكوسوفا، حيث يضمن قسمها الشرقي أعظم مصدر للثروة المعدنية في جنوب شرق أوروبا، ففي مناجم "تربيتا" وحدها يوجد أكبر مصادر الرصاص والزنك في أوروبا، هذه الثروة المعدنية جعلت كوسوفا هدفاً لغزو الجيوش منذ أيام الرومان إلي العصر الحديث، ففي الحرب العالمية الثانية حرص هتلر على أن يبسط سيطرته على كوسوفا وكانت القطارات تنقل يومياً خمسمئة طن من معدني الرصاص والزنك من "تربيتا" إلى المصانع الحربية في ألمانيا·
أما من الناحية التاريخية فقد اكتسبت كوسوفا أهمية عسكرية أخرى، حيث أدرك صناع الإمبراطوريات من وقت مبكر أن من يتحكم في هضبة كوسوفا الحصينة يسهل عليه السيطرة على البوسة وما وراءها من الأراضي الممتدة حتى شمال ألمانيا· هكذا نظرت إليها الدولة العثمانية والإمبراطورية النمساوية· ومن هنا ترجع أهمية معركة كوسوفا الأولى سنة 1389م والثانية سنة 1448، اللتين حسمتا الصراع في البلقان لصالح العثمانيين عدة قرون·
العثمانيون
ظلت كوسوفا جزءاً من الدولة العثمانية قرابة خمسة قرون ازدهرت الحياة فيها خلال القرنين الأولين ازدهاراً لم تشهده البلاد من قبل ولا من بعد، فقد ساد فيها أسلوب الحياة العثمانية والنموذج الإسلامي الذي قدمه العثمانيون إلى هذه المنطقة من أوروبا، وكانت الدولة العثمانية حينذاك هي العالم الأول ومركزه الحضاري والتقدم في العالم، بينما كانت أوروبا غارقة في ظلمات، العصور الوسطى رازحة تحت وطأة الإقطاع وطغيان الكنيسة·
وكان الزي السائد هو الزي العثماني وكذلك أسلوب السلوك العام، وكان هذا المشهد مصدر خلط وسوء فهم من جانب الرحالة الأوروبيين، فقد اعتقدوا أن هذا المظهر دليل على أن الشخص الذي يلتزم به لابد أن يكون تركيا، وبالضرورة مسلما في حين أنه قد لا يكون تركيا ولا حتى مسلما، ومن ثم شاعت هذه الأخطاء في كتابات الرحالة الأوروبيين ولم يسلم من التعصب ضد هذا المظهر العثماني حتى "بايرون" الشاعر الإنجليزي الشهير·
وهنا معضلة يصعب على المثقفين حلها وأحسب أنها ستبقى كذلك لفترة من الوقت؛ لأن حلها يحتاج إلى جهد ذهني وإلى صبر على مشاق البحث والتنقيب وهو أمر لم نتهيأ له بعد، لأن مشكلات البلقان لم تزل بعد بعيدة عن بؤرة الاهتمام العام·
لكن سبقنا في محاولة فهمها المؤرخون والباحثون الأوروبيون والأمريكيون الذي يعكفون الآن على دراسة الوثائق العثمانية التي أخرجتها الحكومة التركية حديثاً من ظلمات المخازن إلى أرفف المكتبات· كان الباحثون الغربيون هم أول من انكب على هذه الوثائق يريدون أن يكتشفوا سر ذلك التماسك المذهل الذي تميز به نسيج الدولة العثمانية قروناً، وهذا الامتزاج الفريد بين رعايا دولة يمثلون حشدا من المجموعات البشرية المتباينة في أصولها العرقية واللغوية والدينية وفي ثقافاتها وأعرافها وأمزجتها، وينتشرون على مساحات شاسعة من الأراضي، بينما لم تستطع الإمبراطورية السوفييتية أن تصمد إلا بضعة عقود رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، وأنظمتها الإدارية والأمنية التي كانت تحصي على الناس أنفاسهم في عقر دورهم·
شهد القرن التاسع عشر مولد القوميات بين شعوب البلقان، ولم يكن ألبان كوسوفا استثناء من هذه النزعة، ومن ثم تفجرت الانتفاضات الوطنية والثورات العارمة، وقد تركزت مطالب الألبان في أول الأمر حول الإصلاحات الإدارية والضريبية والحكم الذاتي الذي يجمع كل الألبان في كوسوفا وألبانيا ومقدونيا واليونان في دولة وطنية واحدة ضمن الإطار العام للدولة العثمانية·
ولكن عندما انقضت حكومة الاتحاد والترقي على الباب العالي وخلعت السلطان عبدالحميد الثاني من السلطة صدم الألبان صدمة مروعة لم يبرأوا منها بعد ذلك أبدا، فقد كانت شخصية السلطان العثماني عند الألبان هي الخيط السحري الذي يربط بينهم وبين دولتهم الكبرى، فلما أصيب الرمز انهارت العلاقة المقدسة وانفرط عقدها، أدرك الألبان أنهم أصبحوا وحدهم أمام غزروة صليبية تدق عليهم الأبواب·
دراسات نويل مالكوم
يعلق المؤرخون والصحفي البريطاني نويل مالكوم على هذه النقطة فيشير إلى أن فريقا من الباحثين الغربيين بدأ اليوم يعيد النظر في كل ما كتب وشاع عن الدولة العثمانية بعد أن تبين لهم مدى ما ألصق بتاريخها من افتراءات ظالمة، حيث يرون أنه ليس من الإنصاف ولا من مقتضيات المنهج العلمي تعميم أحكامنا بشأن الأوضاع المتردية في الدولة العثمانية خلال عصر أفولها على جميع الأوضاع والمؤسسات العثمانية في كل العصور·
ولا شك أن نويل مالكوم نفسه هو أحد أبرز هؤلاء الباحثين المنصفين الذي أخذوا على عاتقهم مهمة التحري عن الحقيقة، يلتمسها في مصادرها الصحيحة ويجمع حول النقطة الواحدة كل ما أتيح له من وثائق ويمضي في دأب ومثابرة يقارن بينها ويتحرى عن أصحابها ولا يطلق حكمه عليها إلا عندما يستقصي كل الملابسات التي أحاطت بها، يدعمه في ذلك إجادته لعدد من اللغات الأوروبية إلى جانب اللغة التركية والصربوكرواتية، علاوة على تمتعه بذلك الحس الصحفي النادر الذي اكتسبه خلال رحلاته في يوغوسلافيا السابقة واختلاطه الحميم مع أفراد شعوبها المختلفة سواء في المدن أو القرى·
أول ما عرفته كان من خلال مقالاته وتحليلاته السياسية في الصحف البريطانية أثناء الحروب اليوغوسلافية حيث لفت نظري بمنطقه القوي وحججه التي ساقها وهو يتهم حكومته والحكومات الغربية بالتقصير في نجدة شعب البوسنة ثم في التراخي غير المبرر في وقف عمليات التطهر العرقي التي شنتها صربيا ضد الشعب الألباني في كوسوفا·
صدر له في هذا السياق كتاب سنة 1994م عن قضية البوسنة بعنوان (البوسنة: تاريخ مختصر)، ثم أعقبه بكتاب أكبر منه عن كوسوفا بعنوان (كوسوفو تاريخ مختصر) ويعتبر الكتابان من أهم ما صدر في هذين الموضوعين في بريطانيا، وقدر لي أن تطول إقامتي في لندن منذ فبراير 1992 عندما بدأت أجمع مادة تساعدني على فهم ما يجري من أحداث مذهلة في يوغسلافيا وعلى استيعاب حقيقة الأعمال الوحشية التي مزق بها الصرب شعبا ودمروا دولة وليدة هي البوسنة والهرسك وتبين لي حينذاك أن بذور هذه الحرب ومقدماتها وقعت في أرض كوسوفا قبل أن تمتد إلى سلوفيتيا وكرواتيا والبوسنة، وبدأت أفهم مقولة بعض الكتاب إن الحرب اليوغسلافية بدأت في كوسوفا وسوف تعود إليها أو تنتهي فيها·
خلال الثمانينيات كانت هناك حملات إعلامية صربية تفجرت بعد موت الرئيس جوزيف بروز تيتو، موجهة إلى تيتو نفسه، متهمة إياه بأنه دعّّم الشعوب والقوميات الأخرى على حساب الشعب الصربي والقومية الصربية، وأنه سمح بقيام جمهوريات وكيانات سياسية ذات حكم ذاتي لتفتيت الشعب الصربي بين هذه الكيانات، وفي ذلك إشارة إلى جمهورية البوسنة والهرسك، وإقليمي الحكم الذاتي في كوسوفا وفويفرينا·
وكان من أهم التهم التي وجهها الصرب إلى تيتو هي صداقته للدول العربية والمسلمة في إطار توجهه نحو حركة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وفي هذا يقول ميرولوب إيفيتتش (أستاذ مساعد في كلية العلوم السياسية بجامعة بلغراد) في لقاء صحفي نشر بمجلة دوجا اليوغسلافية في 22 ديسمبر 1989، يقول:
إن تيتو كان مخطئا في هذه الخطوة خطأ فاحشا لأنه كان يتوهم أنه ينشىء علاقات مع دول متحضرة مثلنا، ولكن تبين أنها بلاد متخلفة موبوءة بالأصولية الإسلامية التي انتقلت إلينا، وأن العرب والمسلمين لديهم استراتيجية للسيطرة على العالم تبدأ من إحياء الإسلام أولا في يوغوسلافيا ثم تمتد منها إلى بقية الدول الأوروبية·
انتقلت الحملة الإعلامية بعد ذلك لتنصب على المسلمين والإسلام في يوغوسلافيا وعلى الأخص في كوسوفا والبوسنة، وشاع الكلام عن مؤامرة إسلامية ضد الصرب متمثلة في الزيادة الجنونية في عدد المواليد بين الأسر الألبانية، وأن الألبان قد استغلوا الحكم الذاتي لاضطهاد الصرب وطردهم من كوسوفا، والحقيقة أن خروج الشبان الصرب والألبان في كوسوفا إلى الجمهوريات اليوغسلافية إنما كان باعثه هو البحث عن فرص أفضل للعمل والعيش؛ لأن كوسوفا كانت أفقر المناطق اليوغوسلافية وأكثرها تخلفا، بينما كانت سلوفينيا وكرواتيا وصربيا تشهد ازدهاراً اقتصادياً وتدفقا سياحيا وتحفل بمباهج الحياة التي تجتذب الشباب·
انبعاث القومية الصربية
ولكن اعتبر القوميون الصرب هذا النزوح مؤامرة إسلامية سرها المواليد الألبان، وكان من المستحيل في ذلك الوقت إقناعهم بالمنطق خلاف ذلك، فقد انبعثت القومية الصربية في ظلمات اللاشعور حدثا تلقائيا ولا كان سببه عدوانا حقيقيا من أحد، وإنما كان عملا منظما خططت له القيادات الصربية وبثته على أوسع نطاق على الجماهير الصربية خلال أجهزة إعلامية أصبحت في قبضة مجموعة من القادة رأوا مصلحتهم ومستقبلهم في ركوب هذه الموجة القومية لتحقيق مشروعهم في إقامة صربيا الكبرى على أشلاء الشعوب اليوغوسلافية الأخرى، لذلك انسحبت سلوفينيا من الاتحاد السوفييتي وتبعتها كرواتيا، وخشيت البوسنة أن تبقى وحدها في الاتحاد اليوغوسلافي الجديد فيفترسها ميلوسوفيتش، ومن ثم أعلنت الاستقلال، ويعرف العالم بقية السيناريو المأساوي الذي نزل بشعب البوسنة وجمهوريتها· ثم انسحبت بعد ذلك مقدونيا، وبذلك انهار الاتحاد اليوغوسلافي السابق، فلم يبق مع صربيا بالمؤامرة سوى جمهورية الجبل الأسود وهي دولة صغيرة لا يصل عدد سكانها إلى نصف مليون، وكوسيفا - يبطش الآلة العسكرية - وفويفورينا بنفس الأسلوب التآمري والغوغائية التي اتسم بها عهد ميلوسوفيتش· وقبل أن تنهار يوغوسلافيا عمليا كانت قد انهارت فكرياً وأيديولوجيا بظهور القومية الصربية المتطرفة التي استبدلت الخطاب الماركسي الرصين في وسائلها الإعلامية بخطاب غوغائي يلهث بالأكاذيب والافتراءات ويعبئ الجماهير لقتال جيرانهم بافتراض مؤامرات وهمية يدبرونها لهم·
وكان أول مسمار في نعش يوغوسلافيا تيتو هو تلاعب ميلوسوفيتش بدستور 1974، وإلغاء الحكم الذاتي لكوسوفا وإغلاق برلمانها، ونزول الدبابات في شوارع العاصمة بريشتينا·
ذهبت يوغوسلافيا ولم يبق على الساحة سوى صربيا الكبرى بوجهها القبيح·
كانت كوسوفا هي الساحة التي جرب فيها ميلوسوفيتش قدراته لأول مرة على مواجهة الجماهير والتلاعب بمشاعرهم، وكانت منصة انطلاقه الصاروخي نحو قمة السلطة في بلجراد· وفي كوسوفا جرب ميلوسوفيتش قواته العسكرية والبوليسية وعصاباته الصربية المسلحة على قمع الجماهير الألبانية وبث الرعب بينهم، فلما نجح انطلق ينفذ مخططاته العداونية في جمهوريات يوغوسلافيا الأخرى·
أصل الصرب والألبان
يحاول الصرب تصوير قضية كوسوفا على أنها قضية إقليم صربي، الصرب فيه هم السكان الأصليون، ولكن به أقلية وافدة من دولة مجاورة هي ألبانيا، جلبتها قوة أجنبية هي الدولة العثمانية إبان احتلالها للمنطقة، وقد نجح الصرب في تسويق هذه الأكذوبة إلى العالم وإلينا فأصبحنا نردد في إعلامنا عبارات: الأقلية الألبانية، وسكان كوسوفا المنحدرون من أصل ألباني، والانفصاليون وصفا لحركة المقاومة الكوسوفية الوطنية أو ما يسمى بجيش تحرير كوسوفا· ولم يبق سوى أن نصفهم بالإرهابيين لنكون قد تبنينا الأكذوبة الصربية بحذافيرها·
في حين أن العكس هو الصحيح، فالألبان هم السكان الأصليون أحفاد القبائل الألبانية التي عاشت وسيطرت على المنطقة الممتدة من الساحل الأدرياتيكي إلى قلب البلقان شاملة ما يعرف حديثاً باسم ألبانيا وكوسوفا وأجزاء من مقدونيا والجبل الأسود واليونان· هذه القبائل تنتمي إلى عناصر إليريانية قديمة في أوروبا وتنتمي لغتهم إلى أحد الفروع اللاتينية· وأطلق عليهم الألبان نسبة إلى جبال الألب وليس لأنهم نازحون من الكيان السياسي الحديث المسمى بألبانيا ومن هنا جاء الالتباس·
المهم أن هذه القبائل الألبانية كانت مستقرة لقرون طويلة في كوسوفا وما حولها قبل أن تطأ أقدام الصرب أرض البلقان· فالصرب وهم قبائل تنتمي إلى كتلة السلافيين كانوا يسكنون في شرق أوروبا شمال نهر الدانوب ولم يعبروا هذا النهر إلى منطقة البلقان إلا في القرن السابع الميلادي عندما استدعاهم الإمبراطور البيزنطي "قسطنطين بروير جينيتوس" لمساعدته في طرد الغزاة الأفار·
استقر الصرب بعد ذلك في منطقة راشكا ولم يتوسعوا نحو كوسوفا إلا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي عندما تعاظمت قوتهم العسكرية في عهد المملكة النيمانية فانتهزوا فرصة ضعف الإمبراطورية البيزنطية وما نشب فيها من حرب أهلية ليزحفوا على أراضي كوسوفا ويقتطعوها من الإمبراطورية، واحتل الصرب كوسوفا لمدة قرنين من الزمان، حتى جاء العثمانيون ليحطموا كل القوى العسكرية في البلقان ويخضعوا المنطقة كلها لسطانهم بما في ذلك كوسوفا وصربيا والقسطنطينية نفسها·
بقيت كوسوفا ضمن أملاك الدولة العثمانية ما يقرب من خمسة قرون، وكانت أغلبية سكانها - عندما دخلها العثمانيون - من الألبان الكاثوليك، ولم يكن فيها سوى أقلية قليلة من الصرب الأرثوذكس، وقد اعتنق غالبية السكان الإسلام عن رغبة واقتناع لا قهرا وإجبارا كما يزعم بعض المؤرخين المتحيزين، وأصبح الألبان من أقوى جنود الدولة العثمانية وأكثرهم إخلاصا، وكانت ثقة السلاطين العثمانيين في جدارتهم كبيرة، فجعلوا منهم القادة العسكريين والوزراء العظام الذين شاركوا في حكم الدولة العثمانية والدفاع عنها، وكان منهم الولاة الذين لا يحكمون كوسوفا فقط، بل حكموا ولايات أخرى مثل محمد علي باشا والي مصر·
إسلام كوسوفا
وفي موضوع دخول الأوروبيين من أبناء البلقان إلى الإسلام يخصص نويل مالكوم فصلين في كتابيه عن البوسنة وكوسوفا، يفند فيها مزاعم الصرب وغيرهم، وينفي عن الدولة العثمانية أي رغبة أو محاولة لإجبار المسيحيين على الدخول في الإسلام، ولا هي كانت معنية بهذا الأمر أصلا، ولم يشكل جزءا من سياستها، وإنما عاملت رعاياها مسلمين ومسيحيين ويهودا وغجرا على أساس من المساواة، ويؤكد أن سماحة الإسلام كانت من عوامل جذب الناس إلى هذا الدين، وأن من أهم الأسباب في ترك الناس للمسيحية - في نظره - كان راجعاً إلى فساد الكنيسة وضعفها وعدم وجود دعاة مسيحيين راشدين يتمتعون بالعلم والأخلاق·
إذن لم يكن العثمانيون في حاجة إلى أن يطردوا الصرب الأرثوذكس من كوسوفا ولا أن يجلبوا إليها مسلمين من ألبانيا ليملأوا الفراغ المزعوم، لأن الألبان الكوسوفيين كانوا ملء الساحة عندما كانوا كاثوليكيين، وظلوا ملء الساحة وهم مسلمون، تماما كما أسلم السلاف في البوسنة والهرسك وكرواتيا وصربيا نفسها·
تزييف التاريخ
ولدى الصرب عادة قديمة فهم إذا لم يجدوا من الحقائق التاريخية ما يساند مزاعمهم يلجأون إلى الافتراءات والأساطير، ينسجونها من خيالهم ويطلقونها أشعاراً وملاحم، وتصبح الأسطورة بعد ذلك مرجعا للكتابة التاريخية تحرم مناقشتها· ومن أبرز هذه الأساطير اثنتان: أسطورة معركة كوسوفا، وأسطورة الخروج الكبير· يحاولون بالأخيرة إثبات أن الصرب كانوا يمثلون الأغلبية في كوسوفا وأن العثمانيين هم الذين عكسوا هذه المعادلة السكانية بطرد الصرب منها ويحاولون بالأسطورة الأولى أن يثبتوا أن كوسوفا هي مهد الصرب ومستودع أسرارهم المقدسة، كما يتردد على ألسنة بعض المعلقين الذين يجلسون في مكاتبهم مسترخين بالخارج يستقبلون مطبوعات وزارة الإعلام الصربية ثم يرددون ما فيها من أكاذيب كالببغاوات لتنشر في صحفنا ووسائل إعلامنا من دون تمحيص·
أسطورة الخروج الكبير
خلاصة أسطورة الخروج الكبير أو (فيليكا سيوبا) كما يسميها الصرب، أن العثمانيين في سنة 1689 أرادوا معاقبة الصرب على انحيازهم للغزو النمساوي لكوسوفا فلما استعادوها طردوا البطريرك الصربي "أرسينيا الثالث" ومعه أربعمئة ألف صربي من كوسوفا وأحلوا محلهم مسلمين من ألبانيا· وقد توجه البطريرك في حشد مهيب إلى المجر بدعوة من الإمبراطور النمساوي· ولتدعيم هذه الأسطورة أضفى عليها الكتاب بعد ذلك بعداً أيديولوجيا شبهوا خروج الصرب من كوسوفا بمرحلة موت المسيح ودفنه، على اعتبار أن المرحلة السابقة التي تمثل طلب المسيح هي معركة كوسوفو التي قتل فيها الأمير "لازار" سنة 1389، أما المرحلة الثالثة التي تتوازى مع قيام المسيح فهي غزو الصرب لكوسوفا واحتلالها سنة 1912·
يفند هذه الأسطورة المؤرخون المحدثون ومنهم نويل مالكوم بعد أن بحثوا الوقائع المتصلة بها في الوثائق النمساوية والألمانية والإيطالية، ونوجز تفنيدهم في ثلاث نقاط:
أولاً: لم يستدع الإمبراطور النمساوي "ليوبولد الثاني" البطريرك الصربي هو ورعيته للإقامة في المجر، كما تزعم الأسطورة ولكن على العكس من ذلك تماماً فقد كانت رسالة الإمبراطور تحث البطريرك على البقاء في كوسوفا ومواصلة حفز الأرثوذكس على الثورة ضد العثمانيين حتى تأتيهم النجدة النمساوية·
ثانياً: عثر الباحثون على رسالة للبطريرك الصربي كان قد بعث بها إلى إمبراطور النمسا يصف له أوضاع اللاجئين الصرب في المجر مستعجلاً مساعدات الإمبراطور يقول فيها: "لقد حضر هنا رجال مع زوجاتهم وأطفالهم في حالة تعيسة وأصبح عدد المهاجرين ثلاثين ألف نفس"، ومعنى هذا على حد قول البطريرك نفسه أن اللاجئين الصرب كانوا ثلاثين ألفا لا أربعمئة ألف·
وقد كشفت الوثائق إلى جانب هذا أن الصرب النازحين من كوسوفا بالذات لم تزد نسبتهم على ربع عدد اللاجئين والباقي جاء من بلجراد وغيرهم من المدن الصربية، وأن هؤلاء الفارين كانوا ممن حمل السلاح وحاربوا العثمانيين مع القوات النمساوية الغازية· يعنى أن الصرب الذين خرجوا من كوسوفا كان عددهم أقل من ثمانية آلاف شخص لا أربعمئة ألف· وأنهم لم يخرجوا مع البطريرك في حشد مهيب، وإنما تقاطروا على المجر في فترة ممتدة تزيد على السنة، وهكذا تتهاوى أركان الأسطورة ويبطل مفعولها الطلسمي·
أسطورة كوسوفا
أما أسطورة كوسوفا فتتعلق - كما ذكرنا - بالمعركة التاريخية الشهيرة التي جرت سنة 1389م في موقع يسمى "كوسوفابوليا" بين القوات العثمانية وبين جيش صربي كان قائده "لازار" ملك الصرب· وعندما نقول أسطورة كوسوفا" لا نقصد أن المعركة لم تقع أو أن كل ما قيل عنها كلام خرافي، ولكن نقصد أن القليل جداً من الحقائق الأساسية هو المعروف على وجه اليقين، وأما باقي الوقائع والأحداث فقد كتب عنها أنهار من الشعر والنثر الصربي كله محض خيال جامح وأكذيب، جرى تغييرها وتجميلها على مر العصور، بما يتناسب مع الظروف التاريخية المتغيرة، واكتسبت قداسة دينية تفوق قداسة أي نص ديني آخر في الكنيسة الصربية وخصوصا بعد أن جعلت الكنيسة من لازار قديسا شهيرا وأضفت على مقتله أبعادا درامية وأحاطت شخصيته بشعائر تعبدية أصبحت تقليدا راسخا في الكنيسة الأرثوذكسية الصربية إلى اليوم·
ومع ظهور القومية الصربية في القرن التاسع عشر صيغت الأسطورة صياغة أيديولوجية جديدة لحث الصرب على الثورة ضد العثمانيين، وهكذا أصبحت الأسطورة طلسما سحريا غائرا في نسيج الهوية القومية للصرب·
وقد رأينا أن أسطورة كوسوفا قد استخدمت كمصدر أيديولوجي لتدعيم عمليات الإبادة ضد المسلمين في البوسنة، واستغلها "سلوبودان ميلوسوفيتش"، فقد رتب القوميون الصرب احتفالا في 28 يونيو 1989 بمناسبة مرور ستمئة عام على معركة كوسوفا، وبدأ ميلوسوفيتش وأعوانه مبكراً الاستعداد لهذا الاحتفال فأخرجوا عظام القديس لازار ووضعوها في صندوق أداروه أسابيع على جميع الكنائس في أنحاء صربيا ودُعي الأرثوذكس لزيارة القديس الشهيد والبكاء عليه، وكانت تباع في الكنائس صورة تجمع بين ثلاثة أقانيم "المسيح والقديس لازار وميلوسوفيتش وحشد يوم الاحتفال مليون صربي من أنحاء يوغسلافيا في المكان الذي وقعت فيه معركة كوسوفا التاريخية، وكانت جميع القنوات التلفازية، والمحطات الإذاعية تذيع الاحتفال على الهواء، وأمام كاميرات المصورين ظهر ميلوسوفيتش وحوله كوكبة من القسس بثيابهم السوداء ذات الأشرطة اللامعة، وانتشرت حوله مجموعة من أفراد البوليس السري اليوغوسلافي بنظاراتهم الشمسية المشهورة·
وفي هذا الحشد الجماهيري الذي أجاد القوميون الصرب تنظيمه انطلقت كلمات ميلوسوفيتش وهو ينتفض حماسا حيث قال: "إن المعركة من إجل تحقيق آمال شهداء كوسوفا سوف تستمر بكل الوسائل ولن يهزم الصرب بعد اليوم"·
استعمار عنصري
للصرب في كوسوفا مزاعم لا تنقضي ربما من أهمها وأخطرها زعمهم بأنها جزء من صربيا تماما كما كانت فرنسا تزعم أن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، ولذلك يفند نويل مالكوم هذا الزعم متطرقا إلى الجوانب القانونية والتاريخية والسياسية، معززا رأيه بالممارسات العملية التي التزمتها صربيا تجاه شعب كوسوفا المسلم، فلم تعتبر ألبان كوسوفا - في أي وقت - مواطنين لهم نفس حقوق المواطنين الصرب الآخرين، وإنما عاملتهم كما يعامل المستعمرون الشعوب المستعمرة، وكان للصرب ولايزال أهداف استراتيجية لتجريد ألبان كوسوفا من أرضهم وطمس لغتهم وثقافتهم الخاصة وإنكار هويتهم القومية المتميزة وإفقار مجتمعاتهم واضطهادهم حتى تجعل من حياتهم جحيما·
وفي الوقت الذي يزعم فيه الصرب أن الألبان أصلهم صربي ولكنهم انحرفوا باعتناقهم الإسلام وإصرارهم على اللغة الألبانية، نرى دعوى أخرى تقول إن الألبان ليسوا بشرا مثل بقية الناس، فقد جاء على لسان "فلادان ديوردييفتش" وكان رئيس وزراء صربيا سابقا أنه "لا يوجد ألبان حقيقيون إلا في المناطق النائية "هؤلاء هم الألبان الكاثوليك·· وإنه حتى وقت قريب كان الألبان مثل الغجر والفينيقيين اليهود لهم ذيول مثل القردة"·
وتلك نظرة استعمارية استعلائية وليست نظرة إلى مواطنين متساوين في الأهلية والحقوق، وهي تعبير أمين عن العلاقة الحقيقية بين دولة صربيا وشعب كوسوفا· وهناك برنامج كامل لاحتلال استيطاني صربي بدأت حكومة يوغوسلافيا الملكية تنفذه في كوسوفا بعد احتلال الصرب لها سنة 1912 ولم يتوقف إلا أثناء الحرب العالمية الثانية عندما طردهم الألمان من كوسوفا، وظل متوقفا في عهد يوغوسلافيا تيتو، ولكنه عاد إلى الظهور مرة أخرى في عهد ميلوسوفيتش·
برنامج ميلوسوفيتش في الاحتلال الاستيطاني:
سنة 1990م أصدرت صربيا سلسلة من القوانين وأمرت بإجراءات استهدفت تدمير البنية الأساسية للشعب الألباني وتعزيز سيطرة الأقلية الصربية عليه، من هذه الإجراءات:
1 - إنشاء مجالس محلية مقتصرة على الصرب في المناطق ذات الأكثرية الصربية·
2 - تركيز جميع الاستثمارات في المناطق ذات الأغلبية الصربية·
3 - بناء منازل جديدة للصرب لتشجيع من هاجر منهم على العودة إلى كوسوفا وجذب صرب آخرين للإقامة فيها·
4 - إقامة مراكز لتحديد النسل في مناطق المسلمين فقط·
5 - إلغاء شرعية امتلاك الألبان لأي عقارات أو أراض سبق لهم شراؤها من الصرب، وفي الوقت نفسه مساعدة الصرب في شراء الأراضي والعقارات من الألبان بثمن بخس أو عن طريق المصادرة·
6 - اشتمل قانون الأراضي على حق أي صربي يرغب في استيطان كوسوفا أن يمتلك خمسة هكتارات من الأراضي بالمجان·
فلما قامت المظاهرات في كوسوفا احتجاجا على هذه الإجراءات نزلت الدبابات الصربية إلى الشوارع لإرهاب الناس وأصدرت السلطات سلسلة أخرى من القرارات الاستعمارية في 26 يونيو عام 1991م أطلقت عليها الحكومة الصربية (إجراءات مؤقتة) ولكنها استمرت إلى اليوم:
أولاً: منع صدور أي صحف منشورة باللغة الألبانية·
ثانياً: إلغاء المدارس الألبانية وإغلاق جامعة بريشتينا وتسريح طلابها·
ثالثاً: إغلاق أكاديمية العلوم والآداب في كوسوفا·
رابعاً: إغلاق محطة الراديو والتلفاز الألبانية·
خامساً: طرد جميع المدرسين العاملين في القطاع العام·
سادساً: طرد الموظفين الألبان العاملين في القطاع العام·
سابعاً: طرد ثمانين ألف عامل ألباني من وظائفهم في المصانع·
ثامناً: طرد جميع الأطباء الألبان والعاملين في المجال الصحي·
تاسعاً: إلغاء التحصين الدوري لأطفال الألبان (مما تسبب في رفع نسبة الوفيات بينهم من أمراض بسيطة مثل الحصبة)·
وهكذا بفرمان صربي واحد أحالت الحكومة شعبا بأكمله إلى الاستيداع ليلحق بجيش العاطلين والمتسولين، ولكي تكمل الدائرة الجهنمية أغلقت مؤسسة الأم تريزا الخيرية التي كانت تطعم 25 ألف جائع ألباني· وفي تنفيذ هذه الإجراءات ارتكبت السلطات الصربية أبشع الجرائم ضد الأفراد لمجرد الاشتباه في المقاومة، وتحفل سجلات منظمة العفو الدولية بتقارير مفصلة عن أنواع الجرائم التي شملت قتل أطفال المدارس وضرب مدير أكاديمية العلوم والآداب الكوسوفية حتى تحطمت عظام فكه وأنفه وألقي في الطريق العام مغشيا عليه وهو ينزف دما·
إبراهيم روجوفا والمقاومة السلمية
في 2 يوليو 1990م تحرك أعضاء برلمان كوسوفو الذي كان لايزال قائما آنذاك لمناقشة الإجراءات التعسفية التي اتخذها ميلوسوفيتش بإلغاء الدستور الفيدرالي لسنة 1974م، وهو الإلغاء الذي ترتب عليه سلب حقوق كوسوفو في الحكم الذاتي، وفوجىء رئيس البرلمان وهو صربي من أعوان ميلوسوفيتش فأعلن تأجيل المناقشة إلى الخامس من يوليو، فلما جاء النواب في الموعد المحدد وجدوا أبواب البرلمان مغلقة فأصروا على عقد جلستهم خارج مبنى البرلمان بحضور 114 عضوا من مجموع النواب البالغ عددهم 123 ووافقوا بالإجماع على إلغاء ما جاء بالدستور الصربي الخاص بكوسوفو، وقامت السلطات الصربية على الفور بحل البرلمان وحل الحكومة الألبانية·
وفي سبتمبر من العام نفسه اجتمع نفس الأعضاء في بلدة كتشانيك بسرية تامة وأعلنوا قيام جمهورية كوسوفو، وفي سبتمبر من العام التالي نجح الألبان في تنظيم استفتاء عام لجعل كوسوفو جمهورية ذات سيادة، اشترك في هذا الاستفتاء 99 في المئة من مجموع الناخبين وافقوا بأغلبية 87 في المئة على الجمهورية المستقلة·
وفي 24 مايو 1992 أجريت انتخابات على نطاق واسع استخدمت فيها منازل المواطنين كلجان انتخابية، وتم انتخاب أعضاء مجلس البرلمان الجديد وأعضاء الحكومة، واختير إبراهيم روجوفا رئيسا للجمهورية·
كان لنشاط جمعية الفلاسفة وعلماء الاجتماع وجمعية كتاب كوسوفو أكبر فضل في تنظيم وقيادة هذه الانتخابات الناجحة، وأصبحت جمعية كتاب كوسوفو مركز المعارضة القوية ضد السلطات الصربية وسياساتها القمعية في كوسوفو ومن بين نجاحاتها عقد مؤتمر أصدر احتجاجا قام أربعمائة ألف من أبناء شعب كوسوفو بالتوقيع عليه·
وأصبح الدكتور إبراهيم روجوفا - وهو أستاذ جامعي ورئيس الجمعية ومؤلف مشهور - قائدا لهذه الحركة الجماهيرية التي تأسست رسميا في ديسمبر 1989 وسميت باسم "الرابطة الديمقراطية لكوسوفو" وهي أشبه ما تكون بحركة تضامن البولندية مزيجا من حزب سياسي وحركة جماهيرية تضم في عضويتها سبعمائة ألف ألباني، وتتلخص السياسة الأساسية لإبراهيم وحزبه في ثلاث نقاط:
1 - تجنب أية ثورة عنيفة·
2 - تدويل قضية كوسوفو بمعنى السعى لإقناع المجتمع الدولي للتدخل بشتى الوسائل السياسية والدبلوماسية والتفاوض، بما في ذلك إقامة مظلة من الأمم المتحدة لحماية شعب كوسوفو من الاضهاد الصربي·
3 - إنكار ومعارضة أية شرعية لحكم الصرب في كوسوفو وذلك عن طريق مقاطعة أي انتخابات أو عمليات إحصاء سكاني تقوم بها السلطات الصربية واستكمال الهياكل التنظيمية لجمهورية كوسوفو·
وقد نجحت الرابطة في تحقيق الهدف الأول والثالث إلى درجة لم يكن يتصورها أحد، وخصوصا أؤلئك الذين يعرفون التقاليد العسكرية والروح القتالية والانتفاضات المسلحة لشعب كوسوفو عبر تاريخه الطويل·
أما بالنسبة للهدف الثاني فقد أجهد إبراهيم روجوفا نفسه في زيارات متعددة لعواصم الدول الغربية لإقناع ساستها بأهداف كوسوفو في الاستقلال، ولكنه لم يحقق نجاحا ملموسا سوى بعض القرارات الهزيلة التي صدرت من الأمم المتحدة ومن البرلمان الأوروبي·
قام الألبان بتنظيم أمورهم في حدود إمكاناتهم القليلة فأنشأوا نظما بديلة في التعليم والعلاج واستخدموا منازلهم كمدارس ومراكز صحية، وتولت الرابطة دفع مرتبات متواضعة للمدرسين والأطباء من حصيلة ما تجمعه من ضرائب من أبناء كوسوفو العاملين بالخارج وهي نسبة 3 في المئة من دخولهم، واستطاعت الرابطة بجهد خارق أن توفر التعليم لأربعمائة ألف طفل·
ولكن السلطات الصربية لم تترك هذا المجهود الأهلي لكي ينمو أو يستمر، حيث كانت قوات الأمن وراء المدرسين والمنظمين بالاعتقال والاضطهاد والضرب حتى أصبح الإرهاب والسجن العشوائي جزءا من حياة الألبان اليومية·
أمضى إبراهيم روجوفا أربع سنوات يطمئن شعبه بأن المجتمع الدولي عندما يصل إلى تسوية نهائية في يوغوسلافيا سيتفرغ للنظر في مصالح وتطلعات الألبان في كوسوفو، وكان يظن أن اتفاقية دايتون ستأتي بخبر سار لكوسوفو، ولكنها جاءت بإحباط كامل للألبان، فلم يأت بها سوى إشارات إلى ضرورة تغيير الدساتير اليوغوسلافية لضمان حقوق الإنسان، وصرح مجلس الأمن الدولي بأن بقايا الحصار لن ترفع عن صربيا حتى تقوم بتحسين سجلها في موضوع حقوق الإنسان بكوسوفو·
ولم يعبأ ميلوسوفيتش بهذه الإشارات فقد خرج ميلوسوفيتش من اتفاقية دايتون أشد قوة، حيث مكنته هذه الاتفاقية من الهيمنة المطلقة على صربيا وأطلقت قبضته الحديدية على كوسوفو ، وداعبه الدبلوماسون الغربيون وشكروه على تعاونه في جهود السلام، وأكدوا له أنه قد أصبح قوة إيجابية في منطقة البلقان لا يمكن الاستغناء عنها لاستمرار الاستقرار في المنطقة·
جيش تحرير كوسوفو
جلبت الأوضاع الجديدة مزيدا من النقد لسياسة إبراهيم روجوفا وتصاعدت حدة الهجمات والانتقادات ضد سياسة المقاومة السلمية داخل حزبه وخارجه، وفي الوقت نفسه زادت وطأة الاحتلال الصربي وتصاعدت عملياته البوليسية ضد الألبان، وفي تلك الأثناء ظهرت تطورات جديدة في المقاومة الألبانية بعيدا عن سيطرة حزب الرابطة الديمقراطية·
فقد بدأت تتكرر حوادث إطلاق أعيرة نارية في قوات البوليس الصربي ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذه الحوادث، ولكن بحلول صيف 1997 برز شيء اسمه "جيش تحرير كوسوفو" كان أحد مسؤوليه يقوم بلقاءات صحفية في سويسرا زاعما مسؤولية هذا الجيش عن إطلاق النار على القوات الصربية في كوسوفو، ومهما يكن حجم التأييد الذي كان يتمتع به هذا الجيش حينذاك فإن هذه الحركة الجديدة تعبير مباشر عن الإحباط الناتج من شلل سياسة إبراهيم روجوفا وعدم قدرته على كسب أي اعتراف دولي بمصالح وحقوق كوسوفو·
اندلاع الحرب والمفاوضات
أخذ التصعيد العسكري الصربي بعدا خطيرا ابتداء من أبريل 1998 فيما بدا أنه سيناريو إبادة جماعية على غرار "التطهير العرقي" في البوسنة حيث قصفت المدفعية الصربية عدة قرى ألبانية ودمرت منازلها وقتلت من السكان الآمنين ما قتلت وخرج الباقون فارين من الموت·· كل ذلك بحجة البحث عن معاقل جيش تحرير كوسوفو ومصادرة أسلحتهم، وكان من نتيجة هذه الهجمة الصربية المروعة خروج مايقرب من ربع مليون لاجىء إلى العراء محاولين اللجوء إلى البلاد المجاورة وهي ألبانيا والجبل الأسود ومقدونيا والبوسنة وهنا بدأت الدول الغربية تنتبه إلى الخطر الزاحف من صربيا على البلقان وأن من واجبها أن تفعل شيئا لوقفه·
من هنا جاءت جولات "ريتشارد هولبروك" المكوكية بين الصرب والألبان حيث وافق ميلوسوفيتش على بعض مقترحات هولبروك ملخصه في الآتي:
1 - لا بأس من وجود فريق دولي لمراقبة عودة اللاجئين في كوسوفو ولكن بدون أسلحة وألا يزيد عدده عن ألفي مراقب·
2 - انسحاب القوات الصربية في مراكز تجمع تحددها صربيا داخل كوسوفا "يعني إعادة انتشار"·
3 - مفاوضات مع روجوفا في تقديم المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان·
5 - وقف إطلاق النار ولكن بعد أن يتم القضاء على إرهاب جيش تحرير كوسوفو·
وعلى عادة ميلوسوفيتش اتخذ من المفاوضات ستارا لتدبير هجمة جديدة على الألبان، حيث انقضت قواته المسلحة في عيد الميلاد المجيد لتقصف القرى والمدن الألبانية وتسقط المزيد من القتلى وتخرج المزيد من اللاجئين·
ومع الحشود العسكرية لقوات حلف الأطلسي والتهديدات اليومية لقادة الحلف بضرب وشيك للقوات الصربية عاد الصرب إلى مائدة المفاوضات في رامبوييه الفرنسية التي انتهت إلى عدد من النقاط أهمها:
منح كوسوفو حكما ذاتيا موسعا، ولكن رفضت صربيا أن تقوم بتنفيذ الاتفاق قوات مسلحة لحلف الأطلسي أو غيره، ورفضت بندا ينص على إجراء استفتاء عام بعد ثلاث سنوات من تنفيذ الاتفاقية يقرر فيه شعب كوسوفو مصيره: هل يبقى مع صربيا أم يقرر الاستقلال، ورفض ممثلو جيش تحرير كوسوفو الاتفاق مع أول الأمر نظرا لخلوه من مبدأ التفاوض على الاستقلال ولكنهم اقتنعوا أخيرا - تحت الضغوط الغربية - بضرورة التوقيع على الاتفاق لإبطال كل حجج ميلوسوفيتش وحذرهم الدبلوماسيون الغربيون أنهم إذا لم يوقعوا على الاتفاق فلن يتدخل حلف الأطلسي عسكريا إذا رفض ميلوسوفيتش التوقيع عليه، فوقع الألبان جميعا على الاتفاق ورفض ميلوسوفيتش بل استهان بإنذارات حلف الأطلسي الذي لم يجد مناصا من البدء في القصف مستهدفا أولا الدفاعات الجوية، ثم خطوط الاتصالات والإمدادات، وأخذ القصف يتصاعد تدريجيا ليشمل مخازن الذخيرة والبترول، وآخر مراحل التصعيد شملت تجمعات الدبابات والقوات الصربية في كوسوفو·
الموقف الراهن وتفسيرات
ورغم مواصلة القصف استمرت القوات الصربية الأرضية في عمليات القتل والهدم وطرد السكان من المدن والقرى وإخلاء مناطق بأكملها من الألبان حتى بلغ عدد اللاجئين الفارين من الجحيم مليونا وثلاثمائة ألف لاجىء ويقدر المراقبون أنه مع استمرار معدل اللجوء بهذا المستوى فسوف تفرغ كوسوفو تماما من سكانها المسلمين خلال بضعة أيام مقبلة·
بهذا السيناريو المأساوي المروع ترتفع علامات استفهام كبيرة فقد كان هدف القصف الأطلسي المعلن هو إيقاف العمليات العسكرية وإجبار الصرب على التوقيع على الاتفاق وقبول قوات دولية للإشراف على تنفيذه وسحب القوات الصربية من كوسوفا، ولكن القصف لم يوقف العمليات العسكرية في كوسوفو بل جعل خطاها تتسارع بشكل جنوني لا يصدق ولم يبد حتى الآن أن ميلوسوفيتش قد تراجع عن موقفه، وبدأت تعلو صيحات تؤكد أن القصف الأطلسي غير مجد ما لم تعززه قوات برية وفي الوقت نفسه تأتي الإشارات والتصريحات الأمريكية واضحة بأن القوات الأمريكية لن تتدخل إلا في حالة اتفاق الأطراف على وقف أعمال العنف وقبول مقترحات السلام عندئذ تتدخل القوات الأمريكية لتشارك مع الآخرين في تنفيذ اتفاقية السلام، وكانت الولايات المتحدة تضع العربة أمام الحصان وتلقى بالقضية في حلقة مفرغة·
لقد أتيح لي وأنا أتابع أحداث كوسوفو بانتظام أن أقرأ وأسمع حشدا هائلا من التحليلات والتعليقات على هذا السيناريو المحير الذي يشهده العالم الآن وأبادر بالتأكيد أن كل هذه التعليقات لم تؤد عندي إلى رؤية واضحة ولا تفسير منطقي معقول، ويبدو أن الجميع لديهم أفكار جاهزة يتطوعون بها على الفور في حماس ظاهر لمجرد إثبات الحضور أو تفريغ شحنة انفعالية مؤقتة أمام تسارع الأحداث المأساوية وقد بدا لي أن هذه التعليقات في مجملها يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع:
فهناك - أولا - أنصار نظرية المؤامرة، وهي هنا بين الغرب والصرب أتفق فيها على أن يقوم الغرب بالقصف الاستعراضي على مواقع صربية لا تؤدي إلى عجز أو شلل للآلة العسكرية الصربية وبذلك يخلص الغرب ذمته أمام الرأي العام العالمي، ويمنح الصرب في الوقت نفسه غطاء للقيام بعمليات الإبادة الجماعية للمسلمين لتفريغ كوسوفو من سكانها في أسرع وقت ممكن·
وهناك - ثانيا - من ركز اهتمامه على إشكالية الشرعية الدولية فهو يثير اعتراضات قانونية على حق حلف الأطلسي في التدخل العسكري متجاوزا الأمم المتحدة ومجلس الأمن ويرى فريق من أصحاب هذا الاتجاه أن الحل العسكري غير ممكن ولابد من العودة إلى المفاوضات وإلى الشرعية الدولية ويبدو لي أن أصحاب هذا الاتجاه يتحدثون وعيونهم لاتنظر إلى كوسوفو وإنما إلى القصف الأمريكي للعراق والسودان وليبيا وغيرها·
وهناك - ثالثا - من يرى أنه لاضير من قصف الآلة العسكرية الصربية المفترسة لكبح ميلوسوفيتش وإضعاف قوته العسكرية لعلها تردعه عن مواصلة حربة ضد الشعب المسلم في كوسوفو، وحتى لا تمتد مغامراته العسكرية إلى دول أخرى مجاورة لا تملك قوة عسكرية قادرة على الصمود أمام مغامرات وأطماع ميلوسوفيتش التي لا تتوقف عند حد·
وأعتقد أن هؤلاء جميعا قد أصابوا جانبا من الحقيقة كما فاتتهم جوانب أخرى ذلك لأنهم فيما يبدو ركزوا أنظارهم على بعض عناصر الموقف وأغفلوا عناصره الأخرى التي قد تكون أكثر أهمية وأحق بالأولوية، وأزعم أن أكبر خطأ وقع فيه الجميع أنهم بدأوا من منطلقات فهم ناقص لقضية كوسوفو أو من أفكار مسبقة عن هذه القضية أو عن الأطراف الفاعلة والمشتركة في حلها·
ولي في هذا السياق ملاحظات للمناقشة:
أولا:لا أحب أن أصدم أنصار نظرية المؤامرة ولكني ألفت نظرهم فقط إلى أن هناك تكتيكا بديلا يتلخص في إطلاق فعل محسوب من طرف قوي وردود أفعال متوقعة لطرف ضعيف من دون اتفاق سابق يستخدم هذا التكتيك لدفع الأحداث في مسار معين تتحقق فيه أهداف تبدو مشتركة لأول وهلة، ولكن يفوز الطرف الأقوى في نهاية السباق بهدفه المرسوم ، "غزو الكويت ومعقباته مثال على هذا التكتيك" وهو يرتكز على أنظمة معلومات متقدمة فائقة القوة تتمتع بها الولايات المتحدة وتوظفها بكفاءة·
ثانيا: من الأفكار المسبقة عن قضية كوسوفو وهي عوائق تمنع الفهم الصحيح لأبعاد القضية أو يوغوسلافيا اليوم هي ميراث تيتو الصديق الحميم لعبد الناصر وأحد أبطال الحياد الإيجابي في حين أن الموجود على الساحة ليس إلا صربيا الكبرى بنزعتها القومية الدموية وبعنصريتها المريضة التي دمرت يوغسلافيا تيتو وأبادت شعب البوسنة·
ثالثا: من الأخطاء الفكرية الشائعة أن كوسوفا من صربيا ومن ثم اختصرت مأساتها إلى مأساة حقوق إنسان تجاوزتها الحكومة الصربية، وأن المقاومة الوطنية لكوسوفو هي تمرد مسلح على السلطة الشرعية، في حين أن الوصف الصحيح للعلاقة بين صربيا وكوسوفو هو أنها علاقة دولة مستعمرة تمارس نظاما عنصريا قائما على الاحتلال الاستيطاني وطرد السكان على غرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية·
رابعا: كثير من الأحكام والمصطلحات التي يعالج بها الإعلام العربي قضية كوسوفو جاءت نتيجة الوقوع في فخاخ الدعاية الصربية الذكية المؤسسة على طوفان من الأكاذيب اعتمادا على جهل العالم الخارجي بتاريخ المنطقة وما يحيط بها من غموض وأقرب مثال إلينا ذلك السفير المبجل الذي جلس أمام شاشة التلفاز المصري ليدعي بأن خروج الألبان من كوسوفو بعشرات الألوف ليس نتيجة العمل العسكري الصربي المنظم وإنما خوفا من ضربات حلف الأطلسي!
خامسا: مادامت أمريكا هي التي تقوم بالقصف متجاوزة الشرعية الدولية وقياسا على سوابق أخرى في منطقتنا العربية فلابد أن يكون هذا عملا خاطئا لايجب السكوت عنه حتى لا تصل إلينا هذه البلطجة الدولية في عقر دارنا عاجلا أو آجلا، هذه النظرة الضيقة تتجاهل خصوصية الوضع الكارثي في كوسوفو والمأساة الإنسانية التي ينسحق فيها شعب بأكمله تحت عجلة آلة عسكرية شرسة تذكرنا بأيام الغزو التتري·
سادسا: مجلس الأمن منقسم على نفسه فلروسيا والصين موقف معلن وواضح ضد التدخل العسكري من أي نوع في كوسوفو، ولم تستطع روسيا وهي الصديقة الكبرى للصرب إقناع ميلوسوفيتش بالحل السلمي الذي اشتركت هي بنفسها في وضعه مع مجموعة الاتصال الدولية في رامبوييه الفرنسية ولن يقبل ميلوسوفيتش إلا بمقترحات ينفذها على هواه أو يتظاهر بتنفيذها بينما هو ماض في خطته الجهنمية لإخلاء كوسوفو من سكانها المسلمين·
معنى هذا أن دعوة العودة إلى الشرعية الدولية وإلى مائدة المفاوضات رغم بريقها المنطقي هي دعوة إلى طريق الندامة الذي لايعود منه سالك فإذا كان القصف الأطلسي خطأ وتجاوزا وإذا كانت الشرعية الدولية مشلولة ولا حلول عندها وإذا كانت المفاوضات مجرد لعبة يستفيد بها الصرب على طول الخط ولا يعتزمون الالتزام بأي اتفاق ولن يتوقفوا عن تنفيذ مخططاتهم في كوسوفو طال الوقت أم قصر، فماذا بقي إذن من حلول؟
لم أجد إجابة واضحة محددة عند أحد من المحللين أو المعلقين ولكن ألمح أفكارا تتصاعد وسط الزحام عن ضرورة تسليح جيش تحرير كوسوفو وهناك أجد نقطة جديرة بالتأمل ولابد من الرجوع خطوة إلى الوراء لننظر في سيناريو حرب البوسنة وما تقدمه من دروس في هذا المجال·
فقد ظلت الولايات المتحدة طوال ثلاثة أعوام تهدد بقصف المواقع الصربية دون أن تفعل شيئا وكانت هناك ضرورات ملحة ولحظات بالغة الحرج كان القصف الجوي لازما لتحديد الدبابات والمدافع الثقيلة حيث كان البشناق يملكون جيشا مدربا على درجة معقولة من التسليح ولو أن أمريكا نفذت ضرباتها الجوية لتمكن هذا الجيش من تحرير البوسنة ولكنها لم تتدخل إلا عندما شعرت أن البشناق تحولوا إلى الهجوم التكتيكي المؤثر وأن مواصلة الحرب لم تعد في مصلحة الطرف الصربي·
أما في حالة كوسوفو، فقد حرصت أمريكا على ألا تتسرب إلى جيش تحرير كوسوفا أسلحة مؤثرة ولاخبراء عسكريون لتدريب أفراده، ولكنها سارعت إلى القصف الجوي وظلت تصعده طوال الأسابيع الثلاثة الماضية ومع الحشود العسكرية الصربية التي تكتسح القرى والمدن بدا جيش تحرير كوسوفو مشلولا عاجزا عن أي مواجهة ولو كان قد حصل على السلاح والتدريب لكان له شأن آخر في كبح الصرب وإعاقة التطهير العرقي الذي بلغ أقصى مداه·
فهل هذه تجربة جديدة تجربها الولايات المتحدة وحلف الأطلسي: قصف جوي بدون قوات أرضية تدعمه من جانب الكوسوفيين؟ أم نقول إنه قصف مبرر لردع المعتدين ثم ننتظر النتائج العملية التي ستترتب عليه لنبدأ في تحليل الحصاد؟ أم نميل إلى فكرة المؤامرة؟ أم نقول إنه إرباك مقصود لزلزلة العقول وإلقائها في دوامة من الحيرة؟ أم ننطوي على أنفسنا ونغلق أعيننا ونطمئن أنفسنا بأن الطوفان بعيد عنا حتى الآن، ويا هناء من يعيش؟
أقول إذا كنا لا نملك شيئا نساعد به شعب كوسوفو الذي يغوص في أعماق كارثة إنسانية تدمي القلوب، فعلى الأقل نملك الرفض أن تمتهن عقول مثقفينا باستسلامها لآلة الدعاية الصربية، ونملك القدرة على فهم القضية وإعادة النظر في المسلمات المريحة التي تشل قدرتنا على الإدراك الصحيح والحكم الصحيح، ويقيني أن ميلوسوفيتش زائل، أما شعب كوسوفو المسلم فله ربّ يدبر أمره ، وسيعود هذا الشعب إلى أرضه لمواصلة النضال كما فعل دائما عبر تاريخه الطويل·
* مجلة "الكتب وجهات نظر" العدد الرابع
** خبير في الدراسات البلقانية