العشائر الثقافية··
ركان الصفدي
(1)
لم ينته عصر القبائل··· فالعرب الآن في أعتى مظاهره، لأن كل قطر عربي هو قبيلة كبيرة بالمعنى الحقيقي لا المجازي، فلو كشفت عن دماغ كل مواطن عربي لوجدت تلافيفه مرسومة على شكل خارطة قطره··· ولسنا بحاجة الى ذلك فإننا لو تأملنا حال العرب لرأينا فيها صورا من حياة عصر القبائل في الجاهلية: بعضهم يدّعي أنه أشرف العرب وأكرمهم وأساسهم، وبعضهم يتعامل مع الأجنبي ويستقوي به كالمناذرة والغساسنة، وبعضهم يحاول التهام غيره كما كانت القبائل الكبيرة تلتهم الصغيرة، وبعضهم يحارب بعضا أو يستعبده أو يطرده وينفيه أو يأكله ويشربه··· غير أن العرب قديما كانوا أفضل حالا، فإن لهم الأشهر الحرم التي لا يتقاتلون فيها، كما أن لهم سوق عكاظ وذي المجاز يجمعهم على هدف اقتصادي واحد··· أما عرب اليوم فليس لهم شهر حرام إلا الشهر الثالث عشر من السنة، وليس لهم إلا السوق العربية المشتركة التي تعقد في الشهر الرابع عشر من السنة!
(2)
الإنكليز أخبث بني البشر وأذكاهم، فقد قسموا العرب وفصّلوا حدودهم على مقاس خلافاتهم، العشائرية والمذهبية والإقليمية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأسرية والنفسية والشخصية··· ثم أصبحت هذه الحدود "حقيقية" شئنا أو أبينا، إذ أصبح لكل طرف همومه ومشكلاته ومشاريعه وقضاياه المستقلة عن الطرف الآخر، ومع الزمن تكوّن الإنسان العربي وفق هذه المعطيات التي تشكل وعيا خاصا بها··· وحَِولَ العقل العربي أمام مصطلحات مثل "القومية" و"الوطنية" و"المحلية" و"الإقليمية"··· ولا سيما أنها مصطلحات ترجمت عن لغات لا تعاني شعوبها التجزئة والحدود التي تبدو على خارطة الوطن العربي كتشققات الأرض الظمأى· هناك أحياء وخلايا تتكاثر بالانقسام، وهناك أموات أيضا يتكاثرون بالانقسام هم العرب، دولهم وأحزابهم وأحلافهم ومؤتمراتهم وحروبهم ومجتمعاتهم وأفرادهم··· الإنكليز لم يقسموا العرب وإنما أعطونا السلاح لحماية تلافيف أدمغتنا!
(3)
المثقفون العرب على الرغم من ادعاء معظمهم تجاوز الواقع العربي صورة عن القبائل العربية الحديثة، إذ تسود بينهم "الشللية" و"الإقليمية" و"الحزبية" وغيرها· ويرفعون شعارنا القديم "وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد"، ولذلك لا نستغرب أن ينساقوا، بل يعودوا، الى عشائريتهم في معارك تمس هذه العشائرية، يكفي أن نتأمل "المعركة" التي دارت بين أدونيس والمثقفين المصريين، والرايات التي رفعت فيها من الجانبين، إنها أشبه برايات "داحس والغبراء" و"حرب البسوس"· والآن نحن على مشارف "غزوة" بين المثقفين السوريين والمصريين حول الخلاف بين حنامينه ووحيد حامد، وينبغي على كل طرف أن يشحذ أسلحته الإقليمية ونعراته القبلية، ليسدد ويرمي ويصمي ويدمي، ويستنفر ويفخر ويعلَْوْلي ويقْعنِْسس!
(4)
العالم يسير نحو "العولمة"، وأوروبا ذات الأعراق المختلفة تتوحد في إطار حضاري إنساني، وشعوب العالم المتخلفة، ومنهم بنو يعرب "أعز بني الدنيا" تسير نحو "القبْلمة" والتشرذم، والمثقفون العرب بين قاتل ومقتول، والثقافة العربية تتنفس هواء ملوثا يزكمها عن الفعل الثقافي الحقيقي، والأجيال الحالية والمقبلة تتفلت وتتسرب من متاهتها الى متاهة أكبر··· وقبل أن نقرع باب القرن الحادي والعشرين علينا أن ننظف أسناننا من لحوم بعضنا، ونقلم أظافرنا الفولاذية، ونختم "سيرة بني هلال" و"الزير سالم"، ونلقي أو سمتنا ودروعنا في وجه مؤتمرات القمة العربية، ونحطم زجاج مقر "جامعة الدول العربية"، ونعلق شريطا أسود على اتحاد (ات) الكتاب العرب و··· نفتح الباب!
(5)
الثقافة الحقيقية غنية عن الأوطان على حد قول المتنبي، وهي ملك للبشرية في كل زمان ومكان، فهي ليست بحاجة الى المرور على دوائر النفوس والخدمة المدنية، وليست معنية بشرطة الجوازات في المطارات والحدود، ولا مضطرة لإبراز بطاقتها المدنية لكل حاجز أمني أو هيئة رسمية أو صحيفة قبلية أو مجلة عشائرية أو موسوعة أسرية، والمثقفون الحقيقيون ليسوا بحاجة الى شجرة نسب ولا جنسية مختومة ولا إضبارة رسمية في اتحاد الكتاب العرب، ولا بطاقة دعوة لمؤتمر أو حفلة أو مناسبة···
الثقافة الحقيقية تحتاج فقط الى حبر من شرايين الحياة، وورق أوسع من الأرض، وإنسان يصافح بقلبه قبل يده··· ويتمرأى في أعين الآخرين·