يبدي بعض الأخوة من كتّاب القوى الديمقراطية ضيقهم بالحيز الذي تشغله المطالبة بملاحقة سُرّاق المال العام وخصوصا في الحملة الانتخابية، أو يعتقدون أن ذلك يأتي على حساب قضايا أهم مثل ترسيخ مفاهيم الحرية الشخصية والعامة والديمقراطية والدفاع عنها في وجه التيار الرجعي المتخلف، الذي حجّم مساحتها في المجتمع الكويتي وأطفأ في عيون أبنائنا بريق السبعينيات·
ويشتد تبرمهم الى الدرجة التي لم يعد بعضهم يريد أن يميز فيها بين من يرفعون شعار ملاحقة سراق المال العام، لا في الأهداف ولا في النوايا، بل وتذهب المبالغة أحيانا الى درجة القول، ليذهب المال العام الى الجحيم وأعطونا أجواء الحرية، وكأن من شروط استعادة أجواء الحرية التفريط بالمال العام·
ولقد تشوشت بتكرار الطرح المفاهيم الي الدرجة التي أضحى فيها وكأن المطالبة بملاحقة سُرّاق المال العام نقيضا للمطالبة بمبادئ الحرية والديمقراطية، وفات الأخوة خصوصية الواقع الكويتي وأبعاده·
ففي الكويت ليست القضية هي قضية لصوص عاديين - سواء أكانوا صغارا أم كباراً - يتحايلون ويختلسون ويسرقون ويهربون مثل باقي اللصوص التي تمتلئ بهم الأرض· وليسوا فقط يتميزون بكونهم من سراق المليارات الذين سيذكرون في كتب التاريخ لسرقاتهم الأسطورية، ولا أن سيادة القانون في الكويت قد تكسرت على صخرة مناعتهم فتمتعوا - ولفترة طويلة - بالحصانة من تطبيق القوانين والقدرة على الهروب من المساءلة القانونية ومن تنفيذ الأحكام القضائية·
ما لدينا في الكويت هو شيء أعتى وأخطر، وهو أن هؤلاء اللصوص قد أصبحوا خطرا داهما على الوطن وعلى أمنه ومستقبل شعبه وحريته· فلقد وظفّوا كل سطوة المليارات المنهوبة في تحطيم مكتسبات شعبنا الحضارية والدستورية وفي تخريب الديمقراطية· فبدأوا في الهيمنة المنظمة على الإعلام، وسيطروا على بعض الصحف وشبكات الاتصال بأرقى أنواعها ويخططون لشراء محطات التلفزيون والأقمار الصناعية، ووظفوا كل ذلك في الدفاع عن الفساد وفي تأجيج الفتنة الطائفية والتمزيق القبلي، وتحالفوا مع التيارات المتحجرة والانتهازية من بعض الأحزاب الدينية لقمع تطلعات الناس الى مزيد من الانفتاح والحرية والديمقراطية وسيادة العدالة والقانون·
ولا أحد يستطيع أن ينكر ما لوسائل الإعلام من تأثير في ترشيد الرأي العام أو تضليله·
ولكن هؤلاء لم يكتفوا بذلك فنراهم ينزلون الآن بكل ثقل المليارات المسروقة ليشتروا ما يستطيعون من ضمائر، ويخربوا من ذمم في محاولة للهيمنة على مجلس الأمة الجديد·
إن معركة الشعب الكويتي مع سُرّاق المال العام ليست من أجل المال المسروق فقط بل هي في جوهرها معركة دفاع عن الحرية والديمقراطية ومستقبل هذا الوطن·
وطني غيور