رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9-15 ربيع الأول 1420هـ - 23-29 يونيو 1999
العدد 1382

في الذكرى التاسعة لرحيله
أحمد مشاري العدواني رائد الثقافة والفكر والشعر

·        حفلت قصائده بظواهر فنية عديدة تمثل رفضه  للظلم والعبودية أو الاستسلام للتعسف والدمار

·         رائد من رواد الحركة الفكرية في الكويت وساهم في تأسيس أهم الاصدارات والبرامج الثقافية

·         عشق العزلة والتأمل الوجداني وتغنى بعشق الكويت وطن الحب والسلام

·         كان نموذجا للشاعر النبيل والفارس الذي تجسدت في حياته اتجاهات مضيئة نحو الحب والحرية والسلام

·         تمرد على هؤلاء الذين عاشوا من أجل المادة واستثمار دم الوطن واستنزافه

·         تنبأ بمحنة الكويت قبل رحيله وكتب قصائد المقاومة والرفض للطغاة

 

كتب علي عبد الفتاح:

تأتي الذكرى التاسعة لرحيل الشاعر والأديب أحمد مشاري العدواني الذي ما زال ساكنا وجدان بلاده وقلوب أمته وما زالت قصائده يتغنى بها التلاميذ كل صباح حين يعبرون عن انتمائهم وعشقهم لوطنهم الكويت·

إنه أحمد مشاري العدواني رائد الحركة الثقافية في الكويت وأحد رجال التنوير والنهضة التي أثرت الحياة الأدبية مسيرة نبيلة

أحمد مشاري العدواني نغمة متفردة تهادت على أوتار الحب والغربة والتمرد·· فانبعث اللحن·· عابقا بالشجن·· دافئا بالعذاب·· منحازا إلى الصمت·· والسكون حيث التأمل وتجاوز الواقع في صراعاته وجنونه واتجاهاته المادية·

ظل العدواني منذ طفولته يبحث عن منابع وظلال الشجر العالي·· ربما حاصرته الحيرة·· وسكنته الدهشة فاندفع في موكب البراءة يقرأ حديث النجوم للآفاق·· وأسرار الغيوم للأمطار·· والمعنى الخفي فيما وراء هذا الكون البديع·

قرأ القرآن في طفولته ·· وحفظ بعض آياته واستلهم في معانيه بصائص من النور بددت وحشة الظلمات·· وكآبة الواقع·

بدأ في مرحلة مبكرة من حياته في اكتشاف عشقه الجميل للشعر ·· والأدب ·· وطموح عميق إلى التعبير عن الذات في صور شعرية يترقرق فيها احساس مرهف صادق·· ونفس شفافة تنبض بحب الخير·· والعدل·· والجمال·

توغل في درب الشعر·· وعصوره المختلفة حيث حفظ المعلقات وأخذته البطولة والفروسية والتضحية التي اتصف بها شعراء الشرف والمروءة والجهاد والنضال والحرية·· فاتجه للبحث عنها في مكتبة والده وعثر على كنوز الأدب القديم وفاض وجدانه بسحر الشعر·· وزها خياله بصورة العاشق الذي يقتحم الصحراء ويشهر سيف النضال من أجل عيون الوطن··والأرض·· والحبيبة·· ورحل العدواني في تلك الفترة مع قصائد المتنبي والشريف الرضي وأبو نواس والبحتري وأبي العلاء المعري ثم جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي والعقاد وشوقي ورواد النهضة الأدبية الحديثة·

ولا شك أن تلك الأمسيات التي كان يعقدها والده مع شعراء الكويت يتطارحون فيها الشعر وقصص الأدب وطرائفه ونوادره قد رقرقت وجدان العدواني وأودعت فيه موهبة الشعر·· وفتحت نوافذ كثيرة على هذا البيان الساحر والكلام العذب·· والخيال الذي يحلق في فضاء رحب ليحرر الروح من قيود الزمان·

كذلك مكتبة الأب احتوت على مجموعة كبيرة من الكتب في شتى فنون المعرفة، فظل ينهل من هذا النبع الصافي روائع الآداب العربية ويقول :" تعودت على حب المطالعة ومرافقة الكتاب ولا تزال هذه العادة غالبة حتى الآن"

وتأصلت موهبته وتألقت في داخله صورا متباينة لهؤلاء الرواد الذين اقتحموا الأهوال وثابروا وناضلوا حتى زرعوا في أرض الوطن رايات الحرية وقادوا شعوبهم إلى منابع النور وعاشوا حياتهم في تحد للصعاب·· ويبشرون بنهضة جديدة نحو طموحات العلم والفن في الخلق والابتكار·

في المدرسة المباركية تحسس العدواني دربه نحو منابع النور·· تكثفت لحظات القراءة والاطلاع·· واحتشدت في ذهنه رؤى نحو الارتقاء عن الواقع والسمو الروحي والتفكير  الدائم في لمس حافات الابتكار والتجديد، وكتب قصائد كثيرة في تلك الفترة تواكب الأحداث الوطنية والمناسبات الدينية وبعضها تعبير رقيق عن مشاعر الحب والأسى·

أحس العدواني في تلك الفترة أن هناك طموحا كبيرا يطلق ذاته من أسر الواقع ويفتح أمامه دربا يطل على العالم·· يجادله·· يناقضه، يطرح عليه تساؤلاته ويغامر في قلب الوجود بما يمتلك من سمو الروح والهمم العالية والمثل والمبادىء والقيم الجميلة·· ولذلك حين ذهب إلى الدراسة في جامعة الأزهر اندفع يشارك الطلبة المصريين في مظاهراتهم ضد الاحتلال الانجليزي والنظام الملكي القائم·

تشكلت فلسفته القائمة على مقاومة الطغاة ومناصرة المظلوم·· والدعوة إلى الحرية والحق والعدل والسلام، وحفلت قصائده بظواهر فنية عديدة تمثل رفضه لهذا الظلم والعبودية والخضوع والاستسلام لقوى البطش والتعسف والدمار·

وتؤكد المواقف الحياتية للعدواني أنه كان نموذجا للشاعر النبيل·· الذي تجسدت في كيانه الاتجاهات المضيئة نحو حياة خالية من العنف والحرب والفساد·· حياة تُشيد فوق القمم النائية العالية التي تعلو فوق ما هو سائد وتلتزم بقيم الإنسان وموقفه النقي البريء ولذلك يقول:

خذ من حياتك جانبا تسمو به

واترك هوان العمر للأعمار

واصعد إلى القمم الكبار مكرما

أو عش حليف مهانة وصغار

ويعود العدواني بعد دراسته في جامعة الأزهر إلى وطنه ليعمل في التدريس ·· ولعل احساسه بأنه معلم الأجيال قد بعث في ذاته هذا الإحساس الغامض الذي يحثه على الركض نحو منابع النور، في العلم والتربية يحقق المعلم ذاته ويعبر عن الجانب التعليمي والإنساني حين يضيء هذه العقول ويزرع في قلبها وردة التأثر ويرحل معها كل صباح إلى مدن الحرية·· والوجد والإيمان·

الأديب والرسالة

ومن المواقف الجميلة التي تدل على أن العدواني قد جمع في شخصيته بين الشاعر النبيل ورائد التنوير أنه قد تعرف في مصر على رواد الفكر والأدب وشارك في الحياة الثقافية والسياسية وبدأ ينشر قصائده في الصحف والمجلات بل إنه شارك مع صديقه الأستاذ حمد الرجيب في إصدار مجلة "البعثة" التي نشر فيها مجموعة من قصائده وأصبحت تلك المجلة من النوافذ الإعلامية المهمة التي أعلنت عن بوادر النهضة الأدبية الكويتية واستطاعت المجلة أن تشارك في الحياة الثقافية والأدبية ويلتقي على صفحاتها مجموعة من الأدباء والشعراء أصبحوا فيما بعد من أعلام الأدب في الكويت·

ويقول الأديب زكي محمد مجاهد الذي صاحب العدواني أثناء دراسته بالأزهر وصادقه طوال تلك السنوات: "عرفت أحمد مشاري العدواني أثناء طلبه العلم في القاهرة وبيننا مودة وصداقة ومراسلة أدبية بعد سفره إلى وطنه ويزورني دائما كلما زار القاهرة ومن المشجعين لنشر كتابي "الأعلام الشرقية" وهو من أدباء  وطنه المشتغلين بالعلم والأدب ونظم الشعر وجمع الكتب ومن مشاهير رجال الكويت"·

ويمكن أن نلاحظ عبارة "ومن المشجعين لنشر كتابي" فإنها تدلل على تلك الحماسة الغريبة والرغبة الشديدة داخل العدواني نحو التغيير والاصلاح ومقاومة الجمود والتخلف والثورة على القديم الذي لا يجدي إطلاقا·

وبدأ العدواني بعد مرحلة التدريس في ثانوية الشويخ بالعمل في وظائف إدارية  عديدة في إدارة المعارف استطاع خلالها أن يساهم في تحديث المناهج الدراسية بحيث تلائم الاتجاهات والأفكار العلمية وتواكب الطموحات الراهنة وتبشر بخلق جيل أكثر قدرة على العطاء والالتزام بقضايا بلاده·

إن طبيعة العدواني رغم عشقه للتأمل والعزلة الوجداني  كانت تبادر إلى تحقيق البرامج التربوية والثقافية وإيمانه أن الفنان أو الأديب لديه رسالة لابد أن يحيا من أجلها، يبذل طاقاته الفكرية والبدنية والإبداعية لمحاربة الظلام الذي يحجب وجه الحقيقة عن الناس·· ويبصرهم بدورهم في صنع غد مشرق للإنسان·· وعاش العدواني يحارب الجمود·· والظلام والظلم ويقول :

تنبه يا زمان

فليس أقسى

على الأحرار من نوم الزمان

ويدرك العدواني أن بلاده بدأت تجتاح عالما جديدا وترفل في ثوب التيه والخيلاء·· وأبناء الوطن تحول بهم الزمان من عصر البساطة والبحر والصيد إلى التقنية العلمية وانفتاح العالم أمامهم دون حدود··

ولذلك جاء تمرده على هؤلاء الذين استكانوا لهذا التغيير وأصبح كل أهدافهم الحفاظ  على الربح المادي وتخزين الأموال في الخزائن وما الوطن إلا بئر نفط·

تمرد العدواني على هذه الوجوه··وهذا الواقع الذي يفرض أننا مجرد أمة تستهلك ولا تنتج·· تقف مندهشة وتابعة وليست محدثة ومبدعة·· ويقول على تمرده هذا: "في عام  1964 اختلفنا مع وزير التربية فقرر مجلس الوزراء نقلنا وكان نصيبي أن أعمل وكيلا لشؤون التليفزيون غير أن هذا العمل لم يعجبني·

راية التنوير

وأحس العدواني بالسأم من هذه الحياة وهؤلاء الذين ما زالوا يغمضون عيونهم عن منابع النور  غير أنه لم يستسلم لهذا السأم ويغفو ممزقا تحت سهام الغربة الوجدانية والتشرد النفسي·· بل طور هذا المفهوم إلى التحرك والرفض والإنجاز الفعلي لقرارات وبرامج ومشاريع ثقافية الهدف منها تثقيف الناس وتنويرهم·

وجاء دوره الحقيقي في وزارة الإعلام ثم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وجاءت تلك الأفكار التنويرية لتقدم للعالم العربي مجموعة من الإصدارات الفكرية في شتى فنون المعرفة ذات مستوى عال تهدف إلى إيقاظ الفكر·· وإثارة الروح·· وتحريض الإنسان على الالتزام بقضايا عصره·

ومن الغريب أنه في ظل هذه الإنجازات الأدبية والعلمية والنهضة الفكرية الكبيرة·· كان العدواني ينشر قصائده حتى عام 1980 في الصحف والمجلات ولم يصدر له ديوانا إطلاقا حتى جاء الأمر مصادفة حين عرض عليه الأديب الأستاذ يحيى الربيعان هذه الفكرة وأسفر الحوار بينهما عن صدور ديوانه "أجنحة العاصفة" وكأن الأمر لم يكن يعني العدواني من قبل·

ويمكن أن نذكر بأن أول دراسة كتبت عن شعر أحمد مشاري العدواني هي تلك التي كتبها أحمد الشرباصي ونشرت في كتابه "أيام الكويت" عام 1953، ومن قبل كتب الأديب فهد الدويري تعقيبا على قصيدة "رأس حمار" ونشرت في مجلة البعثة عام 1951، ولكن هذا التعقيب لا يعد مقالا أدبيا بالطبع·· وبعد ذلك بدأت دراسات وبحوث ومقالات تنشر في الصحف والمجلات المتخصصة عن شاعرية العدواني·· وأذكر أنني عام 1981 تأثرت بقصائد العدواني واتصلت به لإجراء حوار معه فقال لي "ما فائدة الحوار·· لديك قصائدي ·· أودعت فيها سماتي الوجداني والفكرية وأنا لا أحب أن تظهر صورتي في الصحيفة، أنا لست نجما من النجوم"·· ودهشت لهذا الشاعر الكبير ورجل الفكر الذي يرفض الحوار ولا يحبذ الصحافة رغم أن السائد لدى الآخرين يخالف توقعات أحمد العدواني·

وربما من الصور الجميلة التي رسمها لذاته عندما قال

على جدار غرفة وضيعة

مغارة لناسك عاش مع الطبيعة

جليسه الوحدة

أعزل ماله غير تلاوة القرآن عده

قد أسكرته خمرة التجلي

وغاب في سكرته يُصلي

ساكن الذرا

ولكن لا يمكن رغم ذلك أن نقرر أن العدواني في ظلال دوحة الحب والغربة والتمرد قد أسدل شراعه وغاب في مرافىء السكون وخلف العالم وراءه في بشعه وطغيانه وبركانه وأغلق عليه أبواب الحياة ولا يمكن أن نقرر ذلك·· وإنما في لحظات ابداعية متفردة·· يهب العدواني ذاته للنجمات الحائرة والعصافير المهاجرة إلى غابة الدمع·· والأمواج المتسربة إلى روافد الغربة وينسل من ضوضاء الحياة حوله·· ويقيم خيمة على وجه الإعصار وزورقا على حافات هدير الشلالات·· يكتب ويغني مرة أخرى ويطلق صرخاته فوق وجه الأرض:

أريد أن أفهم

البدر قد ينير للصوص دربها

إلى خزائن القصور

وقد يثير في النفوس حبها

للاثم والفجور

فهل يُلام البدر في  السماء

على اضطراب الأرض بالأهواء

وهل يقال: إنه أجرم؟

أريد أن أفهم

أريد أن أفهم!

ظل العدواني فوق قمته العالية يفسح مجالا للآخرين أن ينجذبوا إليه ويصبحوا من هواة العلياء·· ومن رواد حدائق الروح والنفوس الأبية الجموحة المتمردة على الزيف والهوان والعبودية والتخلف والجمود··

ولذلك ظل يعزف نشيد الحرية والريح الغاضبة ويغني للوطن والإنسان الذي يقهر الصعاب وانحاز إلى النبع·· والغدير والعاصفة·· وإذا كانت قصيدة العدواني "براءة" هي النغمة العذبة التي انسابت في وداعة كنسائم الربيع قد كتبها في مرحلة مبكرة من حياته فإن آخر قصيدة كتبها هي "نغمتان جديدتان" التي يقول فيها:

أكتب على جناح الريح

قصة السفر

الريح لا ترهب سطوة البشر

أكتب على جناح الريح

عصف بركان هدر

وحطم الأصنام والصور

لما رأى الطاغوت

يدير أمر الملكوت

وهي من القصائد الحادة الغاضبة المتمردة التي تجعل أحمد مشاري العدواني أحد الشعراء الغاضبين الذين قد قرروا اغتصاب هذا الواقع الرديء بالكلمات وأسنة الحروف·

طباعة  

أفق
 
الهمّ السابع
 
في معرضه الشخصي المقام في قاعة الفنون
خالد القعود يرسم لوحاته بألوان تلقائية عذرية

 
فتوحات الحبّ.. ترانيم العزلة
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس