كتب المحرر الثقافي:
في معرضه الشخصي الخامس، الذي افتتحه د· محمد الرميحي الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في قاعة الفنون بضاحية عبد الله السالم، يقدم الفنان خالد القعود 37 لوحة زيتية بموضوعات مختلفة· والفنان عميد في الشرطة متقاعد وله إسهاماته الفنية الكثيرة، وهو أحد مؤسسي جمعية الفنون التشكيلية في الكويت·
تجربتان مختلفتان
يشعر الداخل إلى صالة المعرض أنه أمام معرضين منفصلين، إذ إن الفنان حشد أعماله القديمة والحديثة، وهي أعمال تأخذ منحيين مختلفين كل الاختلاف· ففي التجربة الأولى نلاحظ الموضوعات المدرسية الواقعية، وفي الثانية نحن أمام محطة تجريبية تمنح الفنان هوية خاصة به·
كان الفنان القعود في تجربته الأولى مصورا مؤرخا للكويت الشعبية والقديمة، فهو ينضح من ذاكرة مشبعة بعالم البحر والصحراء والحياة اليومية في الأزمة الترابية القديمة، وفي بعض الأحيان يتوقف أمام طبيعة صامتة لا تنتمي إلى مكان أو زمان معينين· غير أن الفنان في كل ذلك لا يتعلق بالتفاصيل الكثيرة وإنما يأخذ مشهدا في لحظة فنية معينة ويلتقط تيمات بسيطة توحي بخلفيتها الشعبية، ويعطي المكان جلّ اهتمامه البصري في حين تبدو الكائنات الحية مكملة له، فالمكان هو البطل الحقيقي في لوحات تجربته الأولى إلا ماندر، وهو يغرق في سكون وصمت مثقل بالحنين·
تجريد·· وتجريب
أما في التجربة الثانية فإن الفنان يسلط عينه الباطنية على الموضوع فتحيله إلى تجريد لوني بحت وإن أخذ تسميات واقعية مثل "الأسير ـ تكوين ـ أجرام··"
نلاحظ أن الفنان في التجربتين يعتمد على مركزة المشهد وتبئيره، فهو غالبا ما يجعله يحتل وسط اللوحة، أما الأطراف فهي فضاءات شفافة كأنما هى استراحة لونية للناظر·
ألوان عذرية
يرسم القعود لوحاته الأولى كما لو أنه يستخدم الألوان المائية إذ إنه يأخذها في درجاتها اللطليغة الواهنة، قلّما تعلن عن تميزها· أما في لوحاته الثانية فإنه ينتقل نقلة نوعية مستخدما الألوان الصارخة المستقلة بذاتها دونما فرج أو تداخل كبير، يترك للون حريته في أن يعلن انطباعه الأول، ولذلك نجد تجاورا حادا بين الأسود والأحمر والأصفر·· غير أن الفنان يشعرك بأن اللوحة غير مكتملة لأننا لا نرى - ماعدا المشهد المركزي - امتدادات تعبيرية في باقي اللوحة، مما يحوّل الكثير من اللوحات إلى مشاهد معلّقة في الفراغ، وتنعدم وظيفة المساحات الأخرى من اللوحة إلا أنها حاملة لتلك المشاهد· ولكن لا يسعنا إلاّ الخروج بانطباع موحد مما يجعلنا نحسّ أن الفنان يؤصّل لتجربة خاصة به، تجربة تعود باللون إلى عذريته أو طفولته وبدائيته، فألوانه غير رمزية ولا مجازية وإنما هي هي في خلقها الأول، إنها أشبه بلغة سعدي يوسف الشعرية التي تعود باللفظة إلى كينونتها الأولى وتلقائيتها البسيطة والبريئة، غير أن تجربة كهذه تحتاج إلى تعميق وجرأة نظنّ أن اللوحات المعروضة ترهص بها، ويؤكد ذلك هذا التحول الكامل من رؤية إلى أخرى مختلفة اختلافا تاما، وهو تحول إيجابي بلاشك·
الفنان خالد القعود الذي قادنا في معرض من ألوان هامسة إلى ألوان صارخة، ومن عالم مشحون بذاكرة رومانسية إلى عالم مشحون بحركات اللاشعور، ومن أشكال تمتد أفقيا إلى أشكال تعتمد على الخطوط والألوان الحادة التي تثقب الفرغ، يحملنا على التأمل عميقا في "أن أجمل الجرار تصنع من الطين العادي ، وأجمل الأشعار من الكلمات البسيطة" وأجمل اللوحات من الألوان والأشكال البسيطة