· كتابات تحليلية تعرض لقضايا سياسية واجتماعية وثقافية من خلال لغة الوجدان والأحاسيس الرفيعة
· إحساس مرهف ورقة فيّاضة ودمعات مضيئة للتعبير عن الانتماء إلى منطق الوردة وبياض الياسمين
· العبارة الشعرية إحدى الوسائل للتأثير في القارئ ودفعه للنضال من أجل قيم الخير والحب والحرية
· المرأة مدينة تقاوم الحروب والمدن أراض يدافع عنها الكاتب ويتعاطف مع شعوبها وأهلها
· جزر ظامئة إلى العدل وامرأة يعشقها الكاتب لأنها رمز السلام والحب والحياة الجميلة
كتب علي عبدالفتاح:
الكاتب الزميل خالد السعد في كتابه الجديد "أبجدية الحروف الأولى" ينطلق بنا عبر رؤى ساحرة تعذبنا كثيراً ولكنها تستولد المتعة من أعماقنا وترمينا على أنغام مورقة ومشاعر حانية ونفوس متعاطفة ووجدان ينفجر بالحلم ويجاهد من أجل الحب والحياة الآمنة·
مقالات كثيرة تنظم وحدة أو معزوفة واحدة للوطن الكويت والأمة العربية وجراح الإنسان العربي في موقفه ضد الغزوات الفكرية التي تحاول أن تسطو على كيانه وتراثه·
ويقول لنا خالد السعد ببساطة: قف شامخاً فأنت عاشق الأرض والحياة والقيم الكبيرة ولا يمكن أن تنهزم أيها الإنسان·
قراءة متأملة
يأتي كتاب الأديب خالد السعد "أبجدية الحروف الأولى" ليكون مفتتحاً لقراءة متأملة تستهدف كشف قضايا الواقع وتحليل المواقف السياسية والاجتماعية والثقافية من خلال قلب هذا الكاتب·
وعلينا أن نثق أنه حقاً أمير الوجدان والكتابة الرومانسية ولكن لا نستطيع أن نأخذ بهذا الرأي في كل ما ينثره داخل الصفحات البيضاء وذلك لأنه يناقش ويحلل ويورد الأمثلة ويتبع نماذج عديدة منها ما ينتمي إلى النقد ومنها ما يرجع إلى التاريخ ونماذج أخرى تتعلق بالذات وأحاسيس القلب وهوى الوجدان·
ولا شك أن خالد السعد شاعر ينسج خيوط مقالاته بإحساس مرهف ورقة فياضة ودمعة مضيئة· وقد اكتسب هذه الشاعرية الجميلة المؤثرة من خلال تربية وجدانه وحواسه منذ طفولته - هذا اجتهاد شخصي مني - فقد نشأ حساساً للغاية يتألم لزهرة ذابلة ويبكي لطائر ضائع يبحث عن عشه وتدمي قلبه صور الأطفال البائسين وضحايا الحروب والموت والمجاعات·
إلى جانب هذا المزيج النفسي الرقيق أقبل على كتب الشعر ونهل من بحرها الهادر ونهرها العذب فانتمى بذلك إلى منطق الوردة والسحابة ولغة الياسمين· وكثرة اطلاعه على الأدب ولاسيما الشعر والنثر وكبار شعراء الحب والوطن والحياة واللمحات الصوفية مثل: ابن الفارض والشريف الرضي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وشعراء مدرسة المهجر ومدرسة أبوللو والمدرسة الرومانسية شيد في داخله مدائن من الحب والشفافية والأحلام الطليقة بلا حدود أو حصون·
وفي هذا العالم الحالم الجميل بدأ خالد السعد يطل علينا بلغته الشاعرة أو ذات العبارة الشعرية·
العبارة الشعرية
ومصطلح العبارة الشعرية يعني في النقد الأدبي الأناقة في التعبير والسمو في المعاني التي تنسج في ثوب من العبارات الوقورة المحكمة السبك والتي لا تستسلم لطوفان الخيال المتطرف أو ترتبك في إشكاليات الواقع الحياتي المبتذل·
وقد أكد على هذا المصطلح الأديب الكبير عباس محمود العقاد في كتابه النقدي وعنوانه "اللغة الشاعرة" حيث يرى أن الكاتب قد يلجأ بمهارته الفنية إلى اللغة الشاعرة أو العبارة الشعرية ليجسد معنى من المعاني يكسبها صورة من الصور التي توضح فكرته ومبادئه وتليق بمذهبه الفني·
ولذلك لا عجب إن وفق خالد السعد في تجسيد قضايا حياتية والتعبير عن محن كبيرة مثل قضية فلسطين وقضية حرب الخليج وقضية المرأة وقضية الانتماء وقضايا الشهداء والأسرى والقضايا التربوية وقضايا الساعة وغيرها من القضايا السائدة من خلال هذه اللغة الشاعرة التي تنساب إلى النفس وتأسر حناياها وتمتلك نياط القلب وحواس الروح·
ولذلك ترى الكويت لها صورة المرأة المعشوقة أو الأم الحبيبة أو الطفلة الجريحة إنها روح يبثها الكاتب أشجانه وينثر عباراته الشجية المنغمة على إيقاعات الحزن والألم فيقول لها:
سيدة الندى والضوء
وجديلة العشب والقمر وقميص الخضرة
في عينيك أسراب من الورود والعصافير والماء والكلمات الشاردة
في عينيك رفوف من الحلم لا تعترف بالزمن·
الحب والغزل
وتلاحظ في أغلب كتاباته أنه يبدأ بالحب والغزل كما كان يفعل الشاعر العربي القديم حين يبدأ قصيدته بالغزل والوقوف على الأطلال والبكاء على فراق الأحبة ثم يبدأ الشاعر في وصف الفرس أو الحديث عن مقصد قصائده واتجاهاتها·
وخالد السعد أيضاً يبدأ كل مقال بالغزل· فما دلالة ذلك؟ إنه يقول في إحدى مقالاته:
يا سيدة الندى
وقمر الليل يرسم الحب على أوراق النبات
يا مسافة العمر ترف على جناح أهدابك
يا نغمة العشق المتجدد في رنين صوتك
فما دلالة هذا العشق في مقدمة المقال؟
إن العشق هنا حالة من الهروب الوقتي إلى زمن آخر·· لا شك أنه زمن خاص يحلم به الشاعر، زمن الخصوبة في عصر القحط وأعوام الرماد·· زمن البراءة في مواجهة آثام حكام العالم المستبدين··· زمن الطفولة النقية الهارب من صور الأطفال الجوعى اليتامى المتناثرين على خارطة العالم يبحثون عن كسرة خبز·
إن خالد السعد كاتب يستشرف عصراً آخر·· ويحلم بتغيير هذا الواقع المتخلف في العالم ويستمد من العشق قوة روحية ومن الاحساس رقته ومن القلب رهافته ومن الروح جسارتها وصدقها ومن العقل منطقه وثباته على المبدأ والقيم·
والعشق في الغالب صورة امرأة يتأنق الكاتب في رسم تفاصيلها فهي الحديقة والوطن وأحياناً كثيرة هي السلام والحب·· وأيضاً رمز للحرية والدفع عن الأرض، والتضحيات الكبيرة، والقيم والمثل العليا·
حلم جميل
ويحلم الكاتب بعالم جديد خال من الحروب والمنازعات، عالم يقدر كرامة الإنسان وإحساسه وحريته وإنسانيته وحياته، ولا يمكن لخالد السعد أن يشعر بتلك المسؤولية إلا من خلال شلالات من الأحاسيس الناعمة العذبة التي تحفر في القلب أنهرا للحب والحياة والطموحات الإنسانية· فيقول:
حبيبتي شهرزاد··
الحب على سجادة العشب يبدأ تحليقه المدهش
والفرح على ضفاف عيون الأطفال يرسم أحلاماً لم تشاهد بعد
والحب يا حبيبتي مدينة زرقاء وأجنحة أزهار
وأنا أسألك حبيبتي شهرزاد
كيف لجسدك امتلاك هذه الأرض المتدفقة بالأسرار؟
جسدي الصغير الفاني مطرز بالدموع المضيئة
ينهض ويمشي إلى نافذتك
وتتميز كتابات خالد السعد بنزعة عاطفية حادة وهذه النزعة العاطفية قوامها أن القيمة الجمالية للأثر الأدبي تقوم على قدرة ذلك الأثر في إثارة العواطف لدى القراء والتأثير في مواقفهم الحياتية بحيث إن هذه المواقف يمكن أن تتحول وتتبدل من السكون والصمت إلى الحركة والثورة·
ولا نقصد بالطبع أن يثور القراء وإنما ثورة داخلية في أعماقهم تدفعهم إلى تغيير آرائهم ومواقفهم السلبية إلى مواقف إيجابية أشد إحساساً بالغير وأكثر اقتراباً من الآخرين وأكثر تعاطفاً مع شعوب المحن والمآسي والكروب·
النزعة العاطفية
ويرتبط مفهوم النزعة العاطفية بأن الإنسان يميل إلى الخير بفطرته ولديه إحساس نابض بالحياة والآخرين ويمكن أن يتأثر ويشعر ويثور ويتحفز لنضال من أجل الخير والحرية والسلام والحب فوق الأرض·
ومن هذا المنطق كانت كتابات الأدباء والشعراء وكتاب المسرح تميل إلى النزعة العاطفية التي تعد إحدى مقومات المدرسة الرومانسية الثائرة ضد التعسف والظلم والداعية أبدا إلى الحرية وعشق الجمال والخير·
بيروت يا مرايا الوقت المورقة
حبك حبيبتي بلور لآلئ يسيل على شرفة النهار
سوسنة زرقاء وسماؤك أضاءها العشاق
وتنفتح في دروبها الحرية والحب والسلام
يتكئ على جذعك عاشقان
وينامان في القبل
وهذا البحر عرشك
وتلك الشرفات قصر يديك
هذا جيشان الشعور وتيار العاطفة المتقدم لا يهدأ إطلاقاً فالكاتب مدفوعاً من استغراقه في قضايا واقعة وتمتد روحه لتعيش هناك مع كل مدينة تناضل من أجل السلام· فإذا بالمرأة التي يحبها تصبح بيروت أو القاهرة أو كوسوفا أو جزيرة في أعالي المحيط تعاني من ظمأ الجفاف وجذر المحيطات وضربات الريح العنيدة في خيام لفقراء والبسطاء·
ومن هنا تشمل نظرة الكاتب أمته وما تعانيه من ظروف قاسية ويحاول أن يمد يديه إلى إخوانه في كل مكان يتألم معهم ويضحك معهم ويجلس في العراء يأكل فتات الخبز معهم وقد ينطلق مع صباح أمته يدعو لها بالخير والحب ويقول:
أقول كل عام وشعبي بألف خير
كل عام ووطني بألف خير
لصباح عام جديد تقف فيه الدنيا تغسل شعرها من غبار الأيام الطويلة
يا وطني يا مقلة للعشق وارفة
في واقعك تئن جراح
وفي الوجدان أحزان
وأوجاع ترتطم بحقائق عام يغيب
إن خالد السعد يعد حقاً أمير أدب الوجدان وناثراً تضيء ذاته بجوهر الحياة وعشق الوجود والدفاع عن قضايا الوطن والأمة العربية· إنه العاشق الملتزم بعشق امرأة تعاني كثافة الموج وعصف الريح ورعد الصحراء ولا يمكن أن يتركها جريحة ويذهب أنه معها يحملها في قلبه ويمضي شاهراً سيف الحق والحرية العدل وهذا موقف الكاتب والتزامه الشديد من خلال كتاباته·
تحية حب صادقة للكاتب خالد السعد أمير أدب الوجدان في الكويت·