رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 16-22 ربيع الأول 1420هـ - 30 يونيو 6 يوليو 1999
العدد 1383

في ندوة مشروع (الجمعيات الأهلية) وأثره على المجتمع المدني في مصر
خلاف حول مبدأ التعيين في الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية

·         قضية التمويل من أكثر  النقاط خلافية وإثارة

·         تقييم أداء الجمعيات يواجه تساؤلات في من وكيف يتم؟

 

وافق مجلس الشعب المصري بتاريخ 1999/5/25 على قانون الجمعيات الأهلية الجديد وقد انقسم النواب بين مؤيد للقانون ومعارض له· وفي حين طلب المؤيدون وضع قواعد للقضاء على التجاوزات التي تقع من بعض الجمعيات الأهلية، ومواكبة التغيرات الاقتصادية والعالمية، اتهم المعارضون له الحكومة بالإصرار على ضرب المنظمات والمؤسسات الوسطية في المجتمع، وأنه يوسع سلطات الجهة الإدارية ويقيد الحرية الحزبية ويصفي حسابات مع بعض المؤسسات الأهلية·

وهذا وقد دافعت د· ميرفت التلاوي وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل والمستشار فاروق سيف النصر وزير العدل على مشروع القانون ونفيا أن يكون الهدف هو التضييق على عمل الجمعيات الأهلية· كما أكد د· أحمد عمر هاشم رئيس لجنة الشؤون الدينية ومقرر المشروع أن القانون تضمن العديد من المبادئ والضمانات التي تشجع الجمعيات على العمل التطوعي في التنمية· والجدير بالذكر أن في مصر اليوم حوالي 15 ألف جمعية أهلية تقوم بأنشطة مختلفة في مجالات التنمية التطوعية·

وفيما يلي تفاصيل النقاش الذي دار في ندوة المنظمة العربية لحقوق الإنسان وذلك ضمن موسمها الثقافي للعام 1999/98 إسهاماً منها في إثراء الحوار الدائر حول مشروع القانون الجديد المنظم لنشاط القطاع الأهلي في مصر، شارك في مناقشة مشروع القانون عدد من أعضاء لجنة الصياغة، وممثلون للجمعيات الأهلية، وشخصيات عامة، هم:

1 - الدكتور أحمد البرعي

أستاذ التشريعات الاجتماعية بكلية الحقوق - جامعة القاهرة، وعضو لجنة الصياغة·

2 - الأستاذ أمير سالم

المحامي، ومدير مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان وعضو لجنة الصياغة·

3 - المستشار الدكتور فتحي نجيب

مستشار وزير العدل ورئيس لجنة الصياغة·

4 - الأستاذة منى ذو الفقار

المحامية، ومديرة الجمعية المصرية للسكان والتنمية، وعضوة لجنة الصياغة·

5 - الأستاذ نجاد البرعي

أمين عام جمعية تنمية الديمقراطية، وأمين عام الشبكة العربية للديمقراطية·

6 - الدكتورة هدى بدران

مديرة رابطة المرأة العربية·

وأدار النقاش دكتور عليِّ الدين هلال عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة وعضو لجنة الصياغة·

وفيما يلي استعراض لأهم القضايا التي دار حولها النقاش·

 

1 - إشكاليات نظرية في مقاربة مفهوم المجتمع المدني

 

في كلمته الافتتاحية أثار الأستاذ محمد فائق نقطتين ذواتا صلة بهذه الجزئية، وهما علاقة المجتمع المدني بالديمقراطية وعلاقته بالدولة· في النقطة الأولى ركز الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان على دور مؤسسات المجتمع المدني في تفعيل الممارسة الديمقراطية من خلال نشر قيم المشاركة السياسية في إطار تلك المؤسسات، كونها هي الأكثر تماساً واشتباكاً مع  السلطة في قضايا الحقوق المدنية والسياسية وحريات الرأي والتعبير· واعتبرها بتلك الصفة هي المستهدفة أكثر من غيرها بالقانون موضع المناقشة، لأنها بحكم اقترابها من الدائرة اللصيقة بسلطة الدولة وسيادتها، لا يقبل منها ما قد يقبل من غيرها خصوصاً مع ترامي قدرتها على الفعل والتأثير· ومن هنا انتقل إلى النقطة الثانية في محاول لإزالة التعارض المصطنع بين الدولة والمجتمع المدني· فحسب أ· فائق هناك علاقة تكاملية بين الدولة والمجتمع المدني، ومؤدي هذا رفض بعض الأطروحات الليبرالية الجديدة التي تصيغ تلك العلاقة في هيئة نفي واستبعاد متبادل، على أساس أن الدولة هي كيان متسلط بطبيعته فيما المجتمع المدني أميل في الغالب إلى الديمقراطية· بقول آخر، ليس هناك شكل أو تنظيم سياسي أو اجتماعي واحد للديمقراطية فكما أن الديمقراطية قد تكون صفة للدولة أو للمجتمع المدني، فكذلك يمكن أن تكون التسلطية صفة لأحدهما أو لكليهما· يقول ثالث إن المجتمع المدني هو مظهر من مظاهر الديمقراطية لكنه في الوقت نفسه ليس هو الديمقراطية بعينها·

ومضى د· عليِّ الدين هلال خطوة أبعد بتحديد العلاقة بين الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني، وحذر في هذا السياق من بعض الأدبيات الأمريكية التي تختزل المجتمع المدني في الجمعيات الأهلية، وتعتبر هذه الأخيرة هي لبُ الديمقراطية· فمع تقديره أهمية دعم المجتمع المدني ومؤسساته، إلا أنه شَدَّد على أن الأحزاب السياسية كانت ولاتزال هي مناط الديمقراطية، فهي وحدها القادرة على إعمال قاعدة التنافس السياسي التي هي شرط لتداول السلطة· وفي واقع الأمر، فإن علاقة الجمعيات الأهلية بالأحزاب السياسية، كانت محل نقاش واسع في أعقاب انتهاء الحرب الباردة· بين أولئك المشككين في جدوى استمرار الأحزاب السياسية بعد ما انتهى الاستقطاب الأيدويولوجي بين يمين ويسار، وانهار الحزب الشيوعي بتنظيمه الحديدي في أوروبا، وأصبح العمل الأهلي مدخل القوى الباحثة عن المشاركة السياسية في نظم التعددية الحزبية المقيدة· وأولئك المؤكدين على دور الأحزاب السياسية وعلى قدرتها على التكيف مع مستجدات ما بعد الحرب الباردة، عبر مسالك وطرق شتى، منها ما يعرف باسم الطريق الثالث·

 

2 - إشكاليات ترتبط بمشروع القانون الجديد للجمعيات الأهلية

 

من الإشكاليات ذات الصلة التي تعرض لها الحضور بالمناقشة، تلك الخاصة بآليات صياغة المشروع، وتأسيس الجمعيات الأهلية، وبحلها، وبقضية التمويل، إضافة إلى تلك المرتبطة بالاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية وبصندوق إعانة الجمعيات والمؤسسات الأهلية·

أ - آلية صياغة المشروع

كانت هذه النقطة على ما سلفت إليه الإشارة محل اهتمام واسع من المشاركين، كونها ترسي تقليداً "جديراً" بالتعميم في هذا السياق، استعرضت أ· منى ذو الفقار مختلف المراحل التي تم التوصل إليها في سبتمبر الماضي· وردت المتحدثة أولى هذه المراحل إلى عام 1988 - 1987  عندما تكثفت المطالبة بتغيير القانون رقم (32) لعام 1964 دفعاً بعدم دستوريته، ونوهت بدور المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في تلك الآونة التي وكلت أ· أمير سالم لتحريك الدعوى القضائية، واعتبرت أن هذا التاريخ وإن شكّل بداية الحركة في اتجاه التغيير، إلا أنه لم يؤت ثماره من الناحية الفعلية، حيث ميزه عزل كامل بين الجمعيات الأهلية والحكومية، فلا نشأ بينهما حوار، ولا بادر أيهما بالاقتراب من الآخر· ورغم أن المرحلة الثانية الممتدة بين عامي 1993 و1997، شهدت تحولاً كيفياً في أسلوب عمل الجمعيات الأهلية، إلا أنها أفضت إلى النتيجة نفسها· أما عن التحول الكيفي في أسلوب العمل فقد تجسد في التنسيق بين الجمعيات الأهلية من خلال عدد من النقاط المحورية في العاصمة والوجهين ابلحري والقبلي، والذي أمكن من خلاله التوصل إلى وثيقة مشتركة نوقشت في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد بالقاهرة في 1994· وأما عن تماثل نتيجتي المرحلتين الأولى والثانية فإنه تحقق باستمرار القطيعة بين الحكومة والقطاع الأهلي، حتى بادرت الجمعية المصرية للسكان والتنمية باقتراح التفاوض مع الجهة الرسمية صاحبة الاختصاص (وزارة الشؤون الاجتماعية) للعمل على وضع مشروع قانون جديد وعرضه لاحقاً علي الهيئة التشريعية باسم الطرفين المُعدَّين له· وعندما وافقت وزارة الشؤون الاجتماعية على هذا الاقتراع المكتوب في مايو 1997، شرعت الجمعية المصرية للسكان والتنمية في تشكيل مجموعة عمل مشتركة من ممثلين للوزارة وللجمعيات الأهلية والجهات مانحة المعونة وللباحثين والدارسين المهتمين ولوزارة الخارجية، وعكفت هذه المجموعة طيلة ثلاثة أشهر على وضع فلسفة القانون المطلوب، حتى وقع التعديل الوزاري في نوفمبر من العام نفسه لتبدأ بذلك المرحلة الثالثة والأخيرة المستمرة حتى الآن· فمع تولي السيدة ميرفت التلاوي مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية، وتبنيها فكرة القانون والتفاوض حول الصيغة المعدلة، قامت بتشكيل لجنة مشتركة (أهلية - حكومية) وضعت مشروعاً أُخْضِع للتشاور، وأُدخلت عليه تعديلات، ومازال في طور التطوير والتنقيح بهدف أن يعكس في جوهره حقيقة اتجاهات الرأي العام· وقيمت أ· منى ذو الفقار التطور السابق بمراحله الثلاث بأنه تطور إيجابي، يكشف عن أهمية اشتراك الحكومة باعتبارها الجهة التنفيذية بقدر ما يوضح أهمية العمل الجماعي على المستوى الأهلي باعتباره القطاع صاحب المصلحة· واعتبرت أن الطريق إلى إقرار المشروع ما زال طويلاً، لأن هناك داخل البرلمان وخارجه قوى رافضة للتغيير·

وعلق د· عليِّ الدين هلال على الشق الخاص بالتعاون مع الحكومة مؤيداً أهميته، نافياً عنه الشبهات، مؤكداً على أن الحكومة ليست شراً مطلقاً يسري إلى المتعاونين معها بالضرورة، ومشدداً على أنه لا تغيير إلا من هذا الباب: باب التفاوض مع الحكومة، وداعياً قوى المجتمع المدني إلى أن تتكتل لتضغط وتؤثر بدلاً من أن تنعزل أو تتصارع، فتفشل ويذهب ريحها· وحسبه، فإنه بقدر ما يقيض للقانون - أي قانون - أن يعبر عن مصالح عموم القوى الاجتماعية والسياسية في المجتمع، بقدر ما يتمكن من تحقيق التوازن ويهيأ له حفظ الاستقرار· وأضاف أن العبرة في إنجاح هذه التجربة ليست بمجرد إخراج المشروع على الوجه الذي يقبله المجتمع ويرضاه، فالأهم هو اتساقه مع مجمل المنظومة القانونية المتصلة بالحقوق والحريات العامة، لأن قانون الجمعيات الأهلية لن يعمل في فراغ، بل هو جزء من كل، وبالتالي فإن السؤال المثار هو إلى أي مدى يتوازى العمل على صعيد تعديل قانون العمل الأهلي مع نظيره على الأصعدة القانونية الأخرى؟

وبخصوص هذا الاستفسار، أوضح المستشار فتحي نجيب أن هناك صعوبة في إصلاح التشريعات التي تنظم أوضاعاً تتصل بالثقافة السائدة، فالناس أميل إلى مقاومة تغيير قيمهم، ولذلك تتسم عملية التنشئة بالبطء الشديد· وحول هذا المعنى، عرض المتحدث تجربته في محاولة تعديل قانون الإجراءات في مسائل الأحوال الشخصية· فرغم أن جهة المبادرة بالتعديل كانت جهة رسمية: وزارة العدل، ورغم أن اللجنة المنبثقة عن الوزارة صرفت تسع سنوات في صياغة المشروع المعدل، إلا أن تقدماً لم يتحقق، لأن التعديل ببساطة كان يتصل بوضع المرأة وعلاقتها بالرجل ونظرة المجتمع لها· وبمفهوم المخالفة، فإن التجربة السابقة في رأي المتحدث تصور حجم الإنجاز الذي تحقق في تطوير مشروع الجمعيات الأهلية وفي مدى زمني قياسي·

وبطبيعة الحال، يمكن إضافة العامل الخاص بحدود المساس بجوهر النظام السياسي إلى العوامل المحددة لإمكانيات الإصلاح التشريعي· وبالتالي فمن المتوقع ألا يكون تعديل القانون المنظم لحرية الصحافة أو لحرية تكوين الأحزاب السياسية ميسوراً بالقدر ذاته الذي يتمتع به تعديل قانون مثل قانون العمل· ومن المعلوم أن الإعداد لتعديل هذا الأخير يجري حالياً باستخدام أسلوب التفاوض، وهو ما حرص أ· نجاد البرعي على الإشادة به في إطار تشجيعه الاتجاه التفاوضي كاتجاه عام· وإن لاحظ من ناحية أخرى أن هذا الاتجاه لم يترسخ بعد حتى في حدود النماذج المحدودة التي استخدم فيها (مشروع قانون القطاع الأهلي ومشروع قانون العمل)، بدليل أنه عندما وجه الاتحاد الإقليمي بالكامل· أما د· أحمد البرعي وأ· أمير سالم، فقد عدّا تلك الخروقات من قبيل الاستثناء الذي لا ينال من أهمية الإنجاز الذي انطوى عليه معنى اللجوء إلى التفاوض، بل وزادا أنهما كمدعوين للمشاركة في الحوار مع وزيرة الشؤون الاجتماعية، لم يساورهما شك في البداية بخصوص شكلية الدعوة وعدم جدية الحوار، ثم فوجئنا أن الأمر ليس كذلك·

ب - شروط تأسيس الجمعية

اعتبر د· أحمد البرعي أن المادة الخامسة التي تخلع على الجمعيات الأهلية الشخصية المعنوية بمجرد إيداع أوراق تأسيسها لدى الجهة الإدارية صاحبة الاختصاص، تعكس التقدم الكبير الذي ميز المشروع موضع المناقشة· ورغم أن هذه النقطة كانت محل اتفاق عام بين الحضور، إلا أن هذا لم يحل من دون تسجيل ثلاث ملاحظات خاصة بالشروط التأسيسية· الملاحظة الأولى تتصل بالمادة الأولى من المشروع التي تشترط تكوين الجمعية من عدد من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين لا يقل عن عشرة أفراد· وقد أثار أ· نجاد البرعي هذه الجزئية ودفع بتحكيمه العدد المحدد· فإذا كان التقرير الوارد بخصوصها هو الحيلولة  دون أن ينتمي المؤسسون إلى عائلة واحدة، فهذا مردود عليه بأنه حتى لو زيد العدد إلى خمسة وعشرين أو خمسين شخصاً فلن يضمن ذلك ألا يكون المؤسسون من عائلة واحدة· وقارن المتحدث هذه المادة بنص المادة 54 من القانون المدني التي تعبر الجمعية هي كل مجموعة تتكون من عدد من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين لغرض غير الحصول على الربح المادي· كما أشار إلى الحكم القضائي الخاص بالنادي السعدي والذي أثبت له الشخصية المعنوية انطلاقاً من أن كل مجموعة من الناس تنظم نفسها في شكل جمعية وتعلن عن نفسها جمعية، هي جمعية· وأجاب المستشار فتحي نجيب على المداخلة السابقة بقوله إن مسألة العدد هي واحدة من المسائل الخلافية التي تتفاوت بشأنها الآراء· ففي مقابل الرأي القائل بمحدودية العشرين فرداً كنواة للجمعية الأهلية، نجد الرأي المناقض الذي يحتج على ضخامة هذا العدد، خصوصاً أن ثمة تخصصات عملية دقيقة لا يتوفر لها هذا العدد، وضرب مثالاً محدداً لذل كبالخبراء الإكتواريين في مصر الذي يقل عددهم عن عشرين شخصاً·

والملاحظة الثانية تنصب على المادة السابعة التي تخول الجهة الإدارية حق الاعتراض على النظام الأساسي للجمعية، وعلى بعض الأعضاء المؤسسين أو كلهم، فإذا لم تزل الجمعية أسباب الاعتراض خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إخطارها جاز للإدارة اللجوء للقضاء· وقد اعتبرت د· هدى بدران هذه المادة مادة متعسفة لأن التزام النظام الأساسي للجمعية وبالضوابط الواردة في مشروع القانون، يحجب عن الإدارة حق الاعتراض· وعلى هذه الملاحظة أجاب المستشار فتحي نجيب أن إخفاء البيانات الصحيحة يعد مسوغاً للاعتراض، ومثل لذلك بإخفاء الجمعية أن بين مؤسسيها من صدر ضده حكم نهائي بعقوبة سالبة للحرية لارتكابه جناية أو جنحة مخلة بالشرف، مما ينطوي على مخالفة صريحة لنص المادة الثانية· واستطرد المتحدث قائلاً إنه حتى في هذه الحالة، تقوم الجهة الإدارية باللجوء إلى القضاء، وليس هناك من يملك سلبها (أو سلب غيرها) هذا الحق·

والملاحظة الثالثة ترتبط بنص المادة السادسة على تحصيل مبلغ خمسين جنيهاً من الجمعية مقابل قيدها في السجل، علماً بأن هذا المبلغ يورد إلى صندوق إعانة الجمعيات والمؤسسات الأهلية· وفي هذا السياق تساءلت د· هدى بدران لماذا تسعى الجهة الإدارية إلى جمع الأموال من الجمعيات؟ ولماذا تنال بهذا الالتزام من إيجابية جوانب أخرى في المشروع تتصل ببعض الإعفاءات الضريبية؟ وتلك نقطة سيشار إليها لاحقاً·

ج - إدارة شؤون الجمعية

فيما يخص هذه الجزئية، تطرق الحضور إلى مؤسستي الإدارة في الجمعيات الأهلية، وهما الجمعية العمومية ومجلس الإدارة· في شأن الجمعية العمومية علقت د· هدى بدران على نص المادة الخامسة والعشرين من المشروع التي تفيد أن الدعوة لاجتماع الجمعية تتم بالإعلان عنها مرتين متتاليتين في مكان بارز بإحدى الصحف القومية· ففي تصورها أن كون الجمعية العمومية هي أعلى سلطة في الجمعية الأهلية من جهة· وصاحبة الاختصاص المباشر في محاسبتها من جهة ثانية، يوجب توجيه الدعوة لكل عضو من أعضائها بذاته وعلى حدة وعدم الاكتفاء بالإعلان عن موعد الاجتماع في الصحف، خاصة أن الاجتماع سنوي· وفي شأن مجلس الإدارة أشاد د· أحمد البرعي بأن الاستعانة في تشكيله بموظفي وزارة الشؤون الاجتماعية، صارت اختيارية· بينما أثار آخرون النقطة الخاصة بعدم جواز تجديد انتخاب من أكل دورة المجلس كاملة إلا بعد انقضاء عامين على وجوده خارج المجلس، وذلك بحكم نص المادة الثانية والثلاثين· فلقد دفعت د· زينب عفيفي بعدم دستورية هذا النص قياساً على أحقية من يشغلون المناصب التالية: رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الشعب وعضويته، ورئاسة المجالس المحلية وعضويتها·· الخ في إعادة انتخباهم عدداً غير محدد ولا مشروط من المرات· وعلقت أ· منى ذو الفقار على هذا المداخلة بأن النص المذكور فيه تعميق للديمقراطية لأنه يكرس أحد أهم مبادئها، وهو مبدأ تداول السلطة· أما النقطة الأخرى التي تتصل بمجلس الإدارة والتي أفاض في مناقشتها الحضور، فهي تلك المتعلقة بما ورد في المادة الرابعة والثلاثين من تخويل عضو المجلس تقاضي أجراً مقابل العمل الذي يقوم به لحساب الجمعية ويحقق به مصلحتها· فلقد اعتبرت د· هدى بدران أن المادة المشار إليها محملة بتناقض داخلي· لأن مجلس الإدارة يسائل موظفي الجمعية بحكم تقاضيهم أجورهم منها، فكيف يسمح لأعضائه بتقاضي مقابل خدماتهم؟ ثم من يسائلهم والحال هذه؟ ولم يرى المستشار فتحي نجيب غضاضة في نص المادة الرابعة والثلاثين، بل وجده نافعاً لكلا الطرفين· الجمعية التي تستفيد من خدمات أعضائها· وعضو مجلس الإدارة نفسه الذي من حقه أن يثاب ولو رمزياً على الخدمات التي يؤديها للجمعية التي ينتمي إليها· وأكدت أ· منى ذو الفقار على أن تعامل الجمعية مع (أ) أو (ب) أو (ج) مهنياً لا ينفي عنه قابليته للمساءلة من قبل مجلس الإدارة والجمعية العمومية، ولا يخل بقواعد المحاسبة أو يؤثر فيها·

د - قضية التمويل

كانت هذه القضية من أكثر القضايا خلافية بين الحضور، وأكثرها إثارة في الوقت نفسه من جانبهم· ويمكن القول إن النقطتين الرئيستين المتصلتين بها، كانتا هما: النقطة الخاصة باشتراط موافقة الجهة الإدارية على تلقي التبرعات من الخارج بنص المادة السابعة عشرة· والنقطة الخاصة بالإعفاءات الضريبية المقررة للتبرعات من الداخل بنص المادة الثالثة عشر· انطلق أ· نجاد البرعي من أن التمويل (الداخلي والخارجي) هو روح العمل الأهلي، وأنه بهذه الصفة يعتبر المادة المقيدة للتمويل الخارجي بشرط موافقة الإدارة، عقبة أخرى بل ورئيسة أمام تحرير العمل الأهلي· وأضاف أن من حق المشرع أن يصيغ ابتداءً مجموعة من الضوابط الحاكمة لتلقي التبرعات من الخارج، من قبيل حظر الحصول على تمويل من دول لا تربطها بمصر علاقات دبلوماسية· كما أن من حقه أن يحدد آليات الرقابة على أوجه إنفاق الجمعية مواردها، ومنها الموارد الخارجية· فهذا وذاك في عُرف القانون يدخلان في باب القواعد المحددة الآمرة· أما أن يُعلق الحصول على تمويل خارجي على شرط موافقة جهة الإدارة أو عدم موافقتها، فهذا نص معياري يسمح بتغير الحكم في الحالات المتشابهة· وأيدت د· هدى بدران هذا الرأي· واقترحت د· زينب عفيفي تأكيداً للمعنى ذاته تعديل المادة المشار إليها لتفيد مجرد إبلاغ جهة الإدارة وليس الحصول على موافقتها، بخاصة أن جميع الجمعيات الأهلية تخضع لرقابة هذه الجهة فيما يخص مصروفاتها وإيراداتها وتبرعاتها التي تدخل في عداد المال العام· وعقبت أ· منى ذو الققار بأن الثابت من دراسات أجراها مستشارون لصالح البنك الدولي، أن التمويل الخارجي لا يشكل إلا نسبة 6 في المئة من موارد الجمعيات الأهلية في مصر، ومؤدي هذا أن المصريين أنفسهم هم الذين يتولون عبء التمويل ، وعلى هذا المصدر "الداخلي" لا ترد ضوابط أو قيود، وحتى فيما يتعلق بالتمويل الأجنبي فلقد اقتصر التقييد في المشروع على المصدر الخارجي لهذا التمويل ومن هنا فإن التمويل المقدم من فروع مؤسسات بحثية دولية في مصر هو تمويل أجنبي لكنه يعامل معاملة التمويل الداخلي، لكن كما أشار أ· نجاد البرعي وبحق فان التمييز الذي تضمنه المشروع بين الداخل والخارج يحتاج مزيدا من الضبط والتدقيق ليس فقط لأن ميزانيات فروع المؤسسات الدولية في مصر هي جزء من ميزانيات أصول تلك المؤسسات في الخارج، لكن كذلك وهو الأهم لأن أراضي السفارات الأجنبية بحكم التعريف هي أراض أجنبية·

أما بشأن النقطة المتعلقة بالإعفاءات الضريبية، فلقد قارن أ· نجاد البرعي بين المشروع موضوع المناقشة والمشروع السابق عليه في 14 فبراير 1998· فبنص المادة الثانية عشرة من مشروع فبراير كانت تخصم من الوعاء الضريبي للأشخاص الطبيعية والاعتبارية جميع التبرعات الداخلية مهما كان حجمها· وبنص المادة الثالثة عشرة من مشروع سبتمبر وبعد ستة أشهر من المفاوضة، اعتبرت التبرعات الداخلية التي تقدم للجمعيات أو المؤسسات الأهلية بمثابة تكاليف على الدخل بما لا يتجاوز 15 في المئة منه· وقيّم أ ·نجاد البرعي هذا التغيير بأنه يمثل "تراجعا هائلا عن وجهة النظر الحكومية السابقة" ورغم إقرار أ· منى ذو الفقار بأن نسبة الخصم ما زالت دون المطلوب، إلا أنها عبرت عن أملها في مزيد من التطوير كما ذكرت المتحدثة أن ممثلي الجمعيات الأهلية ذهبوا إلى التفاوض وليس في تصورهم حد أقصى للخصم، ثم وبعد محاولات التفاوض مع وزير المالية توصلوا إلى النسبة المثبتة في المشروع من الربع الصافي للشركة أو البنك أو لشخص المتبرع، مؤكدة أنه ليس هناك ما يحول دون الحصول على مزيد من الخصم في الصيغة النهائية للمشروع وأضافت أن النص المقترح يسمح للجمعيات الأهلية بممارسة أنشطة خدمية لتوليد مصادر تمويلية، بحيث تتحول هذه الجمعيات بمقتضاها إلى وحدات إنتاجية توفر دخلا وتهيىء فرصا للعمل·

هـ - تأثيم المخالفة

مثلما كانت مداخلة د· أحمد البرعي حول تقدمية طريقة إشهار الجمعية في مشروع القانون محل القانون محل اتفاق بين الحضور، كذلك كانت مداخلته حول المادتين الحادية والأربعين والثانية والأربعين اللتين لا تجيزان حل الجمعية إلا عن أحد طريقين: قرار من جمعيتها العمومية، أو حكم من المحكمة الابتدائية، وفي المداخلة الثانية كما في المداخلة الأولى انقسم الحضور حول بعض التفصيلات ذات الصلة· فمن ناحية، تحفظ البعض على عدد من الأنشطة المؤثمة بحسب نص القانون في المادتين المذكورتين، فأثارت كل من د· هدي بدران ود· نيفين مسعد النقطة الخاصة بعجز الجمعية عن تحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها، واعتبار هذا العجز من موجبات الحل، وتساءلنا في هذا الخصوص من هو صاحب القرار في تقويم أداء الجمعية المعنية سلبا أم إيجابا؟ وأوضحتا صعوبة قياس أداء طائفة معينة من الجمعيات، في مقدمتها تأتي منظمات حقوق الإنسان فهذه المنظمات قد تعبىء وتجبّه وتضغط من أجل احترام حقوق الإنسان، لكن جهدها لا يلقى استجابة فكيف نحملها وزر التعثر وهي ليست جهة التنفيذ؟ ثم إن نشاط مثل هذه المنظمات لا ينصب على محاولتها إقناع السلطة بإصدار القوانين الحامية للحقوق والحريات لكنه يمتد إلى العمل على إقناعها بعد إصدار فئة أخرى من القوانين المقيدة للحقوق والحريات فكيف يمكن تقويم الشق الأخير من أداء الجمعيات؟ كذلك ناقشت د· هدى بدران نص المادة على حل الجمعية في حالة انتسابها او اشتراكها أو انضمامها إلى ناد أو جمعية أو هيئة أو منظمة يقع مقرها خارج الحدود المصرية، واستفهمت عن مدى مصداقية هذه المادة في ضوء الثورة الاتصالية الضخمة التي تكفل للأشخاص والمؤسسات الالتقاء والتواصل وتكوين الشبكات باستخدام وسائل تصعب مراقبتها كالإنترنت على سبيل المثال·

وانتقل السفير طاهر شاش إلى المادة الحادية عشرة التي تتضمن بدورها عددا من الأنشطة المحظورة، فوجد أن تأثيم ممارسة الجمعيات نشاطا سياسيا مخالفا للقانون المنظم للأحزاب السياسية، جاء في صيغة فضفاضة قد يكون من شأنها الإضرار بمنظمات حقوق الإنسان على وجه الخصوص··وسجلت د· زينب عفيفي الملاحظة نفسها بخصوص عمومية الصياغة في إطار منع المادة الحادية عشرة ممارسة الجمعيات أي نشاط يميز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو  اللغة أو الدين أو العقيدة· ففي رأيها أن هذا المنع يسري على الجمعيات الدينية (مسيحية وإسلامية) التي لا تتوجه بالتوعية الدينية لغير أتباع مللها، علماً بأن هذه النوعية من الجمعيات الدينية مثلت %25 من مجموع الجمعيات الأهلية في مصر وفق الإحصاءات الواردة عام 1993· ولمعالجة هذا الوضع، اقترحت المتحدثة صياغة بديلة للفقرة تكون كالتالي: حظر ممارسة أي نشاط خدمي أو اجتماعي أو تنموي يميز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة· لأنه إذا كان من المنطقي أن تتوجه الجمعية دعوياً أو دينياً لأتباعها وحدهم، فمن غير المقبول أن تختصهم بمساعداتها الاجتماعية أو أنشطتها التنموية· وعلى هذه المدخلات، عَقَّب أ· أمير سالم بأن الأنشطة المحظورة في المشروع واضحة ومطابقة لكل من قانون العقوبات وقانون الطوارئ· وبالنسبة للنص الخاص بالأعمال المخالفة لنص قانون الأحزاب تحديداً، فإن هذا الأخير يتضمن على سبيل الحصر عدداً من الأنشطة المنهي عنها من قبيل تهديد الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي·· الخ، مؤكداً أن سماح المشروع بالنشاط السياسي للجمعيات يمثل نقلة كيفية مقارنة بسابقه، بل ومقارنة بالصيغة الأولى له هو نفسه والتي خضعت للتشاور والحوار مع وزيرة الشؤون الاجتماعية·

ومن ناحية أخرى اهتم البعض بحدود تأثيم المخالفات أو بمعنى أدق بالعقوبات الواردة على تلك المخالفات في متن المشروع وفي هذا السياق ذكر أ· نجاد البرعي ملاحظتين أساسيتين حول نص المادة سبعة وسبعين في باب العقوبات، الملاحظة الأولى أن هذه المادة توقع عقوبة جنائية على القائمين بأعمال مدنية بطبيعتها فهي تنص على أن مخالفة أحكام المادة الحادية عشرة تعرض المخالف للحبس مدة لا تزيد على سنة ولغرامة لا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو لإحدى هاتين العقوبتين، وحسبه فإنه يقبل ارتفاع قيمة الغرامة في المشروع الجديد مقارنة بالقانون رقم 32 لعام 1964 لمواكبة التضخم، لكنه يرفض في القانون الساري إلى الحبس مدة ستة أشهر في المشروع المقترح، واعتبر أن مثل هذا النص يحول دون تحرير العمل الأهلي لأن المواطن يحتاج أن يتدبر أمره قبل أن يقرر الالتحاق بجمعية أهلية ويتعرض بالتالي لاحتمال مقاضاته، والملاحظة الثانية أن المادة المشار إليها تأخذ بفلسفة عقابية بالغة التشدد حيث إنها تنزل بالجمعية المخالفة عقوبتي الغرامة والسجن لأعضائها فضلا عن عقوبة الحل المقررة في المادتين الحادية والأربعين والثانية والأربعين، وقد أثارت تلك المداخلة ردود أفعال متبانية·

أوضح المستشار فتحي نجيب أن هناك سوابق عديدة، سواء لقوانين مدنية توقع على مخالفيها عقوبات جنائية، ومن قبيلها قانون التأمينات الاجتماعية أو لقوانين تتضمن ازدواجية عقابية ومن قبيلها القانون التجاري، وأضاف أنه رغم ذلك فإن الحل القضائي ليس هو العقوبة المقررة بالضرورة في المشروع الجديد ·· فمن العقوبات البديلة عقوبة حل مجلس الإدارة أو وقف النشاط المخالف ·· وأكد د· أحمد البرعي على الجزئية الأخيرة، واعتبر أن استمرار الشخصية المعنوية للجمعية الأهلية حتى صدور الحكم القضائي بحلها، هو من إيجابيات المشروع· وكان لد· زينب عفيفي رأي آخر ، مؤداه أنه  طالما كانت معظم المخالفات الموجبة للحل هي مخالفات رئيس مجلس الإدارة أو أعضائه أو المدير المفوض، فإن المنطق يهدي إلى أن تكون عقوبة تلك المخالفات هي حل مجلس الإدارة قضائيا وليس حل الجمعية ككل، فإذا ما تكرر حل مجلس الإدارة  بموجب حكم قضائي نهائي لأكثر من ثلاث مرات يكون من حق الجمعية أو الجهة الإدارية أو النيابية العامة إقامة دعوى أمام المحكمة الابتدائية ذات الاختصاص من أجل حل الجمعية · أما د· أحمد الرشيدي فكان مع تشديد العقوبة وتغليظها، طالما أن هدف العقوبة هو الردع، واختص بالتشديد مخالفتين متضمنتين في المادة الحادية عشرة من المشروع المخالفة الخاصة بتكوين السرايا أو التشكيلات العسكرية والمخالفة الخاصة بنشاط يهدد الوحدة الوطنية أو يخالف النظام العام والآداب·

وأخيرا كان من الموضوعات الأخرى التي أثارها الحضور موضوع الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية، وموضوع صندوق إعانة هذه الجمعيات والمؤسسات، وهما الموضوعان اللذان وردا في مداخلة د· هدى بدران تعليقا على المادتين سبعين وثلاثة وسبعين على التوالي· فبخصوص الاتحاد والصندوق، ذكرت المتحدثة أن استمرار أسلوب التعيين لأعضاء الاتحاد يمثل إهدارا للديمقراطية، كما أن تشكيل مجلس إدارة الصندوق من عدد من غير ناشطي العمل الأهلي يفوق عدد ممثلي الجمعيات "7 مقابل 4" فيه إنقاص من قدرة أصحاب المصلحة على التعبير عن رؤاهم ومطالبهم ثم إن عدم تضمين اختصاصات الاتحاد العام وظائف تتصل بالتخطيط والتنسيق والتثقيف، والتي هي جوهر عمله بنص النظريات الخاصة بالجمعيات الأهلية، ينزع المشروع عن الإطار النظري الذي يفترض أن يكون ناظما له·

وفي التحليل الأخير فإن انعقاد ندوة "مشروع قانون الجمعيات الأهلية في مصر وأثره على حركة المجتمع المدني" يمثل محاولة من محاولات إرساء أسس جديدة لهذا المجتمع تتميز بالحوار والتفاهم والانفتاح على الآخر، وكذلك بالعقلانية والرشادة، في مواجهة ما عبر عنه أ· محمد فائق ببعض مظاهر عشوائية حركة المجتمع المدني في مصر كما في غيرها في بلدان الوطن العربي·

طباعة